أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - منير ابراهيم تايه - صراع السلطة والمثقف.. -ابن المقفع نموذجا-















المزيد.....

صراع السلطة والمثقف.. -ابن المقفع نموذجا-


منير ابراهيم تايه

الحوار المتمدن-العدد: 5784 - 2018 / 2 / 11 - 15:59
المحور: الادب والفن
    


يعد اللجوء الي عالم الحيوان، واستنطاقه، عبر انسنته احد اشكال الالتفاف على الرقابة، بغرض ايصال المثقف لخطابه، اوموقفه الى متلقيه، من خلال التعامل مع اطراف حساسة في معادلة شديدة الخطورة ، تفرض عليه الحنكة، كاول ادوات المواجهة، مادام انه لايطيق الصمت ذلك ان المثقف او الاديب اكثر من يستطيع تلمس الوجدان الاجتماعي من حوله بحكم حساسيته العالية، من اجل الذود عن القيم التي يؤمن بها، والدفاع عن انسانية الانسان عبر ابداعه، لا يمنعه من ذلك اية اسلاك شائكة، كي تصل الفكرة الى متلقيها، متوارية خلف الرمز حينا، ومجاهرة حينا آخر وبحسب ما يتطلبه الواقع، وعبدالله ابن المقفع شخصية جدلية وادبية وتاريخية من الادباء المخضرمين، مفكرا ومثقفا وأديبا وحكيما مارس التلميح والتصريح في كتاباته، ذو ثقافة عميقة تجد لقصصه دلالات رمزية عميقة المعنى وحكما ونصائح أخلاقية ناقدة لواقع الحياة الاجتماعية والسياسية، رافق الازمات السياسية في زمن الدولتين الاموية والعباسية وشهد سقوط الاولى وقيام الثانية وعمل في الدولتين، واذا كان قد استطاع ان يحتفظ بحياته زمن الدولة الاموية فانه لم يستطع ذلك زمن الدولة العباسية، يعده كثير من النقاد أول رائد للأدب السياسي الاجتماعي العربي لما اشتمل عليه أدبه من معالجات لمشكلات مجتمعه وتفاعل مع ظروف الواقع الذي عايشه وقوة الصلة الإيجابية بالحركة الإنسانية الاجتماعية المتفاعلة مع وجدان الكاتب وتفكيره، ويعد كتابه "كليلة ودمنة" من روائع التراث الإسلامي ومن أشهر ما كتب في الحكمة الإنسانية التي صيغت بأسلوب قصصي ترجمه أيام الخليفة العباسي الثاني، أبي جعفر المنصور (136 هـ 158 هـ)، من اللغة البهلوية (الفارسية القديمة) إلى العربية، ومن هنا نلاحظ أن أهمية ابن المقفع لا ترجع إلى أنه كان كاتبا من كتاب الدواوين الحكومية، وإنما ترجع إلى أنه كان مترجما عن البهلوية الفارسية وغيرها، فنقل إلى العربية خير ما عرفته اللغة الفارسية، مما كان له أثر كبير في الآداب العربية.
هو روزبه بن داذويه ولد عام ( 734 ـ 106هـ ) في قرية جور بفارس وانتقل بعد ذلك إلى البصرة وتعلم العربية ودرس وتخرج على يد عبد الحميد الكاتب، أعلن إسلامه وسمى نفسه عبد الله كان والده واليا على خراج العراق فاتهم بالسرقة فضربه الحجاج على يديه حتى تقفعت أي تشنجت وتيبست فسمي المقفع، اختلفت الروايات في أسباب قتله ونقمة الخلفاء عليه وغالب الظن أنه ذهب ضحية آرائه الجريئة في الدين التي بثها في كتبه والتي دفعت الخليفة المنصور إلى أن يوعز لأمير البصرة سفيان المهلبي بقتله والتمثيل به وحرق كتبه ولم يتجاوز من العمر الخامسة والثلاثين عاما.
وابن المقفع اجتماعي النزعة انساني المشاعر، مرحا حلو الدعابة عذب الحديث، حسن المعشر ، نموذجا في الخلق المهذب والأدب الرفيع والتواضع الجم، إلى جانب الجرأة النادرة والاعتزاز بالرأي ، والراجح انه ذهب ضحية آرائه الاصلاحية ودفع حياته ثمنا لالتزامه بقضايا مجتمعه فقد عرف كيف يوجه ادبه وجهة واقعية يلحظ فيها مشكلات الانسان الاساسية ويستدل مما جاء في كليلة ودمنة انه كان محبا للعدل كارها للظلم والبطش جاهر بآرائه الاصلاحية الناقدة في مجالسه الخاصة مما اثار السلطات الحاكمة عليه فعملت على التخلص منه ثم تقوم باسكات الالسن بإطلاق تهمة الزندقة عليه...
كليلة ودمنة:
حكايات قصيرة ذات طابع ارشادي صيغت على السن الإنسان والطيور والحيوانات ذات طابع إرشادي ومغزى سياسي منقولة من الهندية إلى الفارسية ثم العربية نقلها ابن المقفع وتصرف فيها وحورها كثيرا حتى تلائم المناخ العقلي الإسلامي فنجد الروح الإسلامية واضحة بشدة من خلال ذكر البعث والثواب والعقاب ووحدانية الله تعالى والنصائح الأخلاقية والإرشادات الإسلامية الظاهرة .
الكتاب من الأدب الرمزي الذي لا تدرك مقاصده إلا إذا حللت رموزه وفككت وأسقطت الأقنعة لينكشف ما وراءها، وتتجلى أولى الدلالات الرمزية مما أورده ابن المقفع في المقدمة حيث ذكر أن ملك الهند دبشليم أمر الفيلسوف بيدبا أن يعكف لكتابة كتاب يكون ظاهره سياسة العامة مع الملوك وباطنه أخلاق الملوك وسياستها مع الرعية.
مسؤولية المثقف:
أورد ابن المقفع في مقدمة كليلة ودمنة قصة الملك دبشليم مع الفيلسوف "بيدبا" فقد كان دبشليم ملكا على الهند إلا أنه لم ينهج نهج آبائه وأجداده في العدل بين الرعية فطغى وبغى وتجبر وتكبر وعبث بالرعية واستصغر شأنهم فلما رأى بيدبا الملك وما هو عليه من الحال جمع تلاميذه وقال لهم : اعلموا أني قد أطلت الفكر في الملك وما هو عليه من الخروج عن العدل ولزوم الشر ورداءة السيرة وسوء العشرة مع الرعية ونحن ما نروض أنفسنا لمثل هذه الأمور إذا ظهرت من الملوك إلا لنردهم إلى فعل الخير ولزوم العدل ومتى أغفلنا ذلك وأهملناه لزمنا من وقوع المكروه بنا وبلوغ المحذورات إلينا ألم الجهال وليس الرأي عندي السفر من الوطن ولا يسعنا في حكمتنا إبقاء الملك على ما هو عليه ولا يمكننا مجاهدته إلا بألستنا وإني قد عزمت على الدخول عليه ونصحه وليكن ما يكون فدخل بيدبا على الملك ونصحه وحذره من عاقبة بغيه وتجبره وطغيانه فما كان من الملك إلا أن غضب وأمر بقتله ثم تراجع وأمر بسجنه فسجنه وقام بملاحقة تلاميذه فتفرقوا، ومضت الأيام وبيدبا في سجنه صابراً محتسباً حتى عرضت للملك مسألة من أمور الدولة فذكر بيدبا فأمر بإخراجه وعرض عليه المسألة فحلها فعفا عنه وعلم أنه قد أخطأ بحقه فولاه جميع أمور مملكته فرفض فأصر عليه فتولى بيدبا وجلس في مجلس العدل والإنصاف يأخذ للدنيء من الشريف ويساوي بين القوي والضعيف ويرد المظالم ويضع سنن العدل ويكثر من العطاء والبذل والدلالة هنا تبرز بضرورة اضطلاع العالم والمثقف بدوره في إصلاح الأوضاع ومناصحة الولاة ومراجعة الحكام وإن كان في ذلك حبسه أو قتله وأن لا يرفض هذا العالم والمثقف منصبا سيصلح به أمر الناس وأن لا يتركه لغيره ممن لا يأمن فسادهم ولا يرجى صلاحهم بل عليه أن يقبل به.
في كتابه "نقد العقل العربي" يعرف الدكتور محمد عابد الجابري "كليلة ودمنة" بأنه كان "منذ عصر التدوين، الذي ترجم فيه، إلى عصر النهضة العربية الحديثة، الذي بلغ أوجه في منتصف القرن العشرين، المرجع الأول في تكوين العقل الأخلاقي العربي،ويقول: ليس هذا فحسب، بل كان هذا الكتاب، طوال هذه المدة، قيمة في ذاته، قيمة على مستوى أدب اللسان وقيمة على مستوى أدب النفس، وهو من هنا كان بالفعل أول كتاب مدرسي في الثقافة العربية الحديثة".
وإذ يقول الجابري هذا يشير إلى ما في فصول الكتاب من تناقض بين نصوص تركّز على "طاعة السلطان" وأخرى تركز على "خطر صحبته وبميوله إلى الطغيان" لافتاً إلى أن النصوص الداعية إلى الطاعة فارسية الأصل، والأخرى هندية الجذور...
ولابن المقفع كذلك "رسالة الصحابة" وللرسالة قيمة كبرى في إصلاح نظام الحكم وان كانت ذات طابع واضح في النقد السياسي حيث يدع الى التنظيم السياسي في ارجاء المجتمع الاسلامي جدير بان يوضع الى جانب كتاب "السياسة" لارسطو و"العقد الاجتماعي" لجان جاك روسو، تتجلّى النزعات الإنسانيّة في افكار ابن المقفّع بمناداته بضرورة احترام الإنسان وتقديره وتحقيق حريته ونشر المساواة الاجتماعية بين جميع البشر، وإرساء قيم العدالة داخل المجتمع مهما تعددت معتقداته وأجناسه وتفاوتت فئاته الاجتماعية، نادى باستقلاليّة القضاء وتوحيد القوانين، بسن قانون متفق عليه يسير عليه كل القضاة، وفى مواجهة أمراض الجند وصراعات قادتهم، يقترح ابن المقفع إبعاد القادة والجند عن لين العيش، وعن ولاية الخراج واالأمصار، لأن ولايتهما مفسدة للمقاتلين، وأن يعطوا رواتبهم ومكافأتهم فى وقت معلوم حتى لا يضعفوا بالفقر والجوع، ويقعوا فىى شرك الخيانة، والتطلع للحصول على المال من أى طريق، وفي مواجهة أمراض الحياة العامة وعمال الخراج الذين يستولون على أرزاق وأراضى الناس بغير حق، يقترح أن تحصى الأراضىى وتكتب أسماء مالكيها فى سجلات رسمية، ليعرف كل مالك ما له، وما عليه على أسس قانونية واضحة، ويرى أنه لا صلاح للشعب، إلا بصلاح الحاكم، وان لم يتعرض لمناقشة قضية الحكم خوفا من استبداد الخليفة المتسلح بالحكم المطلق، ولكن يبقى أنه أول مفكر فى تاريخ الإسلام قدم رؤى سياسية واجتماعية واقتصادية لإصلاح المجتمع، لقد ماثلت أفكاره السياسية والأدبية أفكار فلاسفة التنوير وزعماء الفكر والأدب الغربيين المحدثين فسبق عصره، وانبرى بعزيمة شديدة في إرساء أسس التغير، واندفع اندفاعا لا حدود له في البحث عن الحرية والعدالة الاجتماعيّة، ديدنه نقد الموجود وتغييره وتحقيق الانفتاح الحضاري، رام فصل السّلطات لتحقيق الحرّية ومقاومة الاستبداد...
في حضرة ابن المقفع تتعدد فضاءات المعرفة كما تتعدد الأسباب التي تدفعنا إلى أن ننهل من ذلك الفكر العذب، نقرأ لنستمتع ونعمل الفكر ونمارس التأويل في الوقت نفسه، نضع الحكايات والأمثال والحكم ثم نتأمل في أكثر من وجه للمعنى الذي أراد ابن المقفع أن يلفت انتباهنا إليه...
لكن الزمن الذي عاش فيه ابن المقفع كان زمن قطع الرؤوس وسلخ جلود الاحياء وجعل الاجساد طعاما لتنور لاهب، فالحرية السياسية مفقودة والخليفة يضيق ذرعا بالنصيحة، ولم يكن هناك من يجرؤ على الادلاء برأيه فكيف لابن المقفع وهو من كبار الادباء ان يقول كلمته؟ وما السبيل امامه للافصاح عما يراه حقا وعدلا فعمد الى التقية ولجأ الى التلميح بمقاصده والتلويح بنقده واحتجاجه وهنا يكمن دور الاديب الحقيقي والتزامه بقضايا مجتمعه...






دور ومكانة اليسار والحركة العمالية والنقابية في تونس، حوار مع الكاتب والناشط النقابي
التسجيل الكامل لحفل فوز الحوار المتمدن بجائزة ابن رشد للفكر الحر 2010 في برلين - ألمانيا


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصص قصيرة/ الاعمى
- البعد الثقافي للمشروع الصهيوني؟
- ثورات وليست ربيعا
- بديع الزمان الهمذاني مبدع المقامات وساحر الالفاظ والكلمات
- -زرايب العبيد-.. الظلم حين يصبح قدرا
- -الاشياء تتداعى-.. وآلام لا تموت
- القهوة.. مشروب له تاريخ؟!!!
- مفهوم العنف في الفكر الاجتماعي
- بين الادب والتاريخ... محاولة لفك الاشتباك؟
- زوابع يوسف زيدان...؟؟!!
- الكتابة على حافة الهاوية
- صناعة الوهم؟!!
- العبودية التلقائية
- صناعة الوعي
- موسم الهجرة الى الشمال... والتخلي عن الذات
- في مديح الموت وذم انقطاعاته
- اللغة العربية الضائعة في جاهلية اهلها
- صناعة العزلة؟
- الهوية الحائرة... تغريبة -الحسن الوزان- او -ليون الافريقي-
- بوصلة السماء


المزيد.....




- القضاء الإسباني يعيد فتح ملف يتعلق بجرائم ضد الإنسانية يستهد ...
- فرنسا تعلن العودة إلى الحياة بإقامة مهرجان الموسيقى وسط إجرا ...
- فرنسا تعلن العودة إلى الحياة بإقامة مهرجان الموسيقى وسط إجرا ...
- بعد أن سيست إسبانيا قضاءها.. سفيرة المغرب بمدريد ستعود للتشا ...
- -يمكن يكون ده آخر بوست أكتبه-... نقل الفنانة فاطمة الكاشف إل ...
- -البالونات تصبح صواريخ-... فنانة لبنانية تعبر عن ألمها لما ي ...
- الصيّادون في سويسرا.. هل أضحوا سُلالة مُهدّدة بالانقراض؟
- الفنان مجدي صبحي يُعلن اعتزاله الفن: أنا مش شبه اللي بيتقدم ...
- جنرال صهيوني: خسرنا معركة الرواية وفشلنا بحرب الوعي
- أرض جوفاء.. ديناميكيات الاستيطان الإسرائيلي وتمزيق الجغرافيا ...


المزيد.....

- مجموعة نصوص خريف يذرف أوراق التوت / جاكلين سلام
- القصة المايكرو / محمد نجيب السعد
- رجل من الشمال وقصص أخرى / مراد سليمان علو
- مدونة الصمت / أحمد الشطري
- رواية القاهرة تولوز / محمد الفقي
- كما رواه شاهد عيان: الباب السابع / دلور ميقري
- الأعمال الشعرية / محمد رشو
- ديوان شعر 22 ( صلاة العاشق ) / منصور الريكان
- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- في رثاء عامودا / عبداللطيف الحسيني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - منير ابراهيم تايه - صراع السلطة والمثقف.. -ابن المقفع نموذجا-