أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - محمد برازي - قوة الإيحاء الذاتي















المزيد.....

قوة الإيحاء الذاتي


محمد برازي
(Mohamed Brazi)


الحوار المتمدن-العدد: 6284 - 2019 / 7 / 8 - 02:02
المحور: التربية والتعليم والبحث العلمي
    


الإيحاء الذاتي إصدار قوة انعكاسية من داخل المُخيِّلة إصدارا تلقائيّا، ردّا على عوامل مؤثرة خارجية.
قد يبدو الإيحاء الذاتي قوة ووسيلة إيجابية مفيدة في العلاج النفسي، عندما يساعدنا إلى حد ما على إحلال الصور الذهنية «الجيدة» محل «السيئة.» أما وفقا لما رأيته من تجارب، فإنّ عملية المعالجة هذه لا تجري دائما بهذه السهولة. فالخوف من فكرة شريرة معينة، على سبيل المثال، يلعب أحيانا – هو نفسه – دورا في تحريك تلك الفكرة واستدعائها لتحتل مكان الصدارة في الذهن، فتهيمن تلك الفكرة على التفكير، ويزداد الاضطراب الداخلي، ويزيد الطين بلَّة. وهذا إيحاء ذاتي أيضا، ولكنه من النوع السلبي. فبذلك، يمكن أن نثير أعصابنا، حتى لو لم نكن نريد ذلك، ونغدو في حالة فظيعة من الشدّ النفسي، بحيث لا يعود في إمكاننا رؤية مخرج منها. عندئذ نفقد قابليتنا على رؤية الله، بل نفقد أيضا عزيمتنا على الفوز بالانتصار على الفكرة الشريرة في الصراع، والحصول على الهدوء الروحي.
ويؤثر الإيحاء الذاتي على مجالات أخرى من الحياة أيضا. فكل من تعلّم قيادة دراجة هوائية، يتذكّر كيف كان عليه أن يبذل قصارى جهده لتركيز ذهنه على قيادة الدراجة باتجاه الجانب الآخر من الطريق لتحاشي حفرة أو جدار، ولكن مع ذلك ينتهي الأمر به في الحفرة أو بالجدار. فلماذا يحصل ذلك؟ فرغم جميع جهود إرادتنا وتصميمنا على تجنب المصيبة، نرى أن شعور عدم إمكانية تجنب المصيبة ينتابنا عن طريق الإيحاء الذاتي، (أم، أنه بسبب تركيزنا الشديد يا ترى؟)
ويوضّح الأخصّائي بودوان هذه المشكلة في الفقرة التالية، حيث يشير إلى تفاقم الإجهاد النفسي – وإلى بعض الإخفاقات – الناجمة عن محاولة التغلب على بعض الأفكار غير المرغوب فيها، بالاستعانة بأفكار أخرى لمحاربتها، فيقول:
يخشى شخص أن لا يعود في إمكان ذهنه أن يتذكر اسما معروفا؛ وتراه مصدوما من عصيان ذاكرته له. فيقوم ذهنه لا إراديا ولا شعوريا بصياغة إيحاء، مما يزيد من فقدانه للذاكرة. وكلما زاد من إجهاد نفسه في محاولة أخرى ليتذكر الاسم ثانية، غاص أكثر في النسيان. . . .
فنرى هنا شعورا جديرا بالملاحظة، فكلما زاد إجهادنا، زاد هروب الاسم عن ذاكرتنا. ويبدو أن كل مجهود إضافي جديد يزيد من عتمة مياه ذاكرتنا أكثر فأكثر، وكأن به يقوم بتحريك طبقات مترسبة ثخينة جدا من الطين تسكن في القاع؛ وفي النهاية تصبح الذاكرة معتمة كليّا، ولا نرى أيّ شيء آخر بعد ذلك. لأن ما يثير العجب أن الاسم كان على طرف لساني مجرد قبل دقيقة واحدة؛ أما الآن فنسَيتُه مرة ثانية.
فكيف تحصل حالات فقدان الذاكرة كهذه؟ لنفترض أن حالة سهو الذاكرة المذكورة أعلاه والمصحوبة بخيبة أمل ممزوجة باستياء (التي ربما لا نلاحظها على أنفسنا) صارت تتكرر عدة مرات. فما يحصل أن فكرة تصدر في الحال عن مُخيِّلتنا وتخبرنا برسالة تقنعنا بها، ومفاد هذه الرسالة أن ذاكرتنا آخذة بالضعف. لذلك، سوف يسوء حالنا في الحقيقة ويتدهور، لمجرد أننا فكرنا بهذا الأسلوب، لأن هذا النسيان خلّف انطباعا قويا فينا، ولأن انتباهنا تمسَّك بفكرة النسيان، ولعب دورا في هذه المشكلة.
مما لا شك فيه أن كثيرا من الأشياء تدخل أذهاننا كبذور لأفكار غير متبلورة، وتستمر في العمل والتبلور والنمو في عقلنا الباطني لمدة طويلة من بعد استبعادنا لها من بالنا وانتباهنا. ومثال على ذلك الخيال غير المرغوب فيه، ولا سيما الخيال الجنسي، الذي يعتري كل شخص من وقت لآخر. وغالبا ما ينشأ خيال كهذا ويتطور في الأصل عن طريق مشاهدة صورة تشدّ
انتباه الشخص لمجرد لحظة قصيرة. إلّا أن الجانب الآخر من الموضوع هو أننا ينبغي أن نتذكر قصة يعقوب في العهد القديم، الذي فرّ هاربا من تهديد أخيه له بالقتل، ولكنه أبقى قلبه مركِّزا على الصلاة لله، فإذا الله يباركه بأروع حلم في الوجود، فلنقرأ الكتاب المقدس:
أَمَّا يَعْقُوبُ فَتَوَجَّهَ مِنْ بِئْرِ سَبْعٍ نَحْوَ حَارَانَ، فَصَادَفَ مَوْضِعاً قَضَى فِيهِ لَيْلَتَهُ لأَنَّ الشَّمْسَ كَانَتْ قَدْ غَابَتْ، فَأَخَذَ بَعْضَ حِجَارَةِ الْمَوْضِعِ وَتَوَسَّدَهَا وَبَاتَ هُنَاكَ. وَرَأَى حُلْماً شَاهَدَ فِيهِ سُلَّماً قَائِمَةً عَلَى الأَرْضِ وَرَأْسُهَا يَمَسُّ السَّمَاءَ، وَمَلاَئِكَةُ اللهِ تَصْعَدُ وَتَنْزِلُ عَلَيْهَا، وَالرَّبُّ نَفْسُهُ وَاقِفٌ فَوْقَهَا يَقُولُ: «أَنَا هُوَ الرَّبُّ إِلَهُ أَبِيكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِلَهُ إِسْحقَ. إِنَّ الأَرْضَ الَّتِي تَرْقُدُ عَلَيْهَا الآنَ أُعْطِيهَا لَكَ وَلِذُرِّيَّتِكَ، الَّتِي سَتَكُونُ كَتُرَابِ الأَرْضِ، وَتَمْتَدُّ غَرْباً وَشَرْقاً، وَشِمَالاً وَجَنُوباً، وَتَتَبَارَكُ بِكَ وَبِذُرِّيَّتِكَ جَمِيعُ شُعُوبِ الأَرْضِ. هَا أَنَا مَعَكَ وَأَرْعَاكَ حَيْثُمَا تَذْهَبُ، وَأَرُدُّكَ إِلَى هَذِهِ الأَرْضِ. وَلَنْ أَتْرُكَكَ إِلَى أَنْ أَفِيَ بِكُلِّ مَا وَعَدْتُكَ بِهِ». ثُمَّ أَفَاقَ يَعْقُوبُ مِنْ نَوْمِهِ وَقَالَ: «حَقّاً إِنَّ الرَّبَّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَأَنَا لَمْ أَعْلَمْ!» وَاعْتَرَاهُ خَوْفٌ وَقَالَ: «مَا أَرْهَبَ هَذَا الْمَكَانَ! مَا هَذَا سِوَى بَيْتِ اللهِ وَهَذَا هُوَ بَابُ السَّمَاءِ». ثُمَّ بَكَّرَ يَعْقُوبُ فِي الصَّبَاحِ، وَأَخَذَ الْحَجَرَ الَّذِي تَوَسَّدَهُ وَنَصَبَهُ عَمُوداً وَصَبَّ عَلَيْهِ زَيْتاً، وَدَعَا الْمَكَانَ «بَيْتَ إِيلَ» (وَمَعْنَاهُ: بَيْتُ اللهِ) وَكَانَ اسْمُ الْمَدِينَةِ أَوَّلاً «لُوزَ». وَنَذَرَ يَعْقُوبُ نَذْراً قَائِلاً: «إِنْ كَانَ اللهُ مَعِي، وَرَعَانِي فِي هَذِهِ الطَّرِيقِ الَّتِي أَنَا أَسِيرُ فِيهَا وَوَفَّرَ لِي طَعَاماً لِآكُلَ وَثِيَاباً لأَلْبَسَ، وَعُدْتُ بِسَلاَمٍ إِلَى بَيْتِ أَبِي، عِنْدَئِذٍ يَكُونُ الرَّبُّ إِلَهاً لِي وَيَكُونُ هَذَا الْحَجَرُ الَّذِي نَصَبْتُهُ عَمُوداً بَيْتاً لِلهِ، وَأَدْفَعُ عُشْرَ كُلِّ مَا تَرْزُقُنِي بِهِ.» (تكوين 28: 10–22)
ينبغي أن تكون السطور التي كتبها الأخصّائي بودوان بمثابة تنبيه لكل فرد فينا عما نملأ أذهاننا وقلوبنا منه، ولا سيما قبل النوم. ولا أريد من هذا أن أدفع القارئ إلى المزيد من الهموم الفكرية أو القلق على الذات؛ لأن هناك الآن ناس كثيرون جدا قد وقعوا سلفا فريسة للتحليل الزائد لنفسيّاتهم. إلّا أن هناك دائما أمرا واحدا سليما ومفيدا للغاية وهو أن يتمكن المرء فعلا من
التواجه مع نقائصه تواجها شخصيا مباشرا. أما القديس بولس الرسول فيذهب إلى أبعد من ذلك فيقول إنّ من يتفحّص نفسه ويحاسبها لن يُدان:
فلَو حاسَبْنا أَنْفُسَنا، لَما كُنَّا نُدان. (1 كورنثوس 11: 31)
إنّ أهم ما في الموضوع أن يكون الإيمان بالمسيح مصاحبا لعملية محاسبة الذات، لأن المسيح يريد تحريرنا من الخطيئة. فمن دون هذا الإيمان، سوف يأخذنا الانشغال بالذات إلى أن نبدأ بالتشكيك في جميع دوافعنا عند القيام بأيّ عمل ما، وأن نفقد أيّ أمل في إمكانية تغيّرنا وتحسّن حالنا. وأخيرا، سوف يسبب لنا الانشغال بالذات اكتئابا كبيرا لدرجة أنه يبعدنا كليّا عن الله.
إنّ النقطة الرئيسية التي أريد توضيحها من كل ما ذُكر أعلاه، هي أن فهم موضوع الإيحاء الذاتي ينبغي أن يأخذنا إلى الإحساس بالمسؤولية، حتى لو كان هذا الفهم بسيطا أو غير كامل. فلو تسلحنا بهذه المسؤولية لأمكننا أن نسعى إلى إعادة بناء وترميم نقاط الضعف في حياتنا الروحية التي يهاجمنا
الشيطان فيها، وبهذه الطريقة سوف نحرّر طاقاتنا لأجل تقديم أعمال المحبة وخدمة الآخرين حوالينا باستمرار.
ولو استنزفنا كل جهودنا البشرية في تجنب حصول أيّ إخفاق في صراعاتنا الروحية، لما بقي عندنا أيّ طاقة لننظر خارج نطاق صراعاتنا – ولا أيّ طاقة لنحب ونخدم الآخرين بها. فهناك حلّ واحد فقط لا غيره ألا وهو: الانصراف عن همومنا والالتفات إلى الرب يسوع المسيح وإلى إخوتنا وأخواتنا في المسيح، وأيضا إلى معاناة أخينا الإنسان أينما كان. فلو فعلنا ذلك لرأينا أن الرب يسوع ما هو برب خالٍ من الرحمة، فلا داعي للعيش في خوف مستمر، وتمحور حول الذات، والانشغال الزائد بالذات. فالله إله محبة، وينعم بالأمل والحياة الجديدة لكل من يطلبه.






دور ومكانة اليسار والحركة العمالية والنقابية في تونس، حوار مع الكاتب والناشط النقابي
التسجيل الكامل لحفل فوز الحوار المتمدن بجائزة ابن رشد للفكر الحر 2010 في برلين - ألمانيا


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- معامله المراه ككائن حي في الاسلام الجزء 3
- معامله المراه ككائن حي في الاسلام الجزء 2
- الحياة الروحية
- الاهتداء و العبور
- ها أنا أصنع كل شيء جديداً
- معامله المراه ككائن حي في الاسلام
- التوبة
- معتقدات الصابئة بالعواقب والكواكب
- كيف ينتقل الانسان من العيش في الجسد الى العيش الروحي
- معنى الصابئة مع بعض مترادفاتها
- المعمودية والولادة الروحية
- الكنسيه
- رساله الى المسيحين اليوم
- ما هي الصابئة أو المندائية
- الخطيئة المُتعمَّدة
- الصراع الروحي في الانسان
- الشيعه المندائيَّة أو المندعيَّة
- الرهبان و المصليانيّة أو جماعة المصلّين
- ظهور التعفُّفيَّة أو حركة المتعفِّفين في المسيحيه
- العالم الغنوصي و الفكر الديني وتطوّراته


المزيد.....




- حقيقة خروج عدد من قادة فصائل المقاومة وعائلاتهم في غزة إلى م ...
- إسرائيل تستهدف مقرات إعلامية بغزة.. ما السبب؟
- البرلمان الأوروبي يوافق رسميا على صندوق لدعم محاربة تغير الم ...
- محمد بن سلمان: سنستثمر هذا العام في إفريقيا مليار دولار
- الجيش الإسرائيلي يلقي قنابل مضيئة فوق سهل مرجعيون جنوبي لبنا ...
- الكويت تصدر تعليمات جديدة حول السفر في ظل جائحة كورونا
- مندوب الصين: مجلس الأمن أخفق في بلورة موقف موحد إزاء الأحداث ...
- بالفيديو.. بايدن يجرب -بيك آب فورد- العملاق الكهربائي الجديد ...
- دبلوماسيون: فرنسا تطرح احتمال قرار أممي حول إسرائيل وغزة
- شرطة دبي تحذر من حيوان بري طليق من أسرة السنوريات


المزيد.....

- التوثيق فى البحث العلمى / سامح سعيد عبد العزيز شادى
- نهج البحث العلمي - أصول ومرتكزات الاجتهاد البحثي الرصين في أ ... / مصعب قاسم عزاوي
- ظروف وتجارب التعليم في العالم / زهير الخويلدي
- تطور استخدام تقنية النانو / زهير الخويلدي
- من أجل نموذج إرشادي للتوجيه يستجيب لتحديات الألفية الثالثة / عبدالعزيز سنهجي
- الجودة وضمانها في الجامعات والأكاديميات الليبية الحكومية 20 ... / حسين سالم مرجين، عادل محمد الشركسي ، مصباح سالم العماري، سالمة إبراهيم بن عمران
- مدرس تحت الصفر / إبراهيم أوحسين
- مقترحات غير مسبوقة لحل أزمة التعليم بالمغرب / المصطفى حميمو
- معايير الامن والسلامة المهنية المتقدمة وأساليبها الحديثة / سفيان منذر صالح
- التربية على القيم في المدرسة / محمد الداهي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - محمد برازي - قوة الإيحاء الذاتي