أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كلكامش نبيل - توق الى الحياة والنور – قراءة في رواية -تلك العتمة الباهرة- للكاتب المغربي الطاهر بنجلون














المزيد.....

توق الى الحياة والنور – قراءة في رواية -تلك العتمة الباهرة- للكاتب المغربي الطاهر بنجلون


كلكامش نبيل

الحوار المتمدن-العدد: 6016 - 2018 / 10 / 7 - 20:23
المحور: الادب والفن
    


انها الرواية المغربية الأولى التي اقرأها، على الرغم من اشادة الكثير من الأصدقاء بأدب شمال إفريقيا. كما انها الرواية الأولى التي اقرأها في أدب السجون. في العموم، لم أكن مهتما بهذا النوع من الأدب حتى اقترح عليّ صديق هذه الرواية للإطلاع على هذا اللون الأدبي. كتب الطاهر بنجلون رواية "تلك العتمة الباهرة" بالفرنسية، وقرأت أنا النسخة العربية بترجمة بسام حجار والتي صدرت الطبعة العربية الأولى منها عام 2015.

تستند الرواية على أحداث حقيقية عايشها السجين عزيز بنبين في سجن تزمامارت في المغرب ومعاناة ثمانية عشر عاما من الاعتقال المهين والقاسي في عتمات الظلام إثر محاولة انقلاب الصخيرات الفاشلة التي استهدفت الملك في العام 1971.

تكاد العتمة والتوق للضوء والهروب من الماضي والذكريات والعيش على الأمل والفرار منه تارة تشكل أجواء الرواية وأبطالها الذين يخطفهم الموت تباعا لينتقلوا من عتمة السجن الى عتمة القبر الأبدية. قد تعتصر ألما وأنت تقرأ صفحات الرواية – ذات اللغة الأدبية الجميلة – لأن الجمال اللغوي لن يتغلب على بشاعة صور المرض والموت وبؤس الطعام وتوق السجناء لأبسط حقوق الإنسان: رؤية الضوء، النظافة، والعلاج اذا ما ألمّ بهم المرض، ومعرفة الوقت.

فعن توقهم للضوء، يصبح موت أحدهم فرصة لرؤية شعاع الشمس، فنقرأ، "استحال الموت شعاع شمس بهي"، وعن الاحتياجات العادية، نقرأ، "إن أكثر الأمور الاعتيادية تفاهة، تصبح في المهن العصيبة، غير اعتيادية، لا بل أكثر ما يرغب فيه من أمور الدنيا." وعن الوقت، نقرأ "آه من البطء، أول أعداءنا".

يغرق الراوي، السجين، في تأملاته الكثيرة ويفرط في إيمانه بالرب ويكثر من الصلاة والوضوء ويتوق لزيارة الحجر الأسود، الذي يتحول فجأة الى رمز للإنعتاق. يكثر الرواي من قراءة القرآن وتصور الصوفيين والكعبة والوجد، وجعلني هذا اتساءل عن الإيمان، حيث أن الظروف الصعبة أدت ببطل روايتي "صراع الأقنعة" للإنكار والإلحاد. لكن بطل رواية بنجلون، يقول، "الإيمان ليس هو الخوف. الانتحار ليس حلا. المحنة تحد، المقاومة واجب وليست فرضا، والحفاظ على الكرامة هو الشرط المطلق."

يحاول البطل الفرار من حفرته المظلمة بتصور أماكن أخرى واجترار ما يحفظه من الروايات وتكرار مشاهد الأفلام، فضلا عن الصلاة، ولكنه يتجنب الذكريات والأمل، أي انه يغوص في لحظته المعتمة ويتنكر للماضي والمستقبل معا. فعن الذكريات يقول، "التذكر هو الموت. لقد استغرقني بعض الوقت كيما أدرك أن التذكر هو العدو. فمن يستدع ذكرياته يمت توا، بعدها، كأنه يبتلع قرص السم." وعن الأمل، الذي آمن به في قرارة ذاته ورفضه في تفكيره الواعي يقول، "الكرامة هي الكف عن التعاطي مع أي أمل" و"الأمل كذبة ممزوجة بفضائل المسكنات."

الموت، ذلك الزائر الدائم لهم في سجنهم، والذي اختطف الكثير منهم في أجواء مرعبة مصحوبة بصوت طائر الخبل، كان حلما بالنسبة لهم في بعض الأحيان. حيث يقول الراوي، "كم هو صعب أن نموت حين نريد الموت! فالموت لا يبالي بي!" لكنه كان يدين الانتحار مع ذلك، ولم يقدم عليه سوى أحد النزلاء، بسبب ما يقرأه عن تحريم الانتحار في الاسلام.

كان البطل يحاول هزيمة الكراهية والرغبة في الثأر، رغم ألمه وأساه، وكان يحاول تجاهل والده، الذي يعمل على تسلية الملك والذي تبرأ من ابنه العسكري اثر مشاركته في الانقلاب الفاشل. حيث نقرأ في موضعين، "معظم الذي قضوا لم يقضوا جوعا بل حقدا" و"الثأر ينضح برائحة الموت النافذة ولا يسوي مشكلة".

ذكرتني احدى الفقرات بما كتبته الزميلة أورسولا ليندسي في العديد من مقالاتها عن واقع التعليم ومحاربة القوى اليسارية وتدريس الفلسفة والعلوم الاجتماعية في المغرب في سنوات الرصاص (ما بين الستينيات والثمانينيات)، حيث نقرأ، "جرى ذلك في حقبة الشكوك التي عمت البلاد، فتم اعتقال طلاب، معظمهم من اللامعين في دراستهم، لارتكابهم جرم التعبير عن آرائهم. وكانت تلك ايضا الحقبة التي اتخذ فيها الجنرال أوفقير، بصفته وزيرا للداخلية، قرارا في صيغة تعميم أذيع عبر الراديو، يقضي بتعريب دروس الفلسفة في غضون بضعة أشهر، بغية تنقية المناهج التعليمية من نصوص يشتبه بأنها مثيرة للقلاقل، وهي التي تدفع، بحسب هذا الزعم، الطلاب الى التظاهر."

عند قراءتي لتلك الفظائع التي عايشها أولئك الجنود، تساءلت عن العدالة، لاسيما وانهم في الغالب مأمورين باطاعة قادتهم، والقادة هم من خططوا للانقلاب، ولا يعرف الجنود الصغار شيئا عمّا كان يُحاك لهم وللملك. لكن، يبدو أن العدالة آخر هموم هذا العالم. فبعد قضاء عشرين عام من الاعتقال، وبعد ان أضاع السجناء حياتهم في العتمة والعدم "بلا وجه ولا جنس ولا أمل"، كانت هناك نوايا لاخفاء حتى آثار ما تعرضوا له، فنقرأ، "ما هو أفظع من الفظاعة التي مورست، نفي وقوعها." لكن الراوي يصرّ على ان يبقي ذاكرته حية ليحكي للعالم ما حصل في ذلك السجن السرّي، "آه، ذاكرتي، صديقتي، كنزي، شغفي! يجب أن تصمدي! إياك والوهن. أعلم التعب وعاديات الزمن. آه، ذاكرتي، يا طفلتي التي ستحمل هذه الكلمات الى ما وراء الحياة، الى ما وراء المرئي. إذن، اهدموا اكذبوا، موهوا، وارقصوا فوق رماد الرجال! سوف تصابون بالدوار وبعد ذلك، لن يكون سوى العدم."

في عام 1991، ولد السجين من جديد بعد ثمانية عشرة عاما، بإطلاق سراحه ليبصر النور من جديد ويقبل على الحياة بنظرة ملؤها الخوف. حيث يرد على الطبيب النفسي، بعد ان سمع الأخير بخوف الراوي من النظر الى وجهه في المرآة، قائلا: "كانت نظرة جنون في حين أني ما زلت بكامل عقلي. كما أنها نظرة الموت في حين أني ما زلت حيا."

"مؤلمة" هذه هي الكلمة التي جاءت على بالي لوصف الرواية وأنا أكرر قراءة السطور الأخيرة منها، بعد لقاء السجين بوالدته المحتضرة وشقيقه وشقيقته – الذين تعرف إليهما بصعوبة. كررت قراءة السطور وأنا اتعجب من معجزة بقاء عزيز من بين أربعة ناجين في قسم (ب) من السجن، وأفكر في أنها رواية تستحق القراءة بالتأكيد.






التسجيل الكامل لحفل فوز الحوار المتمدن بجائزة ابن رشد للفكر الحر 2010 في برلين - ألمانيا
الرأسمالية والصراع الطبقي، وافاق الماركسية في العالم العربي حوار مع المفكر الماركسي د.هشام غصيب


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة كمال – أسرار أغنية يونانية عن العراق والمشرق
- عبث الانتظار - قراءة في رواية -في انتظار جودو- لصمويل بيكيت
- سُريالية رومانسية حالمة - قراءة في كتاب -كأنني أسابق صخرة- ل ...
- عالم عجائب عراقي - قراءة في رواية أنيس في بلاد العجائب للروا ...
- جولة روحية وفكرية - قراءة في كتاب -تجوال- للكاتب الألماني هي ...
- أفول الأصنام - اعلان نيتشه الحرب على الدين والأخلاق والفلاسف ...
- رسالة الى المؤرخ والصديق عمر محمد - أدمن عين الموصل
- رومانسية سوداوية - قراءة في -أزهار الشر- للشاعر الفرنسي شارل ...
- المنفى والوجود واللغة - قراءة في المجموعة الشعرية -مديح الطا ...
- تأملات في الإنسان والوجود والإلوهية - قراءة في كتاب -تصوف- ل ...
- اطلالة على قصور اسطنبول - قصر بيلارباي
- مآثر السريان في المشرق - قراءة في كتاب عصر السريان الذهبي لف ...
- رؤية محايدة لمشاهدتي الأولى لفيلم الرسالة
- الاسلام في عيون مبشر أميركي - قراءة في كتاب -الاسلام أو دين ...
- ابحار في فهم الذاكرة والنوستالجيا – قراءة في رواية -الجهل- ل ...
- إطلالة على الأدب الأرمني - قراءة في المجموعة القصصية -عندما ...
- تفكيك المبادئ والمواقف – قراءة في رواية إدوارد والله للكاتب ...
- بعث بدائي ورغبات مكبوتة - قراءة في كتاب علم نفس الجماهير لسي ...
- فيلم لعبة المحاكاة: دروس في تقبل الاختلاف
- آسيا الصغرى وإيران - جسور بين الحضارات


المزيد.....




- إصابة الفنانة الفلسطينية ميساء عبد الهادي برصاص الجيش الإسرا ...
- المغرب في الصفوف الأمامية للتضامن الدولي مع الشعب الفلسطيني ...
- دعوى جديدة ضد جلاد البوليساريو
- حرب المئة عام على فلسطين.. قصة الاستعمار الاستيطاني والمقاوم ...
- كاريكاتير السبت
- رواية -من دمشق إلى القدس-  للروائي يزن مصلح
- إصابة النجمة ميساء عبدالهادي برصاص قوات الاحتلال الإسرائيلي. ...
- كاظم الساهر يتضامن: قلوبنا مع شعب وأطفال فلسطين
- 7 أفلام جسدت النضال الفلسطيني في السينما
- سلا.. هجرة جماعية لمستشارين بجماعتي عامر وبوقنادل لحزب الحم ...


المزيد.....

- مجموعة نصوص خريف يذرف أوراق التوت / جاكلين سلام
- القصة المايكرو / محمد نجيب السعد
- رجل من الشمال وقصص أخرى / مراد سليمان علو
- مدونة الصمت / أحمد الشطري
- رواية القاهرة تولوز / محمد الفقي
- كما رواه شاهد عيان: الباب السابع / دلور ميقري
- الأعمال الشعرية / محمد رشو
- ديوان شعر 22 ( صلاة العاشق ) / منصور الريكان
- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- في رثاء عامودا / عبداللطيف الحسيني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كلكامش نبيل - توق الى الحياة والنور – قراءة في رواية -تلك العتمة الباهرة- للكاتب المغربي الطاهر بنجلون