أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - جعفر المظفر - بين الرمز الديني والرمز التاريخي















المزيد.....

بين الرمز الديني والرمز التاريخي


جعفر المظفر

الحوار المتمدن-العدد: 6007 - 2018 / 9 / 28 - 23:54
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


بين الرمز الديني والرمز التاريخي
جعفر المظفر
يُذكر عن الإمام ابو حنيفة الذي يتبعه أغلب سنة العراق أنه قضى آخر سنينه في السجن ومات فيه مسموما على يد جند الخليفة العباسي ابو جعفر المنصور لأنه وقف مع ثورة الإمام محمد المسمى بابي النفس الزكية، وكان يجهر بمخالفة المنصور في غاياته عندما يستفتيه. مع ذلك فإن نظام صدام حسين, الطائفي السني على حد قول خصومه من شيعة الإسلام السياسي, هو الذي قام بنصب تمثال لرأس الخليفة العباسي المنصور في واحدة من الساحات البغدادية المعروفة والتي صارت تسمى بإسمه, في حين أن رجالات الحكم السياسي من الشيعة هم الذين قاموا ذات صباح بعد الإحتلال بقطع رأس تمثال المنصور الذي فوجئ به أهل بغداد ملقيا إلى جانب قاعدته في واحدة من المشاهد التي أثارت دهشة وحيرة وإحباط وألم المارة من حوله.
مشهد قطع رأس تمثال أبو جعفر المنصوريكشف عن إشكالية ثقافية وسياسية من شانها أن تجعل الفكر الشيعي السياسي في مأزق من الصعب تجاوز تأثيراته السلبية على هوية الشيعة العرب بشكل عام وأولها ذلك الذي يتعلق بقضية الهوية والإنتماء والتاريخ الخاص المتفارق والمتخاصم مع التاريخ العربي بإدعاء انه مكتوب بأقلام سنية.
والحال أن قطع رأس ذلك التمثال هو إحدى المشاهد التي تتكامل مع مشاهد أخرى تضمنت مقترحات لتبديل إسم شارع الرشيد, وهو الشارع الأب لكل شوارع العراق, وذلك كرها بالخليفة هارون الرشيد (المتهم بقتل الأمام موسى الكاظم) مثلما تضمنت أيضا تبديل إسم بغداد نفسها, على غرار المقترح الذي جرى تقديمه لتغيير إسم محافظة بابل إلى محافظة الحسين. نتذكر هنا على سبيل المقارنة والتذكير ان صلاح الدين الايوبي الذي يشيع عنه بعض المتعصبين من الشيعة انه كان قاسيا ومعاديا للشيعة الفاطميين في مصر, وهو الذي كان قد هدم دولتهم في مصر وأقام دولته الأيوبية بديلا لها, نتذكر عنه أنه أبقى على إسم القاهرة التي كان قد اسسها المعز الفاطمي وأبقى كذلك على إسم الأزهر الذي أسسه الفاطميون في زمن المعز نفسه وحاكمه عليها جوهر الصقلي.
وما زال المصريون (السنة) يقرنون بفخر وتعظيم إسم عاصمتهم بإسم الخليفة المعز التي كان قد أسسها, رغم أن بعض المؤرخين يشير إلى أن المعز الشيعي الفاطمي سماها كذلك لكي تقهر الخليفة العباسي المحسوب على السنة. ترى هل كان العباسيون يتبعون اي مذهب سني من المذاهب الأربعة .. لا أعتقد بذلك فالأئمة من السنة كان أكثرهم معاديا لخلفاء تلك الدولة التي لم يتأخر أي من خلفائها على التعامل بنفس الندية التي تعامل بها مع الأئمة من الشيعة وذلك تحت شعار نعادي من يعادينا ونصادق من يصادقنا. ومعروفة هي محنة إبن حنبل التي التي أسميت وقتها بمحنة خلق القرآن في زمن الخليفة المأمون, وتذكروا أننا نتحدث هنا عن ثقافة لا علاقة لها بالإسلام السياسي الحالي وقطبيه الأخوان السنة أو الشيعي ومثاله الدعوة او الفضيلة العراقي, أو حتى ببعض رجال الدين من واقع إنحيازهم لإيران وتحيزهم للفكر الصفوي, أو من واقع موالاتهم للدولة السعودية كالسلفية الوهابية التي شاركت بتأسيس تلك الدولة.
لقد منحنا الإخوان المسلمون المصريون في العام الذي هيمنوا فيه على السلطة المصرية فرصة أن نقرأ عمليا موقفهم من ثقافة الدولة المصرية العميقة. المعضلة الإسلامية السياسية هنا بنسختها المصرية هي أصعب بكثير من أختها العراقية, على الأقل من الناحية النظرية.
في البلدان التي لا حواضر تاريخية لها قبل الإسلام يمكن للإسلام السياسي أن يهيمن على الحكم دون أن يحس بحاجته للدخول في معركة صعبة ومكشوفة مع التاريخ. لنأخذ السودان على سبيل المثال. الإسلام السياسي في عهد الفريق البشير لم يجابه معضلة حضارية مع التاريخ كما كان متوقعا ان يجابهه إسلام مرسي العياط في مصر. وإذ لم تكن للسودان حواضر تاريخية عميقة كحواضر مصر الفرعونية فإن النظام الإسلامي الأخواني السوداني لم يخض حربا فعلية لا مع الحاضر المتراجع أصلا ولا مع التاريخ الفقير لتلك الدولة.
مع مصر بدى الأمر مختلفا بشكل تصعب فيه المقارنة, فالحرب مع التاريخ لم تكن تكمن في الحاجة إلى إزالة (اصنام) الفراعنة فقط (الأهرام, معبد أبو سنبل, أبو الهول .. ألخ) وإنما أيضا إلى إعادة كتابة تاريخ مصر القديم بصيغ توجب قلبه بشكل معاكس تماما (آب سايد داون). ذلك يعني أن الشخصية المصرية كان محتما عليها أن تجابه بزلزال لا يمكن أن تقاس هزاته بمقياس ريختر للهزات الأرضية !.
وفي إعتقادي أن الإخوان المصريين كان مقدرا أن تكون مشكلتهم مع التاريخ المصري أكبر من مشكلتهم مع حاضر مصر أو مستقبلها.
لا شك أن مشكلة المصريين المسلمين والمسيحيين الأقباط مع تاريخهم هي أكبر بكثير من مشكلة العراقيين الشيعة مع تاريخهم العراقي القديم. ومع ذلك فإن المصري قد وجد التوليفة الملائمة بين تاريخه الفرعوني وحاضره المحمدي أو المسيحي.
حجم الإشكالية المصرية تبدو جليه وواضحة من خلال معرفتنا أن قرآن المسلم يدين بشدة فرعون (الكافر) الذي إضطهد نبي اليهود موسى اشد إضطهاد. غرابة المشكلة وصعوبتها تتجلى من خلال إفتراض أنه كان على المصري ان يتخلى عن أحد أمرين : أما عن دينه الإسلامي وأما عن تاريخه الفرعوني ما قبل الإسلام. وأما الحل على الطريقة المصرية فهو ذلك الذي تجلى من خلال الجمع بين موسى وفرعون في مساحة واحدة عنوانها أن ما لفرعون لفرعون وما لموسى لموسى.
ترى هل كان بمقدور أخوان مرسي العياط أن يقبلوا بمعادلة كهذه أم كان مقدرا عليهم بعد سنين من حكمهم أن يهجموا بالتراكتورات العملاقة لكي يقطعوا راس أبي الهول كما فعل بعض أقرانهم من سياسي شيعة العراق حينما قطعوا رأس المنصور.
في إعتقادي إن مشكلة الإخوان المسلمين المصريين مع نفرتيتي وتوت عنخ آمون كانت ستكون أكبر بكثير من مشكلتهم مع نجوى فؤاد أو مع تمثال سعد زغلول.
مع العراقيين الشيعة أو السنة الإشكالية هنا أخف بكثير, فهي ليست مع القرآن, وهي ليست في تلك التي تتحرك ما بين الدين وبين التاريخ الذي سبقه, وإنما هي جزء من تاريخ صراع مذهبي بين الشيعة والسنة كان قد بدأ بعد الإسلام, وهو موجود في كتب التاريخ ولا علاقة له بالقرآن, ولذا فالحل لا يتطلب أبدا إعادة كتابة القرآن بالصيغة التي تضمن الصلح ما بين هارون الرشيد والإمام الرضا, لأن الخلاف بين الرجلين لا وجود له في القرآن بل أن وجوده محصورا في الثقافة الدينية المسيسة.
والحال أن النظام العلماني هو النظام الوحيد الذي يقدم حلولا صائبة لمجتمعاتنا لأنه يمنحنا الفرصة الكبيرة للعيش متآخين من غير أن نسمح للإختلافات المذهبية أن تخرب علينا تاريخنا وحاضرنا.






اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
فهد سليمان نائب الامين العام للجبهة الديمقراطية في حوار حول القضية الفلسطينية وافاق و دور اليسار
لقاء خاص عن حياته - الجزء الاول، مؤسسة الحوار المتمدن تنعي المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مثلث برمودا الإسلامي .. الدين المذهب القومية
- المسؤول الحقيقي عن مأساة العراق الحالية شعبه وليست حكومته.
- البصرة المتآمرة على نفسها
- إنه الجنرال دولار سيداتي سادتي
- الإسقاطيون والموقف من التعويضات التي تطالب بها إيران. ربما ك ...
- عن غزو الكويت وعن دور غلاسبي وعن أشياء أخرى
- نائب عن الشعب أم نائب عن مجلس النواب
- العراق الذي يبعث من جديد
- حوار حول العلمانية
- السعودية وإيران .. الأخطر والأشد خطرا !
- مرة أخرى .. الشعب, ما هو الشعب
- العراقيون .. هل هم شعب لا يستحي ؟
- نعم .. الفقر رجل وبالإمكان قتله .. بمناسبة إستشهاد الأمام عل ...
- السباحة مشيا على الأقدام
- أول الغيث .. (بَيْدَ أن) .. ثم ينهمر
- تزوير التزوير
- نهاية عصر القمامة
- الإنتحابات العراقية .. النقطة الغائبة.
- عن إسرائيل وعن إيران وعن : عنا
- المالكي .. موناليزا العراق


المزيد.....




- حكم طالبان يعزز قوة تنظيم الدولة الإسلامية في خراسان - في ال ...
- مقتل 9 مدنيين في هجوم لجماعة -بوكو حرام- في تشاد
- لعقد حفلات -عيد العرش- داخله.. إسرائيل تغلق المسجد الإبراهيم ...
- محكمة فرنسية تقضي بالسجن مدى الحياة على الجهادي في تنظيم الد ...
- محكمة فرنسية تقضي بالسجن مدى الحياة على الجهادي في تنظيم الد ...
- حكومة الاحتلال تخطط لإنشاء كُنس يهودية في مستوطنات الضفة الغ ...
- راهبة مسيحية تشكر السيد حسن نصر الله على توفير الوقود
- الاحتلال الإسرائيلي تغلق الحرم الإبراهيمي بذريعة احتفالات عي ...
- الرئيس رئيسي: لا مكان للاسلحة النووية في العقيدة الدفاعية وس ...
- الرئيس رئيسي: الحل الوحيد للقضية الفلسطينية هو الاحتكام الى ...


المزيد.....

- حول الدين والدولة والموقف من التدين الشعبي / غازي الصوراني
- الأمويون والعلمانية / يوسف حاجي
- نشوء الكون وحقيقة الخلق / نبيل الكرخي
- الدين المدني والنظرية السياسية في الدولة العلمانية / زهير الخويلدي
- صابئة فلسطين والغنوصية المحدثة / أحمد راشد صالح
- حوارات ونقاشات مع قوى الإسلام السياسي في العراق / كاظم حبيب
- العَلمانية في الحضارة العربية الإسلامية (التحديات والآفاق) / شاهر أحمد نصر
- كشف اللثام عن فقه الإمام / سامح عسكر
- أفيون الشعب – الكتاب كاملاً / أنور كامل
- الطاعون قراءة في فكر الإرهاب المتأسلم / طارق حجي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - جعفر المظفر - بين الرمز الديني والرمز التاريخي