|
|
إلِكْترا: الفصل السابع 1
دلور ميقري
الحوار المتمدن-العدد: 5888 - 2018 / 5 / 30 - 23:05
المحور:
الادب والفن
مسائل متعارضة، راحت تنهشُ ذهنه كقطيع ذئاب، فيما كانَ يقود السيارة إلى مدينة الصويرة، وقد جلست الأميرة بقربه، شاردةً ببصرها نحوَ البوادي المترامية على جانبيّ الطريق. أمس، آنَ فاجأته باتصالٍ هاتفيّ، كان مشغول الفكر بأحد مشاريعه التجارية. إذ كان متردداً في موضوع بيع الرياض، الذي يقع في " القصبة " وعاد عليه استثماره بمردود ممتاز خلال العام المنصرم. فلما آلت إليه تركة الأم مؤخراً، رأى عندئذٍ أن هذا وقتٌ مناسب للبدء بمشروعٍ ضخم: " رمضان، مناسبة جيدة أيضاً لقدوم مشترٍ كي يعاين محتويات النزل السياحيّ، كونه شبه فارغ من الزبائن "، كان قد فكّر بارتياح. ولكنّ مكالمة الأميرة، قلبت خططه رأساً على عقب. وعليه الآن إفراغ رأسه من أيّ فكرةٍ تجارية، لحين عودته من الصويرة: " أما متى يمكن أن تطلق المرأة الخرقاء سراحي، فإنّ ذلك لا يعلمه سوى شيطانها! ". لم يكن يتصوّر الجرأة تبلغ بها هذا المقدار، ولا إقدامه على مطاوعتها في مغامرةٍ لن يُحمدَ عقباها. كان يفكّر ما لو حصلَ حادثٌ للسيارة أو شاء أحد ضباط المرور توقيفها والتدقيق في أوراق راكبيها. صديقته، في المقابل، بدت خالية الذهن من هكذا مخاوف؛ هيَ من ضمنت طمأنينتها بعيداً عن صحبة سائقٍ يُمكن أن يلعبَ دورَ الجاسوس لصالح رجلها الخطير الشأن، المتحصّن في قصر العاصمة. " ما رأيكَ بقضاء إجازة على البحر، نتخلّص في خلالها من جحيم مراكش ولو لبضعة أيام؟ الصويرة ممتعة ومحتملة خلال شهر رمضان، ولو أننا كلانا ليسَ صائماً! "، كذلك قالت له يوم أمس بنبرتها المتسلطة المستهترة. واستنتجَ عندما أعاد سماعة الهاتف إلى مكانها، أنّ فيها الكثير مما يخصّ " لويس "؛ إن كانَ على مستوى الطبع أو طريقة الكلام. لم يكن أقلّ حرجاً، حينَ أتصلَ مع صديقه الرسام كي يبلغه بأمر الزيارة. على الرغم مما أبداه صديقه من ترحيب، إلا أنّ " غوستاف " يعرفُ حق المعرفة وضعَ ذلك المنزل لناحية الجوّ العائليّ المتوتر. الحكمة، كانت قد قدمت له عدة تبريرات لانقطاعه عن زيارتهم في الأعوام الأخيرة، مكتفياً بلقاء " جاك " في أوقات وجوده بمسكنه في الضاحية المراكشية. إنه يتذكّر آخرَ مرةٍ وُجِدَ فيها لديهم، ثمة في الصويرة. حينذاك، كانت " هيلين " في أوان أزمة مرضها العقليّ؛ وهيَ حالة قد تمتد لعدة أسابيع، أو ربما تهدأ بعد بضعة أيام. في هذه الحالة، ينعزل رجلها في المرسم، الكائن على طرف حديقة المنزل، يحيطه جوّ من الهدوء. كان يترك أمرَ رعاية المريضة لخادمتها المخلصة، " نفيسة ". التجربة، جعلته على ثقة واطمئنان من أنها الإنسانة الوحيدة، التي بمقدورها التأثير على " هيلين ". هذه الأخيرة، أضحت كأنها مسكونة بجنيّ ليسَ بالوسع طرده، مؤقتاً على الأقل، إلا بتعاويذ خادمتها. كذلك كانت المريضة تستأنسُ بصحبة مخلوقٍ آخر، يمتّ أيضاً لعالم الجنّ بشكلٍ من الأشكال: " الشريفة "، ابنة الخادمة تلك، وكانت آنذاك قد تجاوزت بقليل عقدَ عُمرها الأول. السيّدة الأجنبية، محضت البنتَ كلّ الحب كما لو أنها بضعة منها. في فترات الهدوء، اعتادت المريضة أن تطلبَ منها تلاوة مقاطع بالفرنسية من كتب معيّنة، أدبية وفلكية. بينما كان ذهنُ " غوستاف " ما ينفكّ أسيرَ ذكرياته، راحت السيارة تنسابُ بنعومة إلى المدينة البيضاء وقد لاحت لعينيه من علٍ متلألئة بأنوار مبانيها ومرساها. النسيم اللطيف، المرافق رحلة الصديقين مذ دخول سيارتهما إلى الإقليم البحريّ، سرعانَ ما استحالَ إلى هبوبٍ بارد آنَ نزولهما قدّام سياج المزرعة. النورسُ، شاءَ مرافقة الضيفين زاعقاً فوق رأسيهما بأغنية الغروب. سارا عبرَ الأرض الطرية، المعشوشبة، يحيطهما أشجارٌ غابية معفّرة بغبار مركبات الطريق العام، الموصل ضاحية الغزوة بأمها الصويرة. هنالك عند مدخل الفيللا، ظهرت أشباحُ المستقبلين تحتَ الأضواء المنبعثة من النوافذ. شعرَ " غوستاف " بسعادة بالغة، مثل كلّ مرة يأتي فيها إلى هذا المكان، الهادئ الوادع، قادماً من مراكش، المختنقة بالزحام والصخب. هذا الشعور، تحوّل إلى دهشة شديدة بمجرد أن وقعَ بصرُهُ على ابنة عشيقته، حتى لقد سها عن ردّ تحيتها، المنغّمة برنة فرنسية دافئة. كلتاهما، الأم والابنة، لاحت على هيئة الغجر، بردائها القطنيّ المبهرج وعقود الخرز الرخيصة علاوة على الوشم الأزرق. بيْدَ أنّ " الشريفة "، وكان هوَ قد تركها طفلةً قبل نحو ثلاثة أعوام، سطعت الآنَ بجمالها المبهر، المفعم بالرقة والأنوثة والعذوبة، إلى ذكاءٍ لامع يلوحُ في عينين بلون العسل مع طيفٍ أخضر. ثقتها بنفسها وأنفتها وكبرياؤها ( وهيَ خصالٌ غريبة عن طبع الأم ولا غرو! )، أحالها الضيفُ إلى دم السادة والذي يُشاع أنها من صلب أحدهم. عشيقته، كانت هيَ من أبلغته في مبتدأ علاقتهما بأمر معاناتها مع زوجها بسبب تلك الشائعة. على أنها ظهرتُ لناظره سعيدةً نوعاً، تبتسم طوال الوقت فيما تنقل بصرها بينه وبين الضيفة عالية المقام. ولكن، بطبيعة الحال، أحيطت شخصية الأميرة بالكتمان هنا، بما في ذلك امرأة الرسام نفسها. وكانت هذه بين المستقبلين، نظراً لوضعها الصحيّ المستقر. قالت له بصوتٍ مرتعش: " صديقي غوستاف، أحسّ بالحزن بشأن رحيل والدتك. إذا كنتَ في الفترة الأخيرة قد نظمتَ قصيدة من أجل المناسبة، فإنك ستقرأها عليّ حتماً في خلال السهرة! ". > مستهل الفصل السابع/ الجزء الثاني، من رواية " كعبةُ العَماء "
#دلور_ميقري (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
إلِكْترا: الفصل السادس 5
-
إلِكْترا: الفصل السادس 4
-
إلِكْترا: الفصل السادس 3
-
الدهليز والكنز
-
إلِكْترا: الفصل السادس 2
-
إلِكْترا: الفصل السادس 1
-
سيرَة أُخرى 69
-
إلِكْترا: الفصل الخامس 5
-
إلِكْترا: الفصل الخامس 4
-
إلِكْترا: الفصل الخامس 3
-
إلِكْترا: الفصل الخامس 2
-
إلِكْترا: الفصل الخامس 1
-
إلِكْترا: الفصل الرابع 5
-
إلِكْترا: الفصل الرابع 4
-
سيرَة أُخرى 68
-
إلِكْترا: الفصل الرابع 3
-
إلِكْترا: الفصل الرابع 2
-
إلِكْترا: الفصل الرابع 1
-
إلِكْترا: الفصل الثالث 5
-
إلِكْترا: الفصل الثالث 4
المزيد.....
-
هرمجدون.. أفلام -الخوف من الفناء- تعود للواجهة مع كل حرب
-
كأس الشوكران: حياة سقراط المليئة بالأسئلة ومحاكمته المثيرة ل
...
-
خيال سينمائي مع صور قصف حقيقي.. إدارة ترامب تروج لحربها ضد إ
...
-
21 رمضان.. عقيقة الحسن ورحيل مؤسس الدولة العثمانية
-
في الشوارع ومراكز الإيواء.. رمضان يقاوم الحرب في السودان
-
رحيل عاشق الطبيعة الموصلية الفنان الرائد بشير طه
-
الحرب على إيران تربك موسم السينما في الخليج وهوليود تترقب
-
وزيرة الثقافة المصرية تطمن جمهور هاني شاكر على صحته
-
السينما في زمن القلق: مهرجان سالونيك يعيد فتح دفاتر التاريخ
...
-
موسم العمالقة.. 10 أفلام تشعل مبكرا سباق السعفة الذهبية في -
...
المزيد.....
-
فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال
...
/ أقبال المؤمن
-
الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير
/ أقبال المؤمن
-
إمام العشاق
/ كمال التاغوتي
-
كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين
/ ياسر جابر الجمَّال
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو
...
/ السيد حافظ
-
أحافير شاب يحتضر
/ المستنير الحازمي
-
جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات
/ حسين جداونه
-
نزيف أُسَري
/ عبد الباقي يوسف
-
مرايا المعاني
/ د. خالد زغريت
المزيد.....
|