أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - كرم خليل - سرطان البيروقراطية.. النمسا نموذجاً















المزيد.....

سرطان البيروقراطية.. النمسا نموذجاً


كرم خليل

الحوار المتمدن-العدد: 5750 - 2018 / 1 / 7 - 17:50
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


نظرية الدواوينية أي "البيروقراطية" تعني نظام الحكم القائم، في دولة يشرف عليها ويوجهها ويديرها طبقة من كبار الموظفين، الحريصين على استمرار وبقاء نظام العمل، لارتباطه بمصالحهم الشخصية حتى يصبحوا جزءاً من نظام العمل، ويصبح نظام العمل جزءاً منهم.
يرافق البيروقراطية جملة من القواعد والسلوكيات وأنماط معينة من التدابير تتصف في الغالب بالتقييد الحرفي والشكلي للقانون والتشريعات، جاعلة البيروقراطية لب نظام العمل الاقتصادي والسياسي لعقلانية المجتمع، فينتج عن ذلك الروتين، وبهذا فهي تعتبر نقيضاً للنظام الحركي الخلاق، حيث تنتهي معها روح المبادرة والإبداع الخلاق، وتتلاشى فاعلية الاجتهاد المنتجة ويسير كل شيء في عجلة البيروقراطية وفق قوالب جاهزة تفتقر الى الحيوية.
العدو الخطير للمتغيرات الايجابية هي البيروقراطية، ومن المتعارف عليه في المجتمعات الدواوينية، هي الروتين الممل والإجراءات المعقدة التي ليس لها فائدة سوى تأخير المعاملات وتعقيدها، وهذا المفهوم بلا شك يعتبر مفهوماً للدلالة على الرجال الذين يجلسون خلف المكاتب ويمسكون بأيديهم بالسلطة في العمل وهي تشمل المؤسسات الحكومية ومؤسسات القطاع الخاص على حداً سواء.
نحن الآن نعيش في عصر تزداد فيه احتمالات القهر، الذي يتعرض له الأفراد من البيروقراطية، حتى فى ظل الدولة الديمقراطية. فإن قهرها للفرد أصبح الآن بعيد الصلة عن شكل الملكية، عامة أو خاصة.
كلنا الآن نواجه هذه الاحتمالات، ويبدو أنها تزداد مع مرور الزمن. ذلك أن من طبيعة الأمور، مع التقدم التكنولوجي، أن يكبر حجم المشروع، ومن ثم يزداد ما يتمتع به البيروقراطيين من سطوة، ويزداد عدد المتعرضين والمتضررين من هذه السطوة.
بعبارة أخرى، نحن نعيش الآن في عصر تزداد فيه أهمية مشكلة البيروقراطية، وتتراجع أمامها مشكلة ملكية المشروع. «الفرد فى مواجهة الإدارة» هذا فيما يبدو، المشكلة التى تحتل شيئا فشيئا مكان الصدارة فى حياتنا الاجتماعية، بعد أن كانت المشكلة طوال القرنين الماضيين هى مشكلة الانقسام الطبقي بين من يملكون ومن لا يملكون.
ان السلوك البيروقراطي يفتقر الى المرونة وهو دائم النزوع الى تحويل البيروقراطية من أداة ووسيلة الى غاية وهدف، وعلى هذا النحو تتم عملية استبدال الهدف ومن ثم يصبح الشكل أهم من الجوهر، وبذلك تتحول عملية التنظيم البيروقراطي الى غاية عقيمة في حد ذاتها، بدل أن تكون وسيلة ناجحة للوصول الى الأهداف المحددة، وعندها تكون النتيجة الوقوع فيما لا نهاية له من الأوراق والملفات والإجراءات، وتتحول الى روتين يعيق عمل المؤسسات وطبيعة عملها في المجتمعات ولدى الأفراد.
في هذا الصدد يقول مهاتير محمد رئيس وزراء ماليزيا الأسبق وباني معجزتها الاقتصادية «حررنا بلدنا من البيروقراطية. حتى أنه يمكن. خلال أربع وعشرين ساعة. لإحدى الولايات الماليزية أن تقرر إنشاء مصنع جديد. هل البيروقراطية سيئة السمعة لهذه الدرجة التي تستخدم فيها عبارة "حررنا" فهذه العبارة وأقصد "حررنا" و" تحرير" عادة مرتبطة بالاستعمار والعبودية والظلم.. إلخ.
ربما هناك عامل مشترك بين أحد صفات الإدارة البيروقراطية واستخدام عبارة (حررنا بلدنا) كما ورد آنفاً وهو المركزية. بمعنى أن السلطة الإدارية في كلتا الحالتين يكون مصدرها شخص واحد أو سياسةً واحدة وهي عكس الاستقلالية التي تعني «تمتع شاغلي الوظيفة بالحرية مع التصرف والقدرة على اتخاذ القرارات المرتبطة بوظيفة».
في إحدى المرات وأنا اشاهد إحدى الفضائيات الأجنبية، شخصان ضل دربهما في صحراء قاحلة مترامية الأطراف. وظلا يسيران حتى تمكن منهما الجوع والعطش والإرهاق الشديد فسقط أحدهما. غشياً عليه من شدة العطش بينما واصل الآخر سيره بصعوبة بالغة حتى شاهد مبنىً صغيراً وحاول أن يجمع ما تبقى له من قوة ليصل إلى ذاك المبنى, وسقط أمام الشخص الواقف على بابه وفتح فاه بشق الأنفس وهو يردد: أريد ماء, أرجوك بعض الماء! رفيقي سقط.. رد عليه الشخص الواقف أمام الباب: أسف إنك لا ترتدي ربطة عنق والنظام يشترط ذلك لدخول الفندق.
علق مقدم البرنامج على تلك الطرفة قائلاً: هل تعكس تلك الطرفة وجهاً من أوجه الإدارة البيروقراطية والمتمثلة في التصلب والافتقار إلى المرونة؟ إليك عزيزي القارئ هذا الموقف الذي حدث معي في دولة النمسا البيروقراطية، كنتُ ذاهباً بعد أن حصلت على تصديق وتوقيع ثلاثة من المسؤولين ولم يبق إلا توقيع المسؤول الأخير. لقد أمضيت ما يقارب الأربع ساعات وأنا اطوف من إدارة إلى إدارة وأخيراً وصلت غرفة الانتظار للحصول على التصديق الأخير.
جاء دوري ودخلت على المسؤول الذي بدأ في تفحص المستندات والتأكد من وجود التوقيعات اللازمة. رفع المسؤول رأسه وبابتسامة تنم عن انتصار وكأنه اكتشف شيئاً خطيراً لم يلتفت إليه أحد من قبله وقال: أرجو أن تراجع المسؤول السابق لأنه ختم المستندات ونسي التوقيع! ذهبت إلى المكتب السابق وانتظرت طويلاً حتى عاد المسؤول ووضع توقيعه. ثم أسرعت إلى مكتب المسؤول الأخير ولكني لم أجده. الأمر الذي اضطرني للعودة في اليوم التالي.
ربما دخلت دهاليز البيروقراطية دون أن أشعر، ففي اليوم التالي، تأخر ذلك المسؤول وعند استفساري عن امكانية تصديق الاوراق من قبل مسؤول آخر يحل محل ذاك الذي اضطر إلى التأخر. أجابتني السكرتيرة: كل الأمور في يد المسؤول الغائب. يمكنك أن تراجعنا في الغد. عبارة سهلة يتم تداولها ولكن ليتهم يعلمون وقعها على المراجع.
وربما نحن في حاجة في عصرنا هذا وهو عصر التكنولوجيا والسرعة إلى ما يعرف بـ «الحد من البيروقراطية De-bureaucratization» والذي يهدف – كما تقول المصادر الإدارية - إلى «التخفيف من العناصر الأساسية للبيروقراطية في التنظيم الإداري وذلك من خلال تطبيق درجات أقل من الرسمية أو المركزية أو التخصص. بحيث يكون الهدف من ذلك زيادة قدرة التنظيم على الاستجابة للمتغيرات البيئية» عزيزي القارئ هل عدنا إلى ما قاله باني المعجزة الاقتصادية لماليزيا، لنتحرر من سطوة البيروقراطية؟ في هذه الدول التي تعتبر نفسها متقدمة.
في مؤسسات العمل كثيرا ما نسمع عن المعاناة مع "البيروقراطية" التي تجعل الفرد مقيدًا بالقوانين واللوائح التي وضعت لضبط إيقاع العمل. الكثير من الحكومات دون الاوربية حاولت الحد من آثار البيروقراطية باستغلال التقنيات الحديثة وتقليص الخطوات التي يجب أن يقوم بها الفرد لإنجاز معاملاته. إلا أن روتين العمل الحكومي لا يزال يؤرق الكثيرين في عدة دول، وعلى رأسها النمسا.



#كرم_خليل (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الباحثة اللبنانية د. ريتا فرج حول الاسلام والجندر واتجاهاته الفكرية في التاريخ المعاصر
الموقف من الدين والاسلام السياسي، حوار مع د. صادق إطيمش حول الاوضاع السياسية والاجتماعية في العراق


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الألم ديدن الإبداع ودفق الحياة
- فوضى الإسلام السياسي: بين حماقة الأداء واستغلال المنهج
- حديث مستفيض في ماهية الحب
- إيران من تصدير الثورة إلى تدمير المنطقة
- الأسلمة ومعارك الصراع الأيديولوجي بين الفكر الحداثي والتقليد ...
- عجز دولي لمواجهة التمدد الإيراني في الشرق الأوسط
- أستراتيجيات دول المشرق العربي بين الغباء والتواطئ
- هل يعود المسيح من بوابة السيطرة اليهودية على أوروبا
- راديكالية الجماعات الإسلامية وأساطيرها الجهادية
- الاسلاميون وحقوق الأنسان
- الشيوعية والصهيونية: الولادة من خاصرة اليهودية
- الحل السياسي في سوريا بين الممكن والمستحيل
- فن صناعة وتسويق الإرهاب كظاهرة عالمية
- هؤلاء المرتزقة العبيد
- استراتيجية داعش وغباء المعارضة .
- داعش من ظاهرة الى حقيقة .
- الاسلام السياسي لايزال وفيا لطبائع الاستبداد .
- النظام السوري مدرسة في أرتكاب الجرائم
- الكيدية الأجتماعية وانعكاساتها على الواقع السياسي
- محطات في مسارات عملية السلام بين سورية وإسرائيل


المزيد.....




- كوريا الشمالية تطلق صاروخين باليستيين.. والجيش الأمريكي يعلق ...
- عشرات القتلى في اعتداء استهدف طالبات وأقلية الهزارة في كابول ...
- مهسا أميني: إيران تعتقل -تسعة أوروبيين- بتهمة التجسس مع تواص ...
- نيبينزيا: أي تحقيق حول تخريب خط الغاز نورد ستريم بدون روسيا ...
- الرئيس التونسي يوقع على قرض جديد من البنك الدولي
- 27 عضوا في الكونغرس الأمريكي يطالبون بفرض عقوبات على الجزائر ...
- كيف نعرف أن المراهق قد بدأ يتعاطى المخدرات؟
- يتضمن 12.4 مليار مساعدات لأوكرانيا.. بايدن يوقع مشروع قانون ...
- اليابان تحتج على إطلاق كوريا الشمالية للصواريخ
- تعرض واجهة القنصلية الروسية في نيويورك للتخريب بالطلاء الأحم ...


المزيد.....

- غرض الفلسفة السياسية المعاصرة بين الاستئناف والتوضيح / زهير الخويلدي
- العدد 56 من «كراسات ملف»: الاستيطان في قرارات مجلس الأمن / الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين
- هيثم مناع: عميد المدرسة النقدية في حقوق الإنسان / ماجد حبو، مرام داؤد، هدى المصري، أسامة الرفاعي، صالح النبواني
- اسرائيل والتطبيع مع الدول العربية-المسار واّليات المواجهة 19 ... / سعيد جميل تمراز
- كتاب جداول ثقافية: فانتازيا الحقائق البديلة / أحمد جرادات
- غرامشي والسياسي، من الدولة كحدث ميتافيزيقي إلى الهيمنة باعتب ... / زهير الخويلدي
- خاتمة كتاب الحركة العمالية في لبنان / ليا بو خاطر
- على مفترق التحولات الكبرى / فهد سليمان
- رواية مسافرون بلاهوية / السيد حافظ
- شط إسكندرية ياشط الهوى / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - كرم خليل - سرطان البيروقراطية.. النمسا نموذجاً