أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - منير ابراهيم تايه - -رجال في الشمس- والرمزية عند غسان كنفاني















المزيد.....

-رجال في الشمس- والرمزية عند غسان كنفاني


منير ابراهيم تايه

الحوار المتمدن-العدد: 6016 - 2018 / 10 / 7 - 18:25
المحور: الادب والفن
    


لعل أهم ما يشد انتباه قارئ هذه الرواية هو الغرابة في العنوان، فهو يحمـل العديد من المعاني، "رجال في الشمس" من أوائل الأعمال الروائية الفلسطينية التي تتحدّث عن التشرد والموت والحيرة، صغيرة الحجم ثرية المحتوى، الهزيمة الداخلية والنفسية على المستوى الفردي انعكاس للهزيمة الوطنية، وربما أكثر قسوة منها، تتحدث عن الفلسطينيين الذين يمضون إلى أقدارهم السوداء كشخصيات سيزيفية عبثية بامتياز. كل الشخصيات يظللها الرمادي العظيم، لقد أثبتت لي هذه الرواية بأن العمل الروائي ليس الإغراق في تفاصيل وصفية شرطا لحيازة الإعجاب به، وإنما قد تنسج شخصياتك، وتضعها في مكان ما لتصنع الحدث. هذا ما فعله الروائي والأديب الشهيد غسان كنفاني في رجال في الشمس
الموضوع الرئيس للرواية حديثه عن التشرّد والموت، يعكس القضية الفلسطينية وما حدث في نكبة عام 1948م ، وتأثيرها على الشعب الفلسطيني بطريقة رمزية رائعة من خلال ثلاثة فلسطينيين، ونتيجة للا حتلال الصهيوني ولضيق ذات اليد وشظف العيش، قرروا الخروج من الوطن بحثاً عن لقمة الخبز، كانت الكويت في بداية نهضتها، بدأت تستقطب العمالة العربية الوافدة ، فكان هدفهم الوصول إلى الكويت للعمل، ولأنهم لا يملكون أيةأوراق ثبوتية أو جوازات سفر، فكان الطريق الأقصر هو التسلل تهريباً إلى الكويت. فاجتمع الثلاثة في البصرة، النقطة الأقرب إلى دخول الكويت وتعرضوا لابتزاز عصابات التهريب، حتى يلتقوا بواحد من جلدتهم "أبو الخيزران" الذي يعمل سائقاً لأحد سيارات المياه العائدة لتاجر كويتي، وكان في البصرة لإصلاح الخزان، فيقنعهم بأنه خير من يوصلهم إلى الكويت ، وخلال نقله إياهم يطول عليهم الوقت وهم داخل الخزان في حر الصيف الملتهب في الصحراء يختنقوا ويموتوا فيرميهم السائق قرب المزابل بعد أن يجردهم من أموالهم وممتلكاتهم.
لقد حاصر الموت "رجال في الشمس" من الداخل والخارج لموقفهم السلبي، ورغبتهم في الفرار، فكان الفرار موتاً أطل عليهم من الشمس الحارقة التي حاصرتهم وهم داخل صهريج المياه في تلك الصحراء الواسعة المكشوفة
أراد هؤلاء الرجال البحث عن حياة هادئة مطمئنة، منسحبين بذلك من القضية، فكان الفرار موتا باعهم إليه فلسطيني مثلهم بعد أن خدعهم واستغل حاجتهم الكبيرة وأموالهم القليلة. وقد قبلوا بإرادتهم وبوعيهم وضع المدفونين أحياء، إلى أن يستحيلوا فعلاً إلى جثث ملقاة بالعراء تنتظر من يدفنها، ومن الصور القاسية أن الذي يسلمهم إلى هذه الميتة الشنعاء فلسطيني مثلهم. وهو في الوقت نفسه شهيد ومجرم، وإنسان فَقَدَ من إنسانيّته بقدر ما فَقَدَ من رجولته. وإلى جانب هؤلاء يعيش فريق آخر من العرب في حجرات مكيّفة الهواء، غافلين عن المأساة الكامنة على مقربة منهم، لأن المدفونين أحياء لا يقرعون جدران الخزان
أراد غسان كنفاني في روايته هذه تعرية وإدانة واقع اجتماعي، وكانت وسيلته إلى هذا، تلك السلبيَّة الفردية التي تمثّلت في محاولة الخلاص الفردي التي تحرّكها " رغم امتلائها الرمزي" المصالح الشخصية، إلى جانب ما في واقع الفرار من سلبية لا يمكن أن تمثل موقفا ثوريا
وهكذا وضع المؤلف أمام الواقع هذه الحقيقة التي عراها "إن من يفر بعيداً عن الأرض يجد الموت" كانوا يعتقدون أن الفرار سيجلب لهم الراحة والاستقرار، فإذا هو يستحضر لهم الموت دون أية فائدة على المستويين الخاص والعام. بعكس الفرار تجاه الأرض والموت على صدرها..
حين تقرأ "رجال في الشمس" لغسان كنفاني، فلا يمكنك أن تتخطى سطرا دون أن تجد رمزا لكلّ كلمة فيها "والرموز كثيرة في الرواية" والذي يشير إلى أحوال الفلسطينيين بعد النكبة، فقد عكس الروائي المبدع القضية الفلسطينية من خلال شخصيات الرواية، حيث أن كل شخصية ترمز لشخصية من شخصيات شعبه..
إن هذه الرواية تحمل في داخلها ذلك التزاوج بين الواقع والرمز معا دون أن يؤثر تغييب أحدهما على الرواية عند قراءتها من جانب واحد. فهي ترصد واقعاً مُعاشاً بأحداثه وشخصيَّاته وزمانه وأشيائه، وتظلّ، في الوقت نفسه، قابلة لمنح دلالات رمزيّة لتلك الأحداث والشخصيَّات
في ذلك تتجلى عبقريَّة الرواية، من إمكانيَّة قراءتها من زاوية واحدة، زاوية الواقعيَّة أو زاوية الرمز، أو من الزاويتين في اندماجهما وتشابكهما معاً. رغم أن غسَّان كنفاني كان يطمح إلى إيصال الجانب الرمزي في الرواية، فيؤكد أنها إذا «… كانت قد عجزت عن نقل هذه الناحية (أي البُعد الرمزي)، فإني أعد نفسي مخفقاً
مثل هذا الإقرار من قِبَل الكاتب نفسه، يبيح للدارس والناقد البحث عن المعنى الرمزي للرواية ودلالات الأحداث والشخصيَّات والأشياء فيها، والذي يصل أحياناً إلى حدود الإسقاط الذاتي والمغالاة في القراءة الرمزيَّة للرواية اذ تقرر رضوى عاشور أن أبا الخيزران هو " رمز لقيادة الشعب الفلسطيني التي قصّرت أثناء النكبة وبعدها مباشرةً في الاضطلاع بدورها. وقد تكون الإشارة هنا أيضاً للقيادات العربيّة، الملوك والرؤساء العرب، إبان فترة 1948" لكنها تعود لتؤكد بأن ثراء تلك الشخصيَّة يستعصي على اختزالها إلى مجرَد إشارة سياسية محددة في معناها. فيتأكد حضور تلك الشخصيَّة بواقعيَّتها التي هي أغنى من كل رمز يمكن إسقاطه عليها أو إقحامه من خلالها، فالرمزية اتجاه فني يغلب سيطرة الخيال فعوضا من أن يعبر الكاتب عن غرضه بالفكرة المباشرة، فإنه يبحث عن الصورة الرمزية التي تشير في النهاية إلى الفكرة أوالعاطفة ذلك ان طريقة التعبير، توازي، في الأهمية ما يُراد التعبير عنه. وفي العمل الأدبي الناضج يفرض المضمون الشكل الذي يتطلبه.. فلا يعود هناك، مثلا، مضمون متقدم مع أسلوب تقليدي، أي لا يعود هناك فصل بين المضمون والشكل.. والتجربة الجديدة تحمل بالضرورة شكلاً جديداً خاصاً بالكاتب نفسه
قد لا يكون ما قدمه غسان كنفاني على الصعيد الفني شيئا جديدا للغاية وإنما بالتأكيد فرض المضمون على كنفاني الشكل الذي يناسبه.. وهكذا تنوعت أشكال الكتابة عنده، فكان أحيانا يتبع الأسلوب الواقعي المبسط و أحيانا يتبع الأسلوب الرمزي بقوة على مدى واسع وبذكاء كبير، فرغم الواقعية في رواياته ، إلا أنها لا تخلو من الرموز التي ترمي الى دلالات معينة.
رجال في الشمس هي قصة الشعب الفلسطيني، وليست قصة شخصية أو أكثـر، قصة شعب بأكمله قاسى الذل والضياع والحرمان والظلم، شعب مجهول الهوية لا يعرف إلى أين يسير في هذه الدنيا الواسعة، بعد أن تكالبت عليه القوى الاستعمارية والعربية، ولم تسلبه أرضـه فقط، وإنما سلبته حق الحياة الكريمة منذ النكبة الأولى عام 1948م
ان الرمزية الأساسية في القصة تتلخص في عدم دق جدران الخزّان حيث مات الرجال الثلاثة اختناقا دون أن يتجرأ أحد منهم على دق جدران الخزان طلبا للمساعدة، والرمزية في عدّم دق الجدران تنبع من الصراخ الشرعي المفقود والمطلوب من الشعب الفلسطيني الذي عاني من التشرّد، دون أن يفكر أبداُ في مواجهة هذا الوضع الأليم. وفي الرواية يدين الروائي غسان كنفاني كلّ الأطراف التي تسبّبت بنكبة فلسطين..
والقصة تصوير حي وصادق لقصة اللجوء الفلسطيني، بما يصاحب ذلك من ذل ومرارة وجوع، جميع الأجيال الفلسطينية تقع تحت وطأة التشرد والضياع، تعانى من الغربة وفقدان الهوية، تسعى من أجل لقمة العيش، من أجل أن تجد لها مكاناً تحت الشمس، هذه الرواية هي الواقع في أسوإ أشكاله، هي الحقيقة في أمرّ مذاق لها..






الرأسمالية والصراع الطبقي، وافاق الماركسية في العالم العربي حوار مع المفكر الماركسي د.هشام غصيب
حوار مع الكاتب و المفكر الماركسي د.جلبير الأشقر حول مكانة وافاق اليسار و الماركسية في العالم العربي


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ادب الديكتاتورية.. صنع ادباء وعرى الطغاة...
- الرواية العرفانية في تجربة عبدالاله بن عرفه...
- سرقة التاريخ وتزييفه؟!!
- الهوية المضطربة لادوارد سعيد في -خارج المكان-
- الترجمة نقل حرفي أم فعل إبداعي؟
- صراع السلطة والمثقف.. -ابن المقفع نموذجا-
- قصص قصيرة/ الاعمى
- البعد الثقافي للمشروع الصهيوني؟
- ثورات وليست ربيعا
- بديع الزمان الهمذاني مبدع المقامات وساحر الالفاظ والكلمات
- -زرايب العبيد-.. الظلم حين يصبح قدرا
- -الاشياء تتداعى-.. وآلام لا تموت
- القهوة.. مشروب له تاريخ؟!!!
- مفهوم العنف في الفكر الاجتماعي
- بين الادب والتاريخ... محاولة لفك الاشتباك؟
- زوابع يوسف زيدان...؟؟!!
- الكتابة على حافة الهاوية
- صناعة الوهم؟!!
- العبودية التلقائية
- صناعة الوعي


المزيد.....




- -كان يعلم بوفاته-... آخر لحظات الفنان مشاري البلام باكيا قبل ...
- العثماني يبسط الإجراءات المواكبة لتنزيل ورش تعميم الحماية ال ...
- مجلس المستشارين.. تأجيل الجلسة الشهرية المخصصة لتقديم أجوبة ...
- أحاديث المكان وقيد الخاطر في -مسافر زاده الجمال-
- محيي إسماعيل يكشف فنانا أضاف للكوميديا أكثر من عادل إمام... ...
- تعليق قاس من الملحن هاني مهنا على دعوة حمو بيكا لفرح ابنته
- معرض -فنون العالم الإسلامي والهند- في سوثبي
- صدر حديثًا كتاب -ولكن قلبى.. متنبى الألفية الثالثة- للكاتب ي ...
- القدس في عيونهم .. رواية -مدينة الله- للأديب حسن حميد
- أخنوش لـ«إلموندو»: استقبال غالي من شأنه زعزعة الثقة بين البل ...


المزيد.....

- مجموعة نصوص خريف يذرف أوراق التوت / جاكلين سلام
- القصة المايكرو / محمد نجيب السعد
- رجل من الشمال وقصص أخرى / مراد سليمان علو
- مدونة الصمت / أحمد الشطري
- رواية القاهرة تولوز / محمد الفقي
- كما رواه شاهد عيان: الباب السابع / دلور ميقري
- الأعمال الشعرية / محمد رشو
- ديوان شعر 22 ( صلاة العاشق ) / منصور الريكان
- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- في رثاء عامودا / عبداللطيف الحسيني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - منير ابراهيم تايه - -رجال في الشمس- والرمزية عند غسان كنفاني