أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - منار عبدالهادي ابراهيم - هيجان















المزيد.....


هيجان


منار عبدالهادي ابراهيم

الحوار المتمدن-العدد: 6095 - 2018 / 12 / 26 - 23:53
المحور: الادب والفن
    


دلفت باتجاه الممر المظلم المؤدي الى داخل العمارة المتهلاكة كحال باقي البنايات المجاورة في منطقة البتاوين . كانت شقة نضال المومس في الطابق الثاني , تلمست طريقي بين العتمة ومسكت الدرابزين وبدأت اجتاز درجات السلم الرخامي ببطأ مسترشدا بنور مصباح صغير في سقف الطابق الاول بدد بعضا من العتمة التي تحيط بالسلم . المكان هو مخاور اكثر من كونه مكانا للسكن . هناك عدد من الشقق هنا وهناك وكان يخرج من عدد منها بعض الرجال كانوا قد حصلوا على متعتهم الجنسية مع بائعات الهوى اللواتي يعشن في هذا المكان برعاية نضال المومس كما يعرفها الكثيرين . اصطدم بي احدهم وهو ينزل من اعلى السلم . كانت تفوح منه رائحة الخمرة وثملا الى درجة لا يستطيع ان يوازن حركاته , كان ضخم الجثة عريض المنكبين اسمر البشرة اصلع الراس , يرتدي قميص اسود اللون بنصف اكمام ويحمل على احدى ساعديه الموشومتين بأشكال غريبة تغطي جلده بالكامل سترة جلدية متحديا نسمات شباط الباردة التي تتخلخل من بعض النوافذ المكسورة . ليس غريبا علي هذا الرجل , لقد رأيته ذات مرة يخرج من شقة نضال ولم اشا ان اسألها عنه حينها كون علاقتي معها لم تكن بتلك القوة التي تسمح لي بذلك , ها انا اراه للمرة الثانية , نزل متثاقلا دون ان ينتبه علي على الرغم من اصطدامه الصلب بكتفي والذي كاد يفقدني توازني لولا قبضتي التي شددتها على الدرابزين الحديدي المتداعي , ودون ان ينبس ببنت شفة . تعرفت على نضال في ملهى ليلي في شارع السعدون . لم اكن معتادا على ارتياد النوادي الليلية ولم اكن ممن يحتسون الشراب . الامر برمته كان مصادفة , وقد كان لجوئي هربا من واقع مر اعيشه , واقع حاكه القدر لي وتبناه المجتمع . الكل يناديني "جبيّر" تصغيرا لاسم جبار . لم اوفق في اكمال دراستي الابتدائية , والدي كان يعمل في دكان لبيع الاشياء المستعملة والقديمة , وقد جعلني اترك الدراسة بعد عدت سنة في الثالث الابتدائي وسنة اخرى في الصف الرابع . والالتحاق معه في عمله . كنت انا ولده الوحيد وكان العائد المالي الذي يدره علينا الدكان جيدا . اكسبني العمل بنية عضلية قوية , وصرت اقوى على اعمال يعجز عنها الكثيرون . كما ان المي برؤية زملائي في المدرسة يتفوقون ويتقدمون في دراستهم وانا جالس على كرسي يتوسط اكوام من الخردة , زرع في داخلي حافزا لان اعوض حرماني من اكمال دراستي بالقراءة . اخذت اشتري الصحف والمجلات من البائعة المتجولين وصرت اتهجئها حتى تحسنت قرائتي وصارت افضل بكثير من السابق , قررت ان انتقل الى عالم الكتب فذهبت الى شارع المتنبي , وكان اول كتاب اشتريه هو رواية لنجيب محفوظ اسمها "السراب" , لقد لفت انتباهي هذا الكتاب بعد ان دخلت احدى المكتبات واخذت امعن في الكتب التي تعرض على رفوفها , كون ان اسم الكاتب وعنوان الرواية ليس غريبا علي ؛ فقد سمعت ذات يوم معلم اللغة العربية يتحدث عن هذا الكتاب مع احد زملائه المعلمين وكان جل حديثهم هو محاولة فهم تصرافات "كامل" بطل القصة . حفزني فضولي لاكتشاف مضمون ذلك الكتاب لكن انى لشخص مثلي ان يقراء كتابا وهو ابعد ما يكون عن دروسه التي يكرهها اشد الكره , انى لشخص يصعب عليه قراءة نص في كتاب القراءة ان يقرأ رواية لكاتب كبير مثل نجيب محفوظ . بعد عدة سنوات رأيت هذا الكتاب واستذكرت ذلك الموقف . يوما ما وبينما انا منكبا على قراءة الرواية في غرفة الجلوس دخل والدي ورأني والكتاب في يدي . وقف مستغربا ثم ابتسم ساخرا وسحب الكتاب من يدي . قال متهكما : "عكب ما شاب ودو للكتاب ! اذا انت هيج فهيم وتقرالي روايات ما نجحت بدروسك لعد" . رمى الكتاب نحوي , هز يده وذهب . لم يؤلمني تصرف ابي بقدر تألمي على ما قال . كان يجب علي ان اهتم بدروسي واتفوق في دراستي فهي ضامن اكثر للمستقبل من قراءة الكتب التي لا تعدو اكثر من مجرد تسلية وثقافة عامة لا تغني ولا تسد وسط اكوام الخردة التي اعمل بها . لم يكن نجيب محفوظ هو الوحيد الذي كنت اقتني اعماله , بل ان اجواء القراءة فتحت لي الباب لقراءة اعمال لكتّاب اخرين كالمنفلوطي وجبران خليل جبران ومصطفى العقاد , وتطور الامر لقراءة كتب النقد والتاريخ وكتب الرحالة المستشرقين وغيرها , وصار لي مكتبة خاصة في المنزل كنت قد جلبتها من دكان والدي الذي طلب مني اخذها بعد ان تناثرت كتبي في ارجاء متفرقة من زوايا المنزل . لقد تحسن وضعي الثقافي كثيرا , وصرت افهم ما يدور حولي من امور سياسية واقتصادية , واخذت ادخل في نقاشات تخص أمور الادب والفن مسترشدا بكم المعلومات الهائل الذي اكسبني اياه الكتاب مع بعض الزبائن الذين لديهم هكذا اهتمام .
انتقلت الى بادية السماوة لاداء الخدمة العسكرية , عند بلوغي سن الثامنة عشرة , في الايام الاولى كان علي من الصعوبة اعتياد اجواء المكان فصرت اقضي جل وقتي بقراءة مجموعة من الكتب كنت قد جلبتها معي , لكن بمرور الوقت اعتدت وصار عندي اصدقاء اقربهم الي كان شاكر , شاكر الذي كان متخرجا من كلية الادب قسم الجغرافيا وكان له اهتمام واضح بجغرافيا المكان ومناظر النجوم ليلا . استفدت منه كثيرا وكانت اغلب نقاشاتي معه , فعلى الرغم من علمه بعدم حصولي على الشهادة الجامعية الا انه وجد في ضالته دون الاخرين , شاكر كان من المهتمين بالقراءة فكان يحضر معه من الحلة بعد كل اجازة مجموعة من الكتب وطالا كنا نتبادل الكتب بيننا , اخبرني ذات يوم بان احد رفاقه من الجنود قد كتب بلاغا الى امر الوحدة ابلغة باني شيوعي بعد ان وجد قصاصة بين امتعتي من جريدة طريق الشعب كنت قد نسيتها يوما ما داخل احدى كتبي . تهمة الشيوعية في زمن حكومة البعث تعني الاعدام , كما ان كل من كان له اهتمامات ثقافية كان موضع شبهه . اختفى شاكر بعد ايام ! وكان الجميع يخشى السؤال عن مصيره . امضيت اربعة سنين في العسكرية وكان شعور الوحدة يقتلني بعد رحيل شاكر المفاجئ . في بعض الاحيان كنت اذهب مع بعض الجنود الذي يرغبون بالجلوس على شاطئ بحيرة ساوه القريبة , كنت اتركهم هناك واجلس لوحدي بعيدا لحين وقت عودتهم , فصاروا ينادونني بالمعقد . انهيت خدمتي بعد اربعة سنوات وعدت الى العمل في دكان الخردة . طلبت مني والدتي ان اتزوج واقترحت علي بنت الجيران "يمه بنية حلوة واهلها خوش ناس بعد شتريد , اريد اشوف جهالك قبل ما اموت" "عمرج طويل يوم بس اني ما اريد ازوج هسه" . لم تكمل رقية دراستها الابتدائية مثلي لكنى على الرغم من ذلك ارى ان هناك بون شاسع ما بين ثقافتي وثقافتها , على الرغم من محادثاتي القصيرة معها عندما تأتي الى بيتنا طلبا لحاجة الا اني اكتشف ذلك , ليس من خلال تلك المحادثات فقط , بل من خلال تماسي المباشر مع والدها واخوتها الذين كانوا اناس بسطاء يعملون في السوق , كنت اشعر بالتميز عليهم على الرغم من ان احد اخوتها كان معلما . عملي وعدم اكمالي لدراستي يحتم علي ان لا اتزوج الى من نساء قريبا جدا من واقعي , ولكن انا استحق اكثر من ذلك , استحق امرأة ذات ثقافة ووعي كبيرين للتمكن من فهمي على نحو ادق , لكن من هي تلك التي يمكن لها ان تضحي بكبريائها الاكاديمي لاجل شخص لم يكمل الابتدائية حتى , فالناس لا ترى الا ظواهر الامور , اما خفايها فهم عمي عنها .
بعد سقوط نظام البعث , استطعت الحصول على وظيفة حكومية عن طريق وساطة احد الاشخاص الذي زار دكاننا ذات يوم لشراء بعض الانتيكات . كانت الوظيفة هي عامل خدمة , لكن لا بأس , فمهما كان مرتبي قليل الا انه افضل من وارد الدكان الذي تضائل بسبب رفع الحصار الذي كان مفروضا على البلد واستقبال السوق للسلع الجديدة . لم يترك والدي دكانه على الرغم من مرضه وتقاعسه عن اداء احتياجاته : "ابني هذا المكان هم يلهيني وهم يخليني اشوف العالم , اذا اضل بالبيت شسوي , اكعد الف دولمة ويه امك !" . تبدد الفرح الذي غمرني في ايامي الاولى في وظيفتي , انتقلت تسمية "جبيّر" الى هذا المكان ايضا , يناديني الجميع لقضاء حوائجهم وهم جالسين امام اجهزة التبرين يتمازحون ويتبدلون اطراف الحديث . لم اتدخل يوما فيما يقولون , ولم ابدي لهم رأي حين اسمعهم حيرى في موضوع ما . انا عامل خدمة وهم خريجون , يحتقرون حديثي وان كان عين الصواب , واحتقر انا الاخر ما يقولون ويفعلون . فعلى الرغم من تشدقهم وتصنعهم الصواب الا انهم يبقون حمقى بنظري , اغلبهم هكذا حتى اكون منصفا ولا اظلم الاخرين ممن يستحقون الاحترام والوقوف على ما يقولون , هؤلاء القلة هم الوحيدون الذين يعاملونني كما لو انني بشر مثلهم لا اختلف عنهم بشيء , هم يرون ان المؤهل العلمي والعملي يجعلهم يتميزون بشيء ما عن الاخرين الذين بدورهم يملكون ما يميزهم . "المجتمع يحتاج البقال وسائق التكسي وعامل البناء كما يحتاج الطبيب , الاطباء لا يستطيعوا انجاز اعمالهم دون الاخرين , انا احترم عامل البناء وممن بدرجته كما احترم الطبيب" هكذا كان يقول حازم عبد الرؤوف الرجل المتواضع واحد مدراء الاقسام حينما كنت اجيء لانظف طاولته .
يستغرب الكثيرون مني وهم يرونني احمل جريدة طريق الشعب . رأيتها ذات مره بينما كنت اشتري علبة سجائر من احد الاكشاك معروضة الى جانب عدد من الصحف , فقررت اقتناءها كل يوم بعد ان اعادتني الى ذكرى شاكر الذي وجدوا اسمه بقوائم المعدومين . البعض صار يناديني ساخرا "جبير الشيوعي" فيما كنت انا اكتفي بالصمت .
مات والدي بسقوط انية نحاسية قديمة على رأسه كانت موضوعة على رف بالي فوق كرسيه الذي كان يجلس عليه مسببة له ارتجاج في المخ وكسر في الجمجمة لم تمنحه سوى خمسة ايام من التشبث البائس في الحياة ليفارقها بعدها , وبموته مات دكانه الى الابد . بعد عام من الحزن والوجوم الذي خيم على المنزل , وبعد ان اشقاها غياب الانيس وتقدم العمر , فتحت والدتي موضوع زواجي مرة اخرى .
عشت في صراع مرير , الاثر الذي تركه رحيل والدي لم يكن هو وحده الذي ارهقني , بل الافكار المتضادة التي حولت رأسي الى حلبة صراع لعراك لم يشأ ان ينتهي ولا يلبث ان غاب هنيهة ان يعود اكثر قوة من ذي قبل , فكرة تدفعني الى الزواج من اي كان فقط لاشباع هيجاني الجنسي الذي كنت اخفف وطأته بممارسة العادة السرية , وارضاء والدتي التي ترغب بأنيس ومعين لها على شؤون المنزل ؛ وفكرة تدفعني الى العزوف عن الزواج ان لم اجد المرأة ذات الصفات التي احلم بها , والتي وان وجدتها فلن ترضى ان تتزوج من شخص يعيش على تنظيف مخلفات من يراهم ادنى منه على مستوى الفكر .
اتصلت بوالدتي واخبرتها بأني سأتأخر عن المجيء لتلبية دعوة حفل زفاق احد الاصدقاء . بعد تناول العشاء اوقفت باص من نوع كيا متجه الى الباب الشرقي ومن هناك ترجلت الى شارع ابي نؤاس . كان الطريق من منطقة الحبيبية حيث يقيم العريس الى ابي نؤاس مزدحما بسبب كثرة مواكب الزفاف التي تبلغ ذروتها ايام الخميس . دلفت الى ملهى ليلي كان يعلن عن حفلة لعدد من المطربين الشباب كنت قد شاهدتها في وقت سابق اثناء تجوالي وحيدا هناك , لفتت انتباهي من بين عدد من الحفلات تقيمها الملاهي الليلية المنتشرة هناك لجذب الزبائن . لعل ذلك يخفف عني شقاء ما اعانيه . اعطيت الرجل الجالس عند المدخل خمسة عشر الف دينار لقاء دخولي الملهى واعطيت مثلها فيما بعد لقاء جلوسي على طاولة خاصة . كانت الموسيقى صاخبة تصدر من اجهزة الدي جي على الرغم من ان وقت الحفلة الذي كان عند التاسعة مساءا لم يبدأ بعد . طلبت قنينة من الجعة وصحن من الحمص المنقوع . كانت تلك المرة الاولى التي اشرب فيها الخمر . بدأت الحفلة بالتزامن من صعود الخمرة الى رأسي وشعوري بالاسترخاء . بدأت بالرقص والغناء بينما جلست احدى الراقصات على الكرسي المجاور لي . مسكت ذراعي فشعرت بما هو اشبه بالصدمة الكهربائية وانتصب قضيبي . ضلت جالسة بقربي فيما بقيت انا متسمرا في مكاني لا اعرف ماذا افعل , انها المرة الاولى التي تقترب مني فتاة حسناء هكذا مسافة . طلبت قنينة اخرى من الجعة فيما نهضت تلك الفتاة التي ملت على ما يبدو من تسمري المبالغ فيه . بذهابها شعرت بأن ثقلا قد زيح مني على الرغم حالة النشوة التي رافقت جلوسها معي . تمنيت لو تأتي لتجس معي ثانيتا , لكن خشيت من تصنمي الغبي . عند خروجي عند الحادية عشرة ليلا سمعت احدهم يقول ان ملها اخر افضل من هذا اسمه الليالي الحمراء يقع في شارع السعدون المجاور . على الرغم من ثمالتي حفظت ذلك الاسم جيدا . شعرت بأرتياح قل نظيره في ايامي الخوال , كما اكتشفت شيء ما , الا وهو فقداني لجرأتي عند مقابلة الحسناوات . تذكرت كامل من جديد . "يا الهي ربما ستتكرر قصتي مع بطل تلك الرواية" . استأجرت سيارة اجرة الى منطقة الشعب , دلفت الى منزلي ذو الانوار المطفأة , خلعت حذائي وانسدلت الى سريري بملابسي ولم افق الا عند السابعة والنصف . في الصباح سالتني والدتي عما آل اليه قراري بشان الزواج . تذمرت كما افعل عند كل مرة تسألني فيها حول الموضوع . دخلت الحمام ومارست العادة السرية . غيرت ملابسي وخرجت متجها الى شارع المتنبي كما افعل كل يوم جمعة . تناولت فطوري عند كبة السراي واشتريت رواية الخيميائي للكاتب البرازيلي باولو كويلو .
اكملت قراءة الرواية في يومين , وانهيت باقي ايام الاسبوع افكر بفكرتها . "عندما ترغب في شيء ما , فأن الكون بأسره يطاوعك على تحقيق رغبتك" , هل هذا صحيح يا ترى ؟ . "كل منا بحاجة الى تنظيف رأسه من الافكار السيئة" . لكن كيف ؟ الناس السيئون في كل مكان , انهم يبثون سمومهم اينما حلّوا , كيف لي ان اتخلص منهم وانا محاط بهم على الدوام ! انهم مصدر افكاري السيئة , والسلبية التي اعانيها , الجميع ينظر الي بازدراء فقط لعدم اكمالي لدراستي , او لكوني منظفا لوساختهم , وان اظهر بعضهم شيء من الاحترام نحوي . انا اشعر بذلك من خلال المقارنة بين تفاعلهم مع من هم بدرجتهم وتفاعلهم معي . "عندما نحب يصبح للاشياء معنى اكبر !" . انا احبهم ومع ذلك هم يحبونني من باب العطف واستصغار الشأن لا اكثر اي معنى يمكن ان اجنيه من حب هؤلاء . "عندما يكون الحظ الى جانبنا , ينبغي لنا ان نستفيد منه , وان نعمل اي شيء لكي نساعده بالطريقة ذاتها التي ساعدنا بها" . كيف اساعده وانا الذي تسمرت امام تلك الراقصة الجميلة التي جلست الى جانبي وبدأت تلامسني بأصابع يدها الممشوقة دون ان افعل شيء ! .
يوما بعد يوم , صرت اكتشف بأن لي عالما خاص معزول وبعيد كل البعد عن الواقع . اخذت اشعر بالوحدة على الرغم من كثرة الزملاء من حولي , لا امتلك اصدقاء ! فالجميع مختلفون عني , انا وحيد في هذا العالم . اخذ شعور الاكتئاب يسيطر علي واخذت مني عدم المبالاة حيزها . اسير قاطعا الطرقات وفكري مشغول , بلا هدف . مررت ذات يوم بشارع السعدون , شاهدت وانا راكبا في الباص لافتة مكتوب عليها الليالي الحمراء , تذكرت تلك العبارة التي سمعتها وانا خارجا ذلك الملهى . فقررت زيارة المكان الخميس القادم .
كانت الاجواء هي نفسها ولا تختلف كثيرا عن ذلك الملهى بأستثناء كثرة الراقصات وبائعات الهوى . قاعة مستطيلة الشكل علق على جدرانها صور لمطربين ونساء بمناظر مثيرة , الطاولات والكراسي مصنوعة من الخشب , السقف تزينه مجموعة من المصابيح الملونة والراقصة على ايقاع الموسيقى التي تصدر من مسرح صغير في مقدمة القاعة , يعتليه مطرب شاب مع مجموعة من الموسيقيين الذي يجلسون خلفه . في المنتصف تتمايل وتترنح اجساد نصف عارية لفتيات ثملات تحت هالة كثيفة من الضوء المنبعث من الاعلى . جلست على احدى الطاولات عند الزاوية اليمنى لاكون بعيدا عن الانظار , وطلبت الجعة . راق لي المكان كثيرا , فقررت زيارته مرة اخرى . كانت الطاولة التي شغلتها في المرة السابقة مشغولة , فجلست على اخرى كانت في مكان معزول ايضا . بعد ان افرغت قنينة الجعة في جوفي تقدمت نحوي امرأة في بداية عقدها الرابع وركاء ممتلئة الجسم يصطبغ شعرها الكثيف المربوط الى الخلف بلون اصفر مع بعض الخصلات السوداء , ترتدي فستان لامع احمر اللون مشدود الى جسدها , كانت تجلس جنب احد الرجال في المقدمة , سحبت كرسيا وجلست الى جانبي فهوت الى انفي نسمة محملة بعطر مثير زاد من استثارتي الجنسية . لم تكن بذلك الجمال اللافت الا انها كانت تملك منظرا جذاب وصوت مترنم . نفثت دخان سيجارتها وبدأت بالحديث .
عرفتني بنفسها وقالت بأن اسمها نضال وهي صاحبة الملهى , واضافت ساخرة بأن الكل يناديها نضال المومس . الاسترخاء الذي بعثته الجعة في نفسي والرغبة في البوح بما يعتلج في صدري واسلوب نضال المنفتح على الاخرين حفزني اكثر على الكلام والحديث بكل ما يؤلمني ويشغل فكري على الدوام , الجميع هنا يشتهيها للرقص اما انا فاحتاج حضنها لكي ابكي . استمعت نضال بإصغاء وتفاعلت كثيرا مع شجوني قالت لي : قد يعتبرني الجميع سيئة لكني لا اخون قلبا هرب مرتجفا من قلوب الناس لقلبي . عرضت علي ان امارس الجنس فعدم ممارستي اياه ضاعف من حجم السوء الذي انا فيه , وطلبت مني ان اختار احدى تلك الفتيات التي تترنح اجسادهن بغنج . افرغت قنينة شراب اخرى , ونظرت اليها بشبق . اشاحت وجهها عني واعادت عرضها باختيار احدى الفتيات بنبرة اكثر حزما . لم اجب بشيء , نظرت الي نظرة ذات مغزى ونهضت . خرجت من الملهى فيما اخذ قلبي يستعر صوب نضال . هل احببتها يا ترى , كيف لي وانا رفضت اشرف النساء ان احب مومس ! لا بد انه الفراغ الذي يملئ قلبي وملأته نضال بغنجها هو المسبب لهذا اللظى الذي اخذ يلسعني . بعد يومين قررت ان اذهب الى الملهى مرة اخرى , اشرت الى نضال التي كانت تقف في زاوية قريبة من المسرح فتقدمت نحوي . اخبرتها بما حل بي عند خروجي وكيف اخذت اشتاق اليها , ضحكت بصوت عال وقالت : "انت لست اول شخص يقول لي ذلك . انتم الرجال جميعكم متشابهون" . عرضت عليها ممارسة الجنس فقبلت بعد تردد . حصلت على رقم هاتفها واتفقنا ان ازورها الى شقتها في حي البتاوين مساء الخميس القادم واخذت العنوان .
حينما وصلت الى العنوان ذلك الخميس , رايت شخصا ذو اذرع موشومة يخرج من شقتها , لكنها لم تنتبه لقدومي بسبب عتمة المكان . كانت الساعة السابعة مساءا , طرقت الباب لكنه فتح بسرعة وكأن شخصا يترقب قدومي في الداخل . استقبلتني نضال بأبتسامة وكلام معسول سرعان افقدني عقلي . كانت تردي فستان شبه شفاف زهري اللون على الرغم من برودة الجو في الخارج , ينتهي عند ركبتيها الممتلئتين , وتبرز من خلاله حلمات نهديها الكمثريين كبيري الحجم . لم اتحمل المزيد من الوقت فانقضيت عليها كما ينقض الوحش على فريسته ,ضممتها الى صدري بقوة , قبلتها ثم مصصت شفتيها بعنفوان . تحسست ردفيها الطريين بيدي وفركتهما . عانقتها من جديد , اخذت العق عنقها متحسسا بلساني نعومة جلدها , انها المرة الاولى التي امارس فيها الجنس خلال ثلاث عقود ونصف هي سني حياتي , لماذا حرمت نفسي من كل هذه المتعة ! مصصتُ شحمة اذنها فصرختْ من فرط النشوة ودفعتني عنها مسافة . امرتني بخلع ملابسي ففعلت , ارادتْ ان تتحكم هي بايقاع الممارسة الجنسية فأشارت الي ان اضطجع على سرير في داخل غرفة مجاورة , دخلت الغرفة وارتميت على سرير تفوح منه رائحة اجساد بشرية . جلستْ على ركبتيها فوق قضيبي المنتصب مباشرتا واولجَته في فرجها واخذتْ تتحرك بصورة ترددية . شعرتُ بتدفق سائلي المنوي داخلها وسيطر علي شعور بالارتخاء . نهضتْ واضطجعتْ بجانبي . قمت وارتميت على نهديها واخذت امص حلمتيها , كانت تتأوه من فرط النشوة وكان ذلك يرفع من حدة اثارتي الجنسية . عندما بلغت الساعة الثامنة طلبت مني التوقف . ارتديت ملابسي وقمت باعطائها مبلغ من المال وخرجت .
وصلت الى المنزل وانا غير مصدق بأني مارست الجنس ! لم ابلغ هذا الحبور من قبل . احيي الجميع في سعادة باهرة , وبتُّ ارى الوان فاتحة في الحياة غير تلك الداكنة التي كانت تحيط بي . قررت اعادة الكرة من جديد الا ان توعك والدتي اشغلني عن ذلك . صار الهاتف هو الوسيلة الوحيدة للتواصل مع نضال بعد ان اجبرني حال والدي على الاقامة الجبرية في المنزل . بلغ بها تقدم العمر وتراكم امراض الشيخوخة الى عجزها عن قضاء حوائجها بمفردها . في احد الايام اتصلت بي نضال وطلبت مني الحضور لامر هام !
بلغت الطابق الثاني وطرقت الباب بتأني . فتحت نضال بعد هنيهة وكان يغلب على وجهها وجوم حاد . دخلت الشقة وطلبت مني الجلوس على كرسي بالقرب مدفأة صغيرة .
- من هذا الرجل صاحب الاوشام ؟
- جاسم ياي , انه احد زبائني وسمي بهذا الاسم لانه دائما ما يحمل في جيبه سكين تسمى شعبيا ام الياي . انه لن ياتي مرة اخرى ولا انت طبعا .
- ماذا تقصدين , ثم ما هو الامر الهام الذي طلبتي مني المجيئ لاجله ؟
- اتذكر حينما قلت لي في حينما جلست الى جانبك في الملهى وكنت في حالة ثمالة اقتباسا قلت انه لكاتب الماني يقول فيه ان العالم يعج بالقمامة ؟
- نعم اتذكر ذلك . لكن ماذا تقصدين ؟ انا لم افهم شيء البته .
- لقد صدق قوله . ان العالم يعج بالقمامة واول تلك القمامة هي انا ! .
صمتتْ قليلا ثم اردفت :
- لقد اجريت فحصا طبيا وتبين اصابتي بمرض الايدز , ان كل من مارس معي الجنس خلال الايام السابقة من المؤكد انهم قد اصيبوا بالعدوى , وقد تأكد لي ذلك بإصابة جاسم ياي . كنت طاهرا حتى تعرفت علي . فأهلا بك في عالم الايدز






اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- التشيع قراءة عراقية للاسلام
- رونزا .. قصة قصيرة
- الشك .. قصة قصيرة
- سراب .. قصة قصيرة
- حفلة تخرج .. قصة قصيرة
- نيران .. قصة قصيرة
- تراجيديا الرحيل وحلاوة العودة .. قصة قصيرة
- هيستيريا سادي .. قصة قصيرة
- كرم .. شانغري-لا مورفيوس .. قصة قصيرة
- رحيل .. قصة قصيرة
- كن شجاعا .. قصة قصيرة
- قصة قصيرة بعنوان (استعادة)
- قصة قصيرة بعنوان (اشواك)
- اردوغان ... الغاية تبرر الوسيلة
- صدام حسين والمظاهرات الحالية
- داعش والمطالبين بالأنظمة الدينية سواء
- نزهه في معسكر مدني


المزيد.....




- فنان يستعين بـ200 شخص لالتقاط صور عارية قرب البحر الميت (صور ...
- أزمة «ريش» بالجونة.. التكفير على الطريقة الفنية: فنانون ينسح ...
- -ذا روك- يكشف عن أول نظرة على فيلم -بلاك آدم-
- حميد شبار: المغرب يطمح إلى بناء شراكة قوية مع موريتانيا
- -علّي صوتك-: فيلم مغربي يشجع الشباب على مواجهة مشاكلهم من خل ...
- بلاسيدو دومينغو يطلق مسابقة مطربي الأوبرا الدولية في موسكو
- فيديو جديد لمحمد رمضان يراقص المضيفات: بحب أجيبها وهي طايرة! ...
- المتحف البريطاني يعرض -قرص نيبرا السماوي- أقدم خريطة للنجوم ...
- ميدل إيست آي: برلين عاصمة الثقافة العربية بأوروبا
- رَسائِلٌ مَغمورة ...


المزيد.....

- كتاب: بيان الفرودس المحتمل / عبد عنبتاوي
- أخْفِ الأجراس في الأعشاش - مئة مِن قصائدي / مبارك وساط
- رواية هدى والتينة: الفاتحة / حسن ميّ النوراني
- في ( المونودراما ) و ما تيسر من تاريخها / فاضل خليل
- مسْرحة دوستويفسكي - المسرح بين السحر والمشهدية / علي ماجد شبو
- عشاق أفنيون - إلزا تريوليه ( النص كاملا ) / سعيد العليمى
- الثورة على العالم / السعيد عبدالغني
- القدال ما مات، عايش مع الثوار... / جابر حسين
- في ( المونودراما ) و ما تيسر من تاريخها ... / فاضل خليل
- علي السوريّ-الحب بالأزرق- / لمى محمد


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - منار عبدالهادي ابراهيم - هيجان