|
|
زين وآلان: الفصل الخامس 1
دلور ميقري
الحوار المتمدن-العدد: 6003 - 2018 / 9 / 24 - 21:54
المحور:
الادب والفن
" ثلاثة أشهر أخرى، وأكمل أعواماً أربعة من إقامتي في هذا البلد " دارت هذه الفكرة في رأسه، فجأة، مع حركة دوران الطائرة وهيَ في سبيلها للهبوط في مطار المنارة. وإنها المرة الأولى، يغادر فيها المغرب خلال تلك الفترة كلها. كذلك كان الأمرُ، بخصوص سفره إلى دولة أوروبية للمرة الأولى؛ اللهم إلا زيارته الوحيدة لموسكو، ما لو عدّت هذه إحدى عواصم القارة العجوز! عبق عود الند، رافقه على متن طائرة الخطوط الملكية، التي قدم بها من مطار محمد الخامس، وكما لو أنه أنفاس المدينة الحمراء تهبّ عليه بغية استقباله. وما لبث مشهدُ المدينة أن انبسط تحت أنظاره، بدءاً بباديتها البنية ذات الندوب الخضراء لنخيلها الخالد. لتخلي البيداءُ المكانَ رويداً لدساكر الزيتون ومزارع الحمضيات، المتبدية على أشكال مستطيلة يوازيها مسطحات البرك المليئة بمياه أمطار الشتاء. ويستمر المشهد بالتجلي مع النزول البطيء للطائرة، وكان يعطي انطباعاً أسطورياً للمرء عن طائرٍ من قبل التاريخ يحوم حول بقعة خالية من أيّ كائن ذي روح. على أنّ العينَ سرعانَ ما تميّز خطوطَ المواصلات، باللمعان الأسود للإسفلت، تخترقها مركباتٌ كأنها نملٌ باللون القاتم نفسه. ومثلما في عدسة تكبّر الأشياء، راحَ كلّ شيء في الأسفل يلوح واضحاً على مهل: الأشجار؛ المنازل؛ المآذن وأعلاها منارة الكتبيّة، المشرفة على ساحة السحر والأعاجيب. كان " سيامند " سعيداً بعودته إلى مراكش، وفي آنَ معاً، مهموماً بالمهمّة الملقاة على عاتقه. مرأى أشجار النخيل عن كثب، رفع مجدداً من معنوياته إلى أعلى من رؤوسها، المزيّنة بحلق الأعذاق المثمرة.
*** استعاد بلمحةٍ وجوهَ بعض رفاق المنظمة، ممن ودعوه خارجَ مطار روما، وكانت مزرقة قليلاً بفعل صقيع الصباح. بدَورهم، كانوا قد لاحظوا مبلغ التغيّر في سحنته، والناجم عن عدم تمكنه من النوم ليلاً وإلى ساعة الفجر. " سيامند "، كان لعدة أيام في ضيافة أحدهم. إذ انتقل من فندق فخم، قائم بأدواره الأربعة على مقربة من مركز المدينة، إلى مسكن ذلك الرفيق الكائن في ضاحيةٍ نائية. جرى ذلك مباشرةً عقب لقائه الزعيم، وكان هذا ضيفاً أيضاً في فيللا يملكها ثريّ كرديّ من مؤيدي المنظمة. ولأنّ اللقاء صادفَ تقديم الغداء، فإنّ الرفيق القادم من المغرب حظيَ بوقتٍ أمتد لنحو ثلاثة أرباع الساعة مع مَن يعدّه قائداً ومفكراً ملهماً. الفيللا والطعام الفاخر، خففا ولا غرو من حَرَج رجل الأعمال، الذي قُدِّمَ للزعيم بوصفه " كردياً شامياً، تعود أصول والدته لسلالة بدرخان الكبير! ". " بدرخان، لم يُسئ حَسْب لعامّة الكرد، كونه أميراً اقطاعياً، بل وأيضاً للعلاقات الكردية المسيحية، بتضييقه على رعيته من الآشوريين. إنّ الافتخار بالتاريخ الكرديّ، يجري بشكل اعتباطيّ بين مثقفينا؛ كأن يُعطى بعضُ الرموز هالة من القداسة الكاذبة، شأن قبيلة أفريقية بدائية مع طوطمٍ بالٍ "، كذلك تكلّم الزعيم في لهجة خطابية حادّة النبرة كالصراخ. وكان في أثناء الحديث يضم قبضته بقوة، فيما قسمات وجهه تتصلب وقد حُجب جانبٌ منها بخصلة من شعره، متدلية من الجبين العريض. تخيّل " سيامند " عندئذٍ ذلك الطوطم، وأنه على خرسه يثير الفزعُ حال هذا الرجل الأشبه بخوريّ أنهى للتوّ خطبةَ الأحد. بيْدَ أنّ مناسبة اللقاء، كانت أقوى من أيّ ملاحظة جانبية أثارها الحديث. لقد أبعد الرجلُ حديثاً من سورية، على خلفية ضغوط شديدة من لدُن الجارة التركية اللدودة، ثم استقر به المطاف في روما بعدما رفضت دول عدة وجوده على أراضيها. خارجَ الفيللا، كانت مظاهرُ التضامن مع الزعيم ما تنفكّ تتواصلُ بكل عنفوانها، يشارك فيها أنصار ومؤيدون ومتعاطفون قدموا من بقية دول أوروبة للضغط على الحكومة الإيطالية كي تمنحه حق اللجوء السياسيّ. ولعله كان في نفس هيئته، القاسية الصارمة، يتطلع من خلف إحدى نوافذ الفيللا إلى المشهد الوحشيّ، العنيف المخيف، لبعض الأنصار وهم يُشعلون البنزين في أجسادهم كحركة تعبير عن التضامن والاحتجاج. الآن، بينما " سيامند " في الطائرة يستعيدُ تلك الذكرى، ما تزال أيضاً رائحة اللحم البشري المحروق تزكم أنفه وتُرعش مشاعره وترهق أعصابه، المتعبة أصلاً بفعل السهاد والسفر. أخيراً وجدَ نفسه عند بوابة الخروج في صالة المطار الصغير، وما عتمَ أن لمحَ " سي عمر " وسط جمهرة من المستقبلين. استلم السائق حقيبة معلمه ذات العجلات الدقيقة، ثم سارَ أمامه باتجاه موقف السيارات، المترائي من وراء خميلة صبّارٍ جميلة، جديرةٍ ولاشك باستقبال ضيوف مدينة الشمس والنخيل والبهجة. تخففَ الشابُ نوعاً من ثقل الذكريات والإجهاد، ليقبل على سؤال معاونه عن أحوال المكتب. لم يكن بحاجةٍ حقاً لجواب، طالما أنه بقيَ حتى عشية سفره على اتصال مع " زين ". إلا أن مشاعر القلق والرهبة والخطر، المتلبّسة كيانه نتيجة ركوب الطائرة، ربما جعلته أشبه بالكثير من مواطني البلد، المتطيرين من الأفعال غير المتوقعة من طرف طائفة الجن والعفاريت والأطياف، المطاردة حياتهم آناء الليل والنهار. > مستهل الجزء الثاني/ الفصل الخامس، من رواية " الصراطُ متساقطاً "
#دلور_ميقري (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
قصة واقعية، وأخرى خيالية
-
زين وآلان: الفصل الرابع 5
-
زين وآلان: الفصل الرابع 4
-
زين وآلان: الفصل الرابع 3
-
زين وآلان: الفصل الرابع 2
-
زين وآلان: الفصل الرابع 1
-
زين وآلان: الفصل الثالث 5
-
زين وآلان: الفصل الثالث 4
-
زين وآلان: الفصل الثالث 3
-
زين وآلان: الفصل الثالث 2
-
زين وآلان: الفصل الثالث 1
-
زين وآلان: الفصل الثاني 5
-
زين وآلان: الفصل الثاني 4
-
زين وآلان: الفصل الثاني 3
-
زين وآلان: الفصل الثاني 2
-
زين وآلان: الفصل الثاني 1
-
زين وآلان: الفصل الأول 5
-
زين وآلان: الفصل الأول 4
-
زين وآلان: الفصل الأول 3
-
زين وآلان: الفصل الأول 2
المزيد.....
-
منار نجاة في كابل.. صراع الذاكرة التاريخية وضرورات التطوير ب
...
-
مارادونا الغناء العربي.. كيف هزم جورج وسوف المعايير ببحة مكس
...
-
-شركاء-.. تركي آل الشيخ يكشف عن حجم مشاركة صندوق الأفلام في
...
-
-الشهداء يعودون إلى رام الله- ... الفن الفلسطيني في معركة ال
...
-
ترمب ينوي إحياء حفل الاستقلال بعد انسحاب فنانين: أنا أشهر من
...
-
فنانون في حديقة الحيوانات هذه يحوّلون النفايات إلى منحوتات ف
...
-
وزير الثقافة اللبناني: مدينة صور تواجه خطرا يهدد إرثها العال
...
-
من الرحلة إلى المجاورة.. كيف صانت التراجم المغربية ذاكرة بيت
...
-
قصة حب شبيهة بالأفلام.. كيف غيرت رحلة على متن طائرة حياة هذا
...
-
المتنبي الخفي.. كيف تصنع الثقافة سوقا موازية وسط بغداد؟
المزيد.....
-
جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال
/ كمال التاغوتي
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث
...
/ السيد حافظ
-
سِنّمار
/ كمال التاغوتي
-
مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد
...
/ عيسى بن ريمة
-
يونان أو قهر النبوّة
/ كمال التاغوتي
-
إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي
/ ريتا عودة
-
طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة
/ احمد صالح سلوم
-
حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي
/ نايف سلوم
-
احلام الفراشة مجموعة قصصية
/ أمين أحمد ثابت
-
رواية هروب بين المضيقين
/ أمين أحمد ثابت
المزيد.....
|