أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - منار عبدالهادي ابراهيم - رحيل .. قصة قصيرة














المزيد.....

رحيل .. قصة قصيرة


منار عبدالهادي ابراهيم

الحوار المتمدن-العدد: 5499 - 2017 / 4 / 22 - 14:58
المحور: الادب والفن
    


لم يمضي عليه سوى يوما واحدا منذ ان اتى من الموصل حيث يشارك هناك في معارك تحرير المدينة من تنظيم الدولة الاسلامية او كما يعرف بتنظيم داعش , ذلك التنظيم الارهابي المتوحش الذي استولى على المدينة قبل ثلاث سنوات بعد انسحاب القوى الامنية منها . استيقظ عصام الذي يعمل ضابطا في الجيش العراقي على صوت زوجته التي نادته لتناول وجبة الافطار . كان يوما مميزا خالي من اصوات القنابل وأزيز الرصاص وحتى الاوامر العسكرية التي كانت توقضه خلال فترات نومه اذا ما حدث امرا طارئ . هو اليوم يستيقظ على صوت ميعاد التي دائما ما كانت تبدأ صباحها بأغنية لفيروز تغنيها بصوتها الرخم , وابتسامه مشرقة على شفتيها تبعث بالامل . فهو لم يراها منذ ثلاثون يوما كان قد قضاها في الحرب , وكان يمني نفسه كل يوم ان يمر دون ان يحصل له اي مكروه , ليستمتع بهذه اللحظات التي كان يسترجعها في ذاكرته امام عشرات القتلى والجرحى الذين يتساقطون يوميا امام عينيه . قبل ان يقوم من فراشه اخذ يطرب لصوت زوجته وهي تغني :
"بغداد والشعراء والصور .. ذهب الزمان وضوئه العطر" .
تأمل كلمات الاغنية مبتسما . ثم قام من فراشه دون ان تفارقه ابتسامته واخذ يدندن مع نفسه :
"يا الف ليلة يا مكملة الاعراس ...." . وقبل ان يكمل نص الاغنية سمع صوت من خلفه :
"... يغسل وجهك القمر" .
ادار وجهه ليجد زوجته المبتسمة كعادتها :
"صباح الخير"
"صباح الخير .. اهلا ميعاد"
"فطورك جاهز حبيبي , ولم يبقى الا الصمون , وارسلت علي ليجلبه"
"استيقظ علي ! اه يا ميعاد .. كم اود ان يكون لنا طفلا اخر يكون اخا لعلي .. لقد صار في العاشرة من عمره ولم ننجب ولدا اخر! .. لقد كنت ملتزما بالعلاج الذي وصفه لي الطبيب"
"انه قدرنا .. دع الامر للايام .. عسى انها تحمل بين طياتها شيئا من هذا القبيل .. انا في انتظارك" وخرجت من غرفتها .
وقف عصام امام المرآة متأملا ملامح وجهه :
"يا الهي .. كم غير الجيش من ملامحي ! "
حدق الى الندوب في خده الايسر :
"انه نفسه القدر الذي جعلني اعيش الى هذا اليوم" تمتم قائلا .
قبل سبعة اعوام انفجرت عبوة ناسفة على مجموعة من الضباط وجنود المشاة اثناء ما كانوا في دورية مرتجلة في احدى قرى الانبار , كانت هي الدورية الاولى له بعد تخرجه من الكلية العسكرية , قُتل فيها ضابط برتبة نقيب وثلاثة جنود فيما جرح ثلاثة اخرين كان هو من ضمنهم . لقد اصابت احدى الشظايا جهازه التناسلي وصار يعاني صعوبة بعملية الانجاب .
اغمض عينيه وقام بأسترجاع ايام حياته . والده قُتل في حرب عاصفة الصحراء , احد اخوته تم نحره ابان الحرب الطائفية . موت , موت , انه لا يتذكر غير اصوات الانفجارات , ازيز الرصاص , صرخات الالم وبكاء الثكالى . وفي غمرة احساسه بواقعه المرير تناثر زجاج الغرفة واهتز اثاثها , فيما انحنى هو الى الاسفل واضعا احدى راحتيه على رأسه . لقد كان دوي انفجار كبير :
"يا الهي انها تلاحقني ! " .
"عصام .. ولدي علي" صرخت ميعاد بصوت اجش .
التفت عصام الى مصدر الصوت . وبحركة سريعة ارتدى ملابسه وخرج مسرعا نحو الشارع .
كان الجميع يركض نحو موقع الانفجار : "انها سيارة مفخخة انفجرت بالقرب من فرن الصمون" . صرخ احدهم . كاد عصام ان يفقد الوعي . ولكنه استجمع قواه وركض هو الاخر . "علي .." صاح والدموع الحارقة تنهمر من عينيه وكأن شيئا نبأه ان علي لن يعود . عندما اقترب من موقع الانفجار لم يتفطن الى السنة النيران التي تنبعث من الدكاكين والسيارات , ولا الى الجثث المتناثرة هنا وهناك وصراخ الحاضرين . بل كان جل تركيزه منصبا على العثور على جثة ولده . حينما اقترب اكثر قطع بصره مشهدا غلب ببشاعته جميع المشاهد التي رآها اثناء المعارك التي خاضها . كانت تتناثر بقايا من الاشلاء البشرية قريبا من فرن الصمون الذي تحول الى فرن كبير لشي العاملين فيه بدلا من شي الصمون , ومن بينها كانت جثة ولده التي قطعها الانفجار الى نصفين ولم يتبقى منها غير نصفها العلوي . جلس امام جثة ولده مذهولا لا يدري ماذا يفعل . لقد مرت عليه الكثير من المشاهد المروعة لكنها لم تكن بهذه الشدة والبشاعة , كما انه لم يكن يتوقع ان يكون نصيب ابنه واحدا منها . كان معتادا على اصوات القنابل والتفجيرات . لكن انفجارا واحدا جعله يحس بالاثر الحقيقي التي تتركه تلك الاخيرة في النفوس , هو هذا الانفجار الذي سلب منه ابنه الوحيد .
نظر الى السماء وكأنه يريد معاتبة الله على ما جرى له . ولكن شيء ما حدث . كان يشعر بخفة الوزن , انه يطير , يحلق بعيدا عن المكان . انه ليس بمفرده . "ما الذي يجري؟" . لا احد يجيب . نظر الى الاسفل , كانت هناك جثثا اخرى غير التي رآها ومن بينها جثته !
لقد حصل انفجارا اخر ....






اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كن شجاعا .. قصة قصيرة
- قصة قصيرة بعنوان (استعادة)
- قصة قصيرة بعنوان (اشواك)
- اردوغان ... الغاية تبرر الوسيلة
- صدام حسين والمظاهرات الحالية
- داعش والمطالبين بالأنظمة الدينية سواء
- نزهه في معسكر مدني


المزيد.....




- وفاة ممثل أردني قدير بعد معاناة مع المرض (صورة)
- آثار يكتنفها الغموض وتثير فضول الباحثين.. ما قصة كهوف الطار ...
- مدارس في نيويورك تحظر ارتداء أزياء -سكويد غيم- في الهالوين
- مصر.. جدل واسع بعد انفصال فنان كبير عن زوجته ومحاميته تكشف ت ...
- الخارجية السودانية: «السفراء الرافضون لإجراءات البرهان هم ال ...
- الإعلان عن قائمة الأفلام والمشاريع المشاركة في النسخة السادس ...
- وفاة الفنان الأردني جميل عواد
- الافراج عن ابن الممثل الهندي شاروخان بكفالة
- الوحدة الشعبية ينعى الفنان الوطني الملتزم والكبير جميل عوّاد ...
- الشرعي يكتب عن نقاش #جواز_التلقيح : كلفة نجاح


المزيد.....

- كتاب: بيان الفرودس المحتمل / عبد عنبتاوي
- أخْفِ الأجراس في الأعشاش - مئة مِن قصائدي / مبارك وساط
- رواية هدى والتينة: الفاتحة / حسن ميّ النوراني
- في ( المونودراما ) و ما تيسر من تاريخها / فاضل خليل
- مسْرحة دوستويفسكي - المسرح بين السحر والمشهدية / علي ماجد شبو
- عشاق أفنيون - إلزا تريوليه ( النص كاملا ) / سعيد العليمى
- الثورة على العالم / السعيد عبدالغني
- القدال ما مات، عايش مع الثوار... / جابر حسين
- في ( المونودراما ) و ما تيسر من تاريخها ... / فاضل خليل
- علي السوريّ-الحب بالأزرق- / لمى محمد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - منار عبدالهادي ابراهيم - رحيل .. قصة قصيرة