أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فاطمة ناعوت - رمضان … شهرُ الأقباط














المزيد.....

رمضان … شهرُ الأقباط


فاطمة ناعوت

الحوار المتمدن-العدد: 5891 - 2018 / 6 / 2 - 16:32
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    



رغم أن أقباطَ مصر، قد أثبتوا عبر المواقف والمحكّات والمِحن، على مدى القرون والعقود والسنوات، كمْ هم نبلاءُ وطنيون، شرفاءُ متحضّرون، كرماءُ وغافرون، إلا أن شهر رمضان الكريم بالتحديد، هو الحقلُ الأخصبُ الذي تتجلّى فيه سماتُ أقباط مصر الفريدة، ونقاء معدنهم الثمين.
حين كنّا أطفالا أغرارًا، لا ندري عن الأديان شيئًا، في مثل هذه الأيام التي تسبقُ رمضان، كانت ثمّة أمهاتٌ طيبات يقُلن لأطفالهن: “انزلوا علقوا زينة رمضان في الشارع مع أصحابكم.” نحن الأطفال، لم نكن نعرف أن نصف عددنا من صُنّاع الفانوس الكبير الذي نعلّقه على الحبال في منتصف الشارع، كانوا جيراننا المسيحيين. لكنّ الأمهاتِ يعرفن؛ لهذا هُنّ طيبات. نجمع قروشَنا النحيلة من "الحصّالات"، ونشتري الأوراق الملوّنة والصمغَ والخيوط وعصوات الخشب والمقصات وعُلب الألوان الفلوماستر، ثم نبدأ في إعداد غرفة العمليات، وتوزيع المهام على خلايا العمل. كنّا مؤمنين أن ما نقوم به هو مهمة وطنية "خطيرة". فشهر رمضان المعظّم، لن يزورَ شارعَنا إن لم تعجبه الزينات المعلقة. وإن لم يَرُق له فانوسنا الكبير، فسوف يحيد عن عيوننا. لهذا كانت الشوارع تتبارى والأطفال يتنافسون لكي تكون زينتُهم الأجملَ وفانوسُهم الأكبرَ. في الليل، يتجول شهرُ رمضان مُتنكّرًا بين الشوارع يتفقّد الزينات، ثم يدخل الشارعَ الأجملَ أولاً. هكذا كًنّا نفكر. وكان أشقاؤنا المسيحيون يساعدوننا على صناعة الجمال واستقبال الشهر الطيب الذي يعرفُ كيف يُجمعنا على الحب.
وكبرنا والعهدُ هو العهدُ. أجملُ الفوانيس أهداها لي أصدقاء مسيحيون. أشهى فطور رمضانيّ، تناولته على موائدَ مسيحية. أطيب التمرات تذوقتُها كانت من أيادي شباب وصبايا مسيحيين يقفون على نواصي الطرقات يوزعّون علينا ما نكسرُ به صومَنا إذا فاجأنا المغربُ في الطريق. وأما التمر، فحكايةٌ كبيرة، وسِرٌّ خطير. هل تدرون سرَّ التمرة؟
التمرةُ ابنةُ النخلة. والنخلُ نباتٌ رصين “تقيل”. لا يجود بخيره بسهولة، بل يتمهّل ويتروّى. ذلك الفصيلُ الرشيقُ الأنيق من الشجر، إن بذرتَ بذرتَه اليومَ، فلن تحصُدَ ثمارَه "التمرَ" إلا بعد سنوات، قد تزيد عن العشرين. النخلُ هو "المعلم الأول" لبني الإنسان في درس: "الصبر"، وذاك هو الدرسُ الأول. قد يزرعُ النخلةَ زارعٌ، ويموت عنها قبل أن يرى ثمرَها أو يتذوَّقَ شهدَها أو يستنشقَ رحيقَها. هو يدرك ذلك، ويرضى. يتعب في زراعتها: حرثًا وغرسًا ورِيًّا ورعاية وتشذيبًا وتنقيةً، وتسلّقًا وقطفًا، حتى يتذوّقَ شهدَها غيرُه. وهذا هو الدرس الثاني من المعلّمة الرصين “النخلة": "الإيثار". وفي المأثور القديم قرأنا عن الفلاح العجوز الذي شارفَ أبوابَ الموت، حين رآه المارّةُ يغرسُ في الطمي فسيلةَ نخيل. تعجّبوا وسألوه: “هل تأمل أيها الهالكُ أن تشهدَ ثمرةَ بذرك؟” فأجابهم مبتسمًا: “زرعوا فأكلنا، ونزرعُ ليأكلَ غيرُنا.” لهذا فالتمرةُ هي: "الرهانُ على الآخر". هي إنكارُ الذات ومحبة الغير، وقتل الأثرة انتصارًا للإيثار. وهي "الصبر" على المكاره. كما يصبرُ أشقاؤنا الأقباط على ما يلاقون من يد الإرهاب السوداء، والتطرف المريض. لا يصبرون وحسب، بل يغفرون. ثم يُباركون الخُطاةَ الآثمين، ويدعون لهم بالمغفرة والصلاح! يصومون معنا رمضاننا، فلا يجاهرون بالإفطار أمام مسلم. ويحتفلون معنا بأعيادنا: "فرحًا مع الفرحين". لأنهم يؤمنون أن المحبة لا تسقط أبدًا، ولا تخيب. لهذا فشهر رمضان هو شهرُ الأقباط، بامتياز. والأقباطُ هم المصريون كافّة. الأقباط الذين اِشتُقَّ من عِرقهم الرفيع اسمُ مصرَ الشريف Egypt. هاكابتاح (منزل روح الإله بِتاح)- قَبَط- كَبَط- إيخبتوس- إيجبتوس، إيجبت.
دمتم لنا أيها الأقباطُ منبعَ المحبة والنبالة والسماحة. وكل عام ونحن أطيب.



#فاطمة_ناعوت (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رحلة العائلة المقدسة … عيدًا قوميًّا
- البئرُ المقدسة
- لماذا تُدهشنا دولةُ الإمارات؟
- الرقص داخل الأغلال … محاولة للطيران
- السؤالُ أم الإجابة؟
- العالم يُحذّر من كتاب فاطمة ناعوت الجديد
- الرئيسُ والبيسكليت...والعجبُ العجاب
- أنا لِصّة طباشير
- لماذا أكتبُ بالطباشير؟
- 3 دروس صعبة ... في حكاية محمد صلاح
- لماذا يُقبّل البابا أقدامَ الفقراء؟
- صائغُ اللآلئ … عظيمٌ من بلادي
- الأرخميديون
- هاتفي... الذي أحبَّ تونس
- مات نزار العنكبوت ... منذ خمس دقائق
- عاصفة الغبار ... شهادة جماهيرية ل (علي الحجار)
- فيلم هاني رمزي الجديد .. الضحك بطعم المرّ
- هل جدلت السعف بالأمس؟
- أوهامُ الحبّ ... وفنّ الهوى
- مشعل النور من الأقصر للمغرب على صفحة النيل


المزيد.....




- جموعٌ غفيرة من محبي قائد الثورة الإسلامية الشهيد تشارك في م ...
- شخصيات سياسية وعسكرية إيرانية تشارك في مراسم تشييع قائد الثو ...
- اختتام المراسم التاريخية والحاشدة لتشييع قائد الثورة الإسلام ...
- هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيراني:من المقرر أن يُشيَّع الجثما ...
- القيادي في حركة حماس أسامة حمدان: قائد الثورة الإسلامية الإم ...
- نجل الشهيد السيد حسن نصر الله السيد جواد نصر الله: دماء قائد ...
- السيد جواد نصر الله: العلاقة التي جمعت والدي بقائد الثورة ا ...
- السيد جواد نصر الله: تقديم الدماء الطاهرة في سبيل المبادئ يع ...
- موريتانيا وكيف هزمت السلفية المسلحة؟
- بابورين: القائد الشهيد للثورة الإسلامية كان رمزًا للمناضل ا ...


المزيد.....

- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- حقوق العصر: تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فاطمة ناعوت - رمضان … شهرُ الأقباط