أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات - مارينا سوريال - كتب اثرت فى حياتى من انت سيد لوكليزيو















المزيد.....

كتب اثرت فى حياتى من انت سيد لوكليزيو


مارينا سوريال

الحوار المتمدن-العدد: 5742 - 2017 / 12 / 30 - 15:54
المحور: حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات
    


«كاتب القطيعة والمغامرة الشعرية والنشوة الحسية، مستكشف البشرية ما وراء الحضارة السائدة وتحتها». بهذه الكلمات الشعرية حيّت الأكاديمية السويدية في بيانها جان ماري غوستاف لوكليزيو (1940) إثر فوزه بجائزة «نوبل» للآداب عام 2008. الروائي المتعدد الهويات، المتشابك الجذور بين الأم الفرنسية والأب البريطاني من جزيرة موريس الذي عمل طبيباً عسكرياً في أفريقيا، ظل طوال عقود يبحث في التباس الانتماء والهوية الذي وجد نفسه فيه. انجذب إلى كل ما هو هجين وخلاسي ومهمل، وإلى كل ما تعرض إلى التهميش والإبادة في الثقافات والحضارات الإنسانية، منحازاً دوماً إلى البدائية، إلى صرخات خارجة من اللحم. يرى الحضارة انهياراً متواصلاً، وبما يتخطى هنري ميشو وأوزفالد شبنغلر الذي انهوس بكتابه «سقوط الغرب». ينحدر الفرع الموريسي من عائلة لوكليزيو من جد مغامر ومتمرّد، رفض تسجيل اسمه في قائمة الجيش الثوري أثناء الثورة الفرنسية لأنهم اشترطوا عليه قصّ شعره الطويل، فما كان منه إلا أن فرّ من فرنسا عبر البحر وكان ينوي الذهاب الى الهند.

لكنه غادر المركب البحري الذي كان يقله مع عائلته عندما حط في جزيرة موريس.«أشعر دوماً أنني قريب لهذا النمط من الناس حيث يذهب المرء منفياً إلى أقصى حدود الدنيا كي يفلت من فعل أمر يجبر عليه و هو لا يريده» يقول لوكليزيو الذي جعل هذا الجد الشخصية الرئيسية في كل رواياته.
السمة المشتركة في روايات لوكليزيو وقصصه، هي انفتاحه التام على جميع الفضاءات والثقافات بعيداً من النظرة المحلية المتقوقعة. إنه رحّالة معاصر، حامل إرث إنساني ثري من مزيج ثقافات مختلفة لا يعترف بالحدود والحواجز.
يلتقط ما يراه ويسمعه ويتذكر ما عاشه في طفولته ومراهقته ثم يلملم كل ذلك من خلال علاقات القسوة واللامبالاة وانسحاق الإنسان تحت وطأة الإسمنت وفضاءات المدن المفترسة. تعتبر تجربته ذات فرادة أسلوبية تجاوزت ما أنجزته موجة الرواية الجديدة في فرنسا، لتحقق الرواية المفتوحة على الشعر والوثيقة والبحث الأثنولوجي واليوميات، ما يُرغم القارئ على فتح سجالات كثيرة في الثقافة والأدب للتمكن من مواجهة نصوصه.
ورغم أنه حرص على أن يعيش بعيداً من الأضواء والإعلام، إلا أنه صريح في مواقفه على الدوام، مثير للجدل، لأنه يخترق القواعد والبديهيات ويضع السؤال أفقاً للكتابة، «السؤال باعتباره الحركة التي يغير فيها الوجود مجراه» كما عبّر عن ذلك موريس بلانشو. يرتاد لوكليزيو ما يكشف الكينونة وهشاشتها وآلام البحث عن الذات التي لا تكاد تستقر عند هوية ثابتة.
يبدأ من الحلم والطبيعة وتلقائية العواطف، بوصفها عناصر للمقاومة وتشييد عالم ممكن. الخطاب في رواياته يتقمصه أطفال ومراهقون يريدون أن يفصحوا عن بضع كلمات قبل أن يختفوا في زحام عالم الكبار وكوابيسه. كأن لوكليزيو يريد أن يختلس بضع ثوان أو لحظات من حياة آفلة ومنقضية لا محالة. هذا الإحساس التدميري بالفناء والزوال هو محرّك تجربته ودفقها الحيوي المدهش.
إنه «ثرثار كبير» يسجل كل شيء، يلتقط التفاصيل التي تصبح روايات رغماً عنه، تفلت الشخصيات وتتضخم الحكاية، ما يدفعه لأن يسأل إن لم يكن ذلك يشبه نوعاً من الغزو الجرثومي.
«إن للخيال جانباً يشبه الغرغرينا.. جانب غازٍ» يقول.
تأتي روايته الصادرة أخيراً تحت عنوان «عاصفة» (قصتان عن «دار غاليمار» ـ 2014) لتنضم إلى ما يتجاوز 40 كتاباً.
ما دفع صاحب «الباحث عن الذهب» باتجاه ثقافات أخرى في أماكن مختلفة من هذا العالم هو «البحث عن الجانب الخفي غير المستكشف وشديد الثراء من الكائن الإنساني تحت غطاء ثقيل من ستار العقلنة». هو النادم على الانفصام الذي فرق بين الانسان والاسطورة، تأثر خلال مساره الأدبي ومن خلال أسفاره العديدة، بتجارب الشعوب البدائية في المكسيك وباناما وغيرهما.
يروي قصة إحدى رحلاته بين بلدان أميركا اللاتينية، أنه كان على متن إحدى الطائرات الصغيرة وكان قريباً من الطيار المغامر الذي يشبه رجال الأدغال في الأمازون.
أخذ الفضول لوكليزيو وهو يجول بنظره على الغابات المترامية والجبال الخضراء تحلق فوقها نسور الإنديز، فسأل الطيار عمَّا سيحدث لو توقفت الطائرة في الجو عن الحركة؟ فما كان من الطيار إلا أن أوقف المحرك على الفور فبدأت الطائرة في النزول إلى المصير المجهول الذي يلفه ضباب الموت، ثم أشعل المحرك واستأنف الرحلة من جديد. هذه الحادثة ستجعل لوكليزيو سائحاً يبحث عن كل جمال يكتنفه الغموض والخطر.
قد نعترضه في مدينة نيس متنكراً، مختبئاً من الفضوليين وراء نظارات شمسية ينتعل صندلاً فوق الجوارب، ويحمل آلة تصوير على كتفه ليوثّق ما يراه قبل الرحلة المقبلة. يقول «لا أستطيع أن أتقبل فكرة أن أكون منتمياً كلية لعالم أو لآخر، أنا محتاج إلى اللاّتوازن وإلى بابين»
والطفولة أرض مجهولة لا يمكن بلوغها إلا بالحنين، لا يتوقف عن سبرها ومحاولة استعادتها في النص الثاني«امرأة بلا هوية». هنا، تتوقف حياة راشيل حين تسمع إثر شجار بين والديها أنها بلا أم. تغادر ساحل غانا عند اندلاع الحرب وتهيم في ضواحي باريس، يظل ذهنها منجرفاً إلى الماضي، تتساءل ما إذا كانت مجرد شبح في أذهان الآخرين وتتوجع من شدة الحاجة إلى إقناع نفسها بأنها موجودة في هذا الواقع. كي تثير العيون العمياء إلى وجودها، تبدأ الارتطام بالناس وتعيش حياة التشرّد. تصارع وتنزف في ثورة مسعورة. وإذا كانت اللغة تتأنى كي لا تنزلق إلى الشاعرية في القصة الأولى، فإنها هنا مغلّفة بغضب عاتٍ تتحدى واقع الضواحي الإسمنتي، بكثير من العمق المستلهم من فطرية مراهقة تتمعن في الأشياء، من دون أن يزعجنا ذلك كقرّاء. يبحث لوكليزيو عن معادلة إنسانية بسيطة. يحيط شخصياته الهشة بأسباب الألم وبأسباب البقاء على قيد الحياة، ويفتح السرد على اصطلاح يومي مهمل وقاموس صوري يحصل على مفرداته من مشاهد واقعية أو متخيلات. ونلاحظ أنّ أوصاف جول فيرن في رحلاته العجائبية تلقي بظلالها على بعض المقاطع، الكلمات «ريح، ليل، عاصفة» تتكرر باستمرار، تصيبنا بدوار البحر. كل كلمة هي أثر جرح ملتئم، وكل جرح نتيجة تصادم غير متوقع مع العالم.
احلام الطاهر
كلانا وهو بيننا شىء مشترك اشعر به وانا اقرا له هو شغفنا بالقراءة فى الميثولوجى والربط بينه والانسان ومحاولة ايجاد شىء عابر فى فراغ وجودنا انه يحاول ان يثبت قدمه فى ارض وهم وهو يعرف لكن لايوحد ببديل عن ذلك

شغل سحر الرواية في العقود الأخيرة النقاد والمبدعين والقراء، ودبجت مقالات كثيرة في تعليل ذلك من بينها قدرة الروائي على الغوص إلى القاع من كل شيء: قاع النفس البشرية وقاع المجتمع وقاع التاريخ وقاع الكون.‏
ولو كليزيو أضاف إلى هذه القدرة، براعة في الإنصات إلى أصوات لا يسمعها أحد، ومهارة في مزج التجربة الشخصية بالإبداع الفني، فجاءت أعماله كاشفة للتشوهات التي تصيب الأرواح، وجاذبة للخيط الإنساني الكامن في أعماق البشر.‏
ولد جان ماري غوستاف لو كليزيو في نيس بفرنسا لأب بريطاني وأم فرنسية عام 1940، والتحق بوالده في نيجيريا وهو في الثامنة، وقرأ الكتب والحكايات بنهم، ونشرت روايته الأولى وعنوانها "المحضر الرسمي" عام 1963، وأدى الخدمة العسكرية في بانكوك عام 1967، وأثرت هذه التجربة على شخصيته بوضوح، وكتب مقالاً في صحيفة "فيغارو" حول دعارة الأطفال في تايلاند، وطرد بسببه من هناك، فرحل إلى المكسيك، وشكل اكتشافه لها صدمة كبيرة، إذ عمل على تراث الهنود الحمر وشاركهم حياتهم، وترجم نصوصاً قديمة لهم.‏
سؤال الكينونة ظل هاجس لو كليزيو وحافز مغامراته، وقد مثل في إبداعاته الكاتب الباحث عن صوت الآخر، والرافض لأساطير العالم الغربي الزائفة المدمرة، والمبتعد عن شروطها وإملاءاتها. وليس غريباً أن يدخل في مواجهة مع ممثلي التيار الصهيوني في فرنسا، إذ هاجموه وحاصروه بالشبهات كما فعلوا مع جان جينيه، وعدوا عمله "نجمة تائهة" الذي نشر في مجلة الدراسات الفلسطينية، وتناول فيه أوضاع اللاجئين الفلسطينيين والمخيمات عملاً معادياً للسامية.‏
زوجته جيما من أصل مغربي، وهي كاتبة مبدعة، وقد أصدر وإياها عملاً مشتركاً اسمه "أناس الغمام"، رويا فيه رحلتهما في الصحراء الغربية الإفريقية، وقال فيه: كنت أذهب نحو المجهول بينما كانت جيما تعود إلى ماضيها.‏
أضاف لو كليزيو إلى حرفة الكتابة شغفاً بالترحال والترجمة والصحافة، وحصلت بعض أعماله على جوائز رفيعة منها جائزة بول موران التي تمنحها الأكاديمية الفرنسية عام 1980، وجائزة غونكور. ومن أبرز إبداعاته: رحلة إلى رودريغس عام 1986 العزلة عام 1995، قلب يحترق عام 2001، ثورات عام 2003، ومعظم شخصيات رواياته ترحل وتطوف وتكتشف حرة ونقية وقاسية.‏
ورواية "سمكة من ذهب" خير شاهد على ذلك، وقد صدرت عام 1997، وترجمها إلى العربية عماد موعد، وصدرت عن وزارة الثقافة بدمشق عام 2007.‏
تسرد الرواية سيرة فتاة صحراوية مغربية مجهولة النسب، هويتها غائمة مختلطة مثل ماضي الصحراويين السديمي، تبدل اسمها من ليلى إلى مريم إلى ليز. نشأت في دوار تبريكة، وأمضت طفولتها في كنف لالا أسمى، السيدة القوية التي منحتها الحماية بعد أن خطفت من أهلها وبيعت مثل المتاع، وتعرفت في يفاعتها على جميلة التي تدير مبغى، وعلى فتياتها الملقبات بالأميرات، عائشة وتغادير وحورية وأخريات. ثم اضطرت للسرقة بعد موت سيدتها، وحين عرفت أن حورية تنوي الرحيل عبر المحيط إلى فرنسا، طلبت منها أن تصحبها في هذه الرحلة.‏
نرى ليلى الطفلة والخادمة التي عطبت إحدى أذنيها لدى تعرضها لحادث سير. تخلص لسيدتها، وتلازمها كظلها، ولا تخرج إلى الشارع لتعرف ما يجري حولها. وجدت فيها لالا أسمى معادلاً لأمومة مفقودة، ووجدت فيها فتيات المبغى معادلاً لطفولتهن المهروسة ونقاوتهن الضيّعة، ووجدت فيها حورية رفيقة رحلة تسعفها في حسم أمر رحيلها، نرى ليلى ترقص وتغني وتتعلم وتعزف، وتتوغل في أعماق الأحياء الفقيرة، لتسكن في مرآب سيارة مع أحد أصدقائها، أو تعمل خادمة وتعاني الاستغلال والمضايقة، أورثتها سيدتها لالا أسمى قرطين على شكل هلال فأمداها بالقوة كي تصمد في مواجهاتها القاسية لمتاعب المهاجرين غير القانونيين: محاولات اغتصاب وحبس ومضايقة: عبل وزهرة والسيد دلاهاي المشغوف بالتصوير. وانفتح لها في باريس عالم فسيح، شوارع بلا نهاية، ومدينة ضخمة لا تنضب بالقياس إلى حي المحيط وضاحية الصفيح في تبريكة. وأذهلها تنوع الوجوه: "وجوه حادة شاحبة بلون الأرض البيضاء، وداكنة أكثر سواداً من وجهي، بعيون تبدو مضاءة من الداخل"، ص78.‏
حورية ظلّت حبيسة المسكن، وأثقلها حملها، وليلى تتعلم التلاؤم مع الحياة الجديدة شيئاً فشيئاً، وعرفت أحياء باريس البورجوازية منها والشعبية، والأمكنة الغامضة الغريبة بجوار محطات القطار، وساعدتها ماري هيلين التي أحبت شعرها وبشرتها السوداء بإيجاد عمل لها عند الطبيبة فروميجو، والتي استطاعت أن توفر لها أوراق إقامة قانونية، ثم تعرفت على نونو الملاكم الهاوي، والذي وعدها بالزواج حين يغدو مشهوراً، ص106.‏
في كل ترحال كانت ليلى تحمل حقيبتها والمذياع القديم ولا تلتفت إلى الوراء، في شارع جافلو عرفت القاع الفرنسي جيداً، إذ اصطحبها نونو على دراجته النارية إلى المستودع الذي يقطنه تحت الأرض، الذي سبب لها الكوابيس. ثم تعرفت على حكيم بائع البسطة الذي حذرها من نونو "المجنون" بحسب وصفه، والذي اصطحبها إلى متحف الفنون الإفريقية، ليذكرها بجذورها، وقال لها: انظري يا ليلى، نسخوا وسرقوا كل شيء، التماثيل، الأقنعة، الأرواح، وحبسوها هنا بين هذه الجدران، كما لو أنها زينة رخيصة، ص120. ثم عرفها حكيم على جده مافوبا الذي روى ذكرياته عن نهر السنغال وقريته بامبا وابنته مريم التي كانت تشبه ليلى ثم توفيت بالسرطان، وقال للزائرة: كم أنت شابة يا ليلى ستكتشفين العالم، وسترين أشياء جميلة في كل مكان في العالم، وعليك أن تذهبي بعيداً لتجديها، ص124.‏
اطلعت ليلى من أصدقائها الكثر نونو وحكيم وجاتيكو والمحررة التي عملت عندها على ثقافات وطباع مختلفة: قرأت نيتشه وهيوم وفانون، وتعرفت على الثقافة الإسلامية، وحفظت أشعار إيمي سيزار، ورقصت كزنجية، وعزفت كعاشقة، وتعرفت على مختلف الأوساط الثقافية في باريس وشيكاغو التي رحلت إليها في مغامرة جديدة لاكتشاف الأبعد. وأهداها جد حكيم جواز سفر ابنته مريم وقال لها: فيما يخص الصورة الفرنسيون لا يأبهون. فكل السود سواء بالنسبة لهم، ص164. وعرفت كيف تجذب خيط الحياة الصائب في عالم ضيق لا يعترف بالمهمشين ولا يكترث بالضعفاء. وفهمت أنه حين يجتذب الخيط الصحيح يجيء الكل، وهؤلاء الذين يجمعهم شيء معين مرتبطون بعضهم ببعض، ص334.‏
تعرفت إلى سيمون وزوجها غريب الأطوار الدكتور جويو، وتعلمت منها العزف والغناء. وأعجبت بشموعها وقرابينها، وسمعت أحاديث غريبة عن الفقر الذي يحول العيون نحو الداخل، وعن خيانة الأسود للأسود في إفريقيا البعيدة، وقرأت كثيراً، وتلقفت صفحات روايات تالفة من القمامة، تعرفت على سارة وماجدة وبياتريس وأخريات. واستمعت إلى الحكايات والأغاني، وخاضت امتحان الفلسفة، وعادت تبحث عن صديقها القديم نونو في النادي لكنها لم تجده، وقالوا لها إنه خسر كل شيء ورحل. وكانت قد حصلت على موافقة على الهجرة إلى الولايات المتحدة، وتعرفت هناك إلى جان فيلان المحاضر الجامعي وتسكعت معه، وقد وعدها بقطع علاقته مع صديقته الرسمية أنجيلينا، وعرفت بيلا النحيف اللطيف العنيف، وتعرفت إلى ندى الممرضة في المستشفى عند إصابتها بنزلة صدرية كادت تقضي عليها.‏
ندى شافيز حملت إليها نسخة من كتاب فرانز فانون "معذبو الأرض"، وفيه عقد مع مؤسسة كنال للموسيقى، ودعوة للمشاركة في مهرجان موسيقى الجاز بشيكاغو، وهكذا أنقذت الصداقة والموسيقى ليلى من العوز والضياع. وبعد هذه الرحلة الطويلة. عادت ليلى إلى الصحراء الغربية لتسأل عن طفلة اختطفت قبل سنين وبيعت. لكنها وجدت القبائل تتقاتل في "فم زكيد"، ولمست يد امرأة عجوز، ولاحظت أنها لم تعد قادرة أن ترحل أبعد، أو أنها ليست بحاجة لذلك، ص223.‏
تمضي بطلة الرواية بنا في سبعة عشر فصلاً مرقماً، لتروي سيرة فتاة سمراء جميلة مثل حورية بحر، بحكايات متناسلة مثل تشعب دروب الحياة، تعلمت بفطرتها وبمساعدة المهمشين مثلها أن تشق طريقها كسمكة ذهبية في محيط يعج بالحيتان، وأدركت أهمية أن يكون الإنسان مستقلاً ومنتجاً ومحاطاً بأصدقاء جيدين، وصبوراً ومثابراً، وتعلمت أن تخترق جدار العزلة والعاهة والتهميش، وانجذبت مثل كثيرين من مواطني الدول الفقيرة في إفريقيا وآسيا إلى المركز الرأسمالي بحثاً عن موطئ قدم في عالم لا يعرف الرحمة.‏
سرد رشيق تتعانق فيه الجمل وتتشابك الأحداث وتتعقد، لكنها تعود إلى الانفراج من جديد، وشخصيات مرسومة بعناية وواقعية ودقة وكأن الكاتب راصد اجتماعي لأحوال القاع الاجتماعي في كل مكان يحل فيه، فما أن تنتقل سمكة الرواية ليلى من موطنها الإفريقي حتى نجدها في الضواحي الفقيرة بباريس، وفي الأحياء الهامشية، التي لا يهدأ ضجيجها، ولا تتوقف المشاجرات أو المداهمات فيها إلى درجة جعلتها تحس أنه لا وجود لمكان هادئ في هذا العالم، ص180.‏
أراد لو كليزيو أن يكشف الوجه القبيح للرأسمالية، في سرقتها لكنوز المستعمرات، واسترقاقها لشعوبها، وفي تهميشها للمهاجرين بحثاً عن عمل ومكان آمن وبعيداً عن الحروب القبلية والتدخلات الخارجية والقمع المنهجي، ووصف أماكن يعرفها جيداً. وساعدته زوجته ذات الأصل المغربي في التعرف على حياة أهل الصحراء المغربية، ولو كليزيو يصدم قارئه بوقائع موثّقة، ويقوده إلى أماكن معروفة، وقد ألهمته تجربة معايشة السكان الأصليين من شعب المايا في المكسيك أن يفهم الحياة بعمق، وأن ينصت إلى أصوات لا ينصت إليها أحد، وقد استهين أصحابها لوقت طويل، ولكن لديهم حضارة مميزة وكثير من الأشياء نحتاج إلى تعلمها.‏
ويكشف لو كليزيو ببراعة تشوهات الشخصية الإنسانية، وتشوهات النظام الرأسمالي الذي يقهر الضعفاء والمفقرين والمهجرين، ويحشدهم في أحياء بائسة، متجاهلاً حقوقهم في الإقامة والعمل والتعلم والتعبير، ولكنه متفائل بقدرة البشر الخيرين على بناء عالم أكثر إنسانية وعدلاً، وهو يترك نافذة أمل مشرعة في أحلك اللحظات، وينادي محذراً بطلة روايته بالقول: "أيتها السمكة الذهبية الصغيرة، احترسي، هناك الكثير من المصايد في هذا العالم"، وهو يجتذب خيط الفن الروائي مثلما تجتذب بطلته خيط الحياة الصحيح فتنجو من عشرات الصدمات التي صادفتها، ومن مصائد كثيرة أعدّت للمهمشين.






قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
التحولات في البحرين والمنطقة ودور ومكانة اليسار والقوى التقدمية، حوار مع الكاتب البحريني د. حسن مدن
نحو يسار عربي جديد حوار مع الباحث الماركسي اللبناني د. محمد علي مقلد


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كتب اثرت فى حياتى انعام كجه جى طشارى
- كتب اثرت فى حياتى رواية الافلام
- كتب اثرت فى حياتى بيت حافل بالمجانين
- كتب اثرت فى حياتى انى اتعافى ديفيد فوينكينوس
- كتب اثرت فى حياتى خطاب الى الرجل الصغير
- كتب اثرت فى حياتى تشارلز بوكوفسكى
- كتب اثرت فى حياتى كائن لاتحتمل خفته
- كتب اثرت فى حياتى لاتخبرى ماما تونى ماغواير
- كتب اثرت فى حياتى الاسكندرية مدينة الذكرى
- كتب اثرت فى حياتى العطر باتريك زوكسيند
- كتب اثرت فى حياتى هرمان هيسه
- كتب اثرت فى حياتى موجز تاريخ الفلسفة عالم صوفى جوستاين غاردر
- كتب اثرت فى حياتى يوم غائم فى البر الغربى المنسى قنديل
- كتب اثرت فى حياتى ارجوك اعتنى بامى كيونغ سوك شين
- كتب اثرت فى حياتى انت قلت
- كتب اثرت فى حياتى دستويفسكي
- كتب اثرت فى حياتى جورج اليوت الطاحونة على نهر الفلوس
- كتب اثرت فى حياتى اتشنوا اتشيبى
- كتب اثرت فى حياتى نادين جورديمر
- كتب اثرت فى حياتى بلزاك والخياطة الصينية ديه سيجى


المزيد.....




- بعد خطف امرأة وقتلها.. وقفة احتجاجية في الكويت تنديدا بالعنف ...
- الزنجبيل: الجرعة الزائدة ضارّة لهؤلاء الأشخاص ..
- ثالث امرأة تشغل منصب رفيع.. السعودية تعين إيناس الشهوان سفير ...
- النساء أكثر عرضة للوفاة مبكرا بسبب الاستيقاظ الليلي
- احتجاجات في الكويت استنكاراً للعنف ضد النساء بعد مقتل شابة ...
- احتجاجات في الكويت استنكاراً للعنف ضد النساء بعد مقتل شابة ...
- تعرض امرأة للضرب في حافلة للركاب إثر تنبيهها راكبا لضرورة ار ...
- تظاهرة في الكويت تنديداً بالعنف ضد النساء بعد مقتل شابة
- علاج بسيط أثناء الحمل قد يحمي الأطفال من مشاكل الذاكرة في وق ...
- مئات الملابس الداخلية النسائية.. هديةٌ إلى رئيس وزراء فرنسا ...


المزيد.....

- الهزيمة التاريخية لجنس النساء وأفق تجاوزها / محمد حسام
- الجندر والإسلام والحجاب في أعمال ليلى أحمد: القراءات والمناه ... / ريتا فرج
- سيكولوجيا المرأة..تاريخ من القمع والآلام / سامح عسكر
- بين حضور المرأة في انتفاضة اكتوبر في العراق( 2019) وغياب مطا ... / نادية محمود
- ختان الإناث بين الفقه الإسلامي والقانون قراءة مقارنة / جمعه عباس بندي
- دور المرأة في التنمية الإجتماعية-الإقتصادية ما بعد النزاعات ... / سناء عبد القادر مصطفى
- من مقالاتي عن المرأة / صلاح الدين محسن
- النسوية وثورات مناطقنا: كيف تحولت النسوية إلى وصم؟ / مها جويني
- منهجيات النسوية / أحلام الحربي
- الواقع الاقتصادي-الاجتماعي للمرأة في العراق / سناء عبد القادر مصطفى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات - مارينا سوريال - كتب اثرت فى حياتى من انت سيد لوكليزيو