أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - خالد عايد - تنظيم داعش: من الصعود البربري إلى الانحدار الحتمي...إلى أين؟















المزيد.....



تنظيم داعش: من الصعود البربري إلى الانحدار الحتمي...إلى أين؟


خالد عايد

الحوار المتمدن-العدد: 5732 - 2017 / 12 / 19 - 00:47
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


"إما الاشتراكية أو البربرية"
روزا لوكسمبورغ

ما الذي يصل/ يفصل حلقات السلسلة السلفية الممتدة منذ قرون- بين مدّ وجزْر، منذ ما قبل سلفية "شيخ الإسلام" ابن تيمية في القرنين الثالث عشر والرابع عشر إلى سلفية إبراهيم البدري ( الملقب أبو بكر البغدادي) في القرن الحادي والعشرين، وما بينهما من سلفية محمد بن عبد الوهاب في أوائل القرن التاسع عشر، وسلفية "الإخوان المسلمين" بمن فيهم سيد قطب (في مصر) ومحمد سرور زين العابدين (في سورية) في النصف الثاني من القرن العشرين، وصولاً إلى سلفية القاعدة والنصرة وداعش في ربع القرن الأخير؟؟
تعتمد هذه الدراسة منهجية ترى إلى مختلف الحركات السلفية على أنها أطياف مختلفة ضمن اللون الواحد؛ على أنها "درجات" في نسق واحد على غرار درجات الأطياف في الألوان أو درجات الزلازل على مقياس ريختر. وترى أن تمايز أحدها عن الأخريات يعود إلى انتقائها ادعاءات أيديولوجية محددة بقصد إضفاء الشرعية على ممارستها في ظل استجداد شروط موضوعية محددة. وبحسب منهجية الأطياف هذه، تكفّ صعوبة "الفصل" بين المجموعات الإرهابية و"المعتدلة" عن أن تكون صعوبة تقنية شكلية، وتغدو صعوبةً تتعلق بماهية تلك المجموعات بأطيافها المتساكنة، وبسياسات أطراف الصراع المختلفة. وتكشف منهجية هذه الدراسة تهافت المقاربة "المذهبية" التي تنطلق في تحليلها لنشوء وتطور الحركات السلفية "الجهادية" مما تسميه "الانقسام السني- الشيعي" و"المظلومية السنية".

في حزيران/ يونيو 2014، كان تنظيم داعش ("الدولة الإسلامية في العراق والشام") قد سيطر على مساحات واسعة من سورية والعراق، في تطوّر وُصف بـ "الصاعق" و"الساطع" و"الصارخ" ، أو"المفاجئ والسريع " أو"السريع شبه النيزكي" ، إلى آخر ما هناك من صفات.
والآن، بعد نحو ثلاثة أعوام من صعود داعش، فإن التنظيم قد خسر- تقريبًا- كل تلك المساحات من الأراضي التي سيطر عليها في العراق وسورية في ذروة صعوده، في سلسلة من الهزائم العسكرية، وُصفت بـ"بداية النهاية"، أو حتى بالنهاية.

لقد سبق أن شهدنا صعودًا سريعًا مماثلاً حققه تنظيم القاعدة في تسعينات القرن الماضي، بلغ ذروته في هجمات 11 أيلول/ سبتمبر 2001. وسرعان ما بدأنا نشهد، أيضًا، الانحدار السريع للتنظيم بعد نقطة الذروة المذكورة. وينطبق مثل هذا الصعود والهبوط على حركات سلفية "جهادية أخرى، كحركة طالبان الأفغانية. وقد بلغ الأمر في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين بدراسات صادرة عن بعض مراكز الأبحاث، كمؤسسة كارنيجي مثلاً، إلى ما يشبه التبشير بانتهاء السلفية "الجهادية" . لكن... سرعان ما جاء ما هو أخبث من القاعدة وأدهى: ابنتها/ شقيقتها دولة داعش.
وفي خضم هذه العملية المستمرة من صعود وهبوط، ومن تناسل الأطياف السلفية "الجهادية"، تراجعت إلى الظل الإعلامي- أو كادت - الجماعة السلفية الأوسع انتشارًا في القرن العشرين، عنينا بها جماعة الإخوان المسلمين. فأين تقع الجماعة في هذه الخريطة السلفية المستجدة؟

المقاربة المذهبية:

بين "أزمة الهوية" و "المظلومية السنية"


لعل المقاربة الأيديولوجية القائمة على سياسة "الهويات" وأزمتها وصراعها هي الأكثر شيوعاً في استقراء نشوء تنظيم داعش الإرهابي التكفيري، كما سائر التنظيمات "السلفية الجهادية". وتقوم هذه المقاربة في أن الأيديولوجيا، معبّراً عنها في "سياسات الهوية"، أو "الأزمة السنية والصراع على الجهادية العالمية"، هي عامل حاسم، أو حتى العامل الحاسم، في تفسير نشوء وتطوّر داعش/ "الدولة الإسلامية" .
وفي حين يشير القائلون بهذه المقاربة أو المتأثرون بها إلى وجود عوامل أخرى موضوعية، سياسية واجتماعية، فإنهم يتطرقون إلى هذه العوامل عَرَضأً، في ما هم يسهبون في شرح تأثير العامل المذهبي في تكوين السلفيات "الجهادية". والأنكى من ذلك، أن بعضهم يميل إلى تفسير تلك العوامل الأخرى بعامل حاسم، هو الهويات المذهبية؛ وصولاً إلى ما يسمى "المظلومية السنية".

ويحتل العامل الشخصي (دور الأفراد) الحيّز الأعظم في تاريخ داعش المكتوب بحسب هذه "المقاربةالمذهبية" وسواها، وحتى بحسب بعض التحليلات التي لا تقع في حبائل هذه المقاربة . لكن ما يغيب عن تلك المقاربة هو تتبع انتقال ولاءات هؤلاء الأفراد من مجموعة سلفية إلى أخرى، بما يضيء على حقيقة التخوم التي تفصل/ تصل بين هذه المجموعات، ويقدّم أحد الدلائل على مقولة الأطياف السلفية المتعددة ضمن اللون السلفي الواحد.

وبحسب هذه المقاربة، فإن " العامل الأكثر أهمية في تفسير الصعود الراهن يتمثل بالعامل السيسيولوجي، أي المجتمع السُنّي"، أو "الأزمة السنية الممتدة بين العراق وسورية ولبنان". وهذا العامل يفسّر- بل يبرر- بحسب المقاربة المذكورة سلوك تنظيم داعش الوحشي مع الخصوم، "الذي لا يخرج عن مربع الردّ على التوحش الآخر ضد المجتمع السني". وترى هذه المقاربة أن"هذه الأزمة السنية" ناجمة من "انحراف طبائع الصراع إلى سؤال "الهوية". فالسنة في البلدان الثلاثة المذكورة باتوا" يشعرون مع تنامي الصراعات الداخلية والأهلية، بفراغ سياسي عربي وبحالة من الإحباط وخيبة الأمل في ظل تنامي النفوذ الإيراني في كل من العراق وسورية، وحالة الفراغ السياسي العربي، والفوضى والحروب الداخلية"
وفي صياغة أخرى متأثرة بالمقاربة المذهبية، نقرأ أن "سُنّة كثيرين" دعموا تنظيم داعش "لأنهم نظروا إليه باعتباره الردّ الموازي الفعّال ل" الهيمنة الشيعية والعلوية في بغداد ودمشق، على التوالي، ومن خلفهما الراعي الإيراني. وقد تمكن التنظيم "في صعوده السريع ... من الاستفادة بذكاء في أزمة الهوية للعرب السنة في العراق وسورية وخارجهما" .


تمايز داعش المُفترَض
والتباس المرجعية الأيديولوجية

ثمة ميل واضح في معظم المقاربات المذهبية في دراسة تنظيم داعش إلى تأكيد فرادة التنظيم واختلافه عن سواه من العائلة السلفية الواحدة، على حساب تشابهه معها (مع الاعتراف إجمالاً بوجود هذا التشابه، لكن مع التقليل من شأنه).

فعلى سبيل المثال، نجد أن " تنظيم الدولة الإسلامية لم يكن نسخة جديدة من تنظيم القاعدة، وإنما يشكل نموذجاً مختلفاً من حيث الأيديولوجية والنشأة والأولويات..."الخ . و"ربما" تكون الأيديولوجية السلفية الجهادية العالمية القاسم المشترك مع القاعدة، "ولكن هناك فروقات كثيرة، وأبرزها إعطاء داعش الأولوية للتغيير المجتمعي تغييراً جذرياً، واستخدام "التوحش" بل والإفراط فيه لتحقيق هذا التغيير، وعدم التمييز بين الطواغيت والاستعمار الغربي (الكافر)".

كما نجد، مع تلك المقاربة، أننا أمام "حالة من الاستقطاب في أوساط التيارات السلفية الجهادية في مناطق تواجدها، ما بين مؤيد ومؤمن بنموذج الدولة الإسلامية وآخرين بنموذج القاعدة والنصرة". إذن، نحن بحسب تلك المقاربة "أمام تيارين متباينين، بل ومتخاصمين ومتصارعين، يكفّر ويخوّن كل منهما الآخر": نموذج داعش، من جهة، ونموذج سائر الحركات السلفية "الجهادية" والقاعدة والنصرة، من جهة أخرى .

مرجعية رئيسية واحدة ومرجعيات فرعية متعددة

وفي ما يتعلق بالاختلاف في مجال المرجعيات الأيديولوجية، نجد من يعرض بصورة مسهبة آراء من يعتبرون "الآباء المؤسسين" لأيديولوجيا السلفية الجهادية، ويتوقّف عند آراء بعض هؤلاء المراجع مثل سيد قطب في كتابه "معالم على الطريق"، وكتاب أبي بكر ناجي "إدارة التوحش" وكتاب أبي عبد الله المهاجر "مسائل من فقه الجهاد"/ "فقه الدماء". كما يورد أسماء أخرى كثيرة ممن ساهموا في صوغ الأيديولوجيا السلفية "الجهادية. وذلك كله من دون أي قراءة نقدية لها، تعتبرها ادعاءات أيديولوجية ليس إلاّ.

كما نقرأ أن سبب اتساع الخلافات بين فرع القاعدة في سورية (جبهة النصرة) وفرعها في العراق كان يعود إلى "التباس" المرجعية الفكرية والإستراتيجية العملية: "مرجعيات الفرع العراقي تستند فقهياً إلى أبي عبد الله المهاجر، وعملياً إلى أطروحات أبي بكر الناجي". أما جبهة النصرة فكانت تستند "نظرياً وعملياً- إلى أطروحات أبي مصعب السوري..."، في كتابه "دعوة المقاومة الإسلامية العالمية" .

يبدو أن "الالتباس" ليس قائمًا في مرجعية المجموعات السلفية "الجهادية"، بل في المقاربة "المذهبية" ذاتها التي تجهد في التنقيب عن اختلافات بين هذه المجموعات، ولا تتناول هذه المجموعات على أنها "أطياف" أو درجات في اللون السلفي الواحد، لكل منها "ادعاءات" أيديولوجية هدفها تبرير وجودها وترويج نفسها وتحسين موقعها التنافسي على التمويل الأجنبي وعلى الجمهور السلفي مع المجموعات الأخرى. والأهم هو أن المقاربة المذكورة لا ترى أن الاختلافات بين هذه الأطياف/ الدرجات إنما تعود إلى تعدد المرجعيات الفرعية وإلى اختلاف الشروط الملموسة باختلاف الزمن ( سنعود إلى هذه المسألة لدى تناولنا تعدد المرجعيات الفرعية أدناه).

المبالغة والأسطرة

كما تدير المقاربة "المذهبية" عمليةَ مبالغة، تصل حدّ الأسطرة، في ما يتصل بتميّز تنظيم داعش وقوته وصعوده وتمدده "السريع" سنة 2014.

لقد أصبح داعش الآن، بحسب هذه المقاربة "لاعبًا إقليميًا عابرًا للحدود...ويمتلك ترسانة عسكرية ضخمة...ويمتلك خبرة قتالية عالية وكفاءة عسكرية وجهازًا يدير المعارك على مستوى محترف، وتتوفر له مصادر للثروة...، وفضلاً عن ذلك والأهم، قدرته العالية على قراءة الواقع الجيوسياسي المحلي والإقليمي والدولي..." .

عقلية المبالغة، وصولاً إلى حدّ الأسطرة، التي دمغت معظم التحليلات عندما كانت "الضربة لا تزال ساخنة" وكان المناخ السياسي-النفسي متأثرًا بهول "الصدمة"، شاركت فيها تحليلات أخرى لم تفلت من تأثير هذه المقاربة. ف"دولة " داعش، بحسب أحدها، "تملك بنوك عقول وأدمغة متخصصة في علوم كثيرة، إدارية وعسكرية وسياسية وإعلامية وأمنية، تضع الخطط والدراسات وتنظم العمل في مؤسساتها، حسب المعلومات التي حصلنا عليها من مصادر داخلها، ونعتقد أنها دقيقة..."
ويكاد صعود تنظيم داعش يُدرج في مرتبة المعجزة، عندما نقرأ أن قوات الأمن العراقية تهشمت "كلوح من زجاج أمام إعصار داعش... مع أن مقاتليه كانوا بالمئات فقط، أو بضعة آلاف في الحدّ الأقصى" . والحال، أن التنظيم لم يكن وحده ولم يكن بالمئات أو الآلاف فقط حين اجتاح الموصل وسواها من الأراضي العراقية (وهذا ما سنفصّل فيه أدناه).

تهافُت المقاربة المذهبية

تعمد المقاربة المذهبية إلى التعمية على حقيقة منشأ ما تسميه "الانقسام السني-الشيعي" و"مظلومية السنة"، ودور مختلف الأطراف الفاعلين على ضفتيْ الصراع في هذا الصدد. فهي تتستر على دور المجموعات السلفية "الجهادية" وجماعة الإخوان المسلمين والاحتلال الأمريكي في التسعير المتعمد لهذا الانقسام. وهي في المقابل تتلاعب بالوقائع التاريخية لنشوء داعش، على نحو يلفّق مواقف العراقيين "الشيعة" والنظام السوري "النصيري"- كي يتسق منطقها شكليًا.

أولاً: التستر على دور المجموعات السلفية "الجهادية"

نكتفي هنا بالإشارة على سبيل المثال إلى دور اثنتين من هذه المجموعات كما أفصح عنه بعض قادتها بالذات.

- التستّر على دور "شبكة الزرقاوي"

هذه الشبكة هي تنظيم القاعدة الذي اتخذ أسماء عدة ("التوحيد والجهاد" سنة2004، "قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين" سنة 2006)، وتطوّر إلى "الدولة الإسلامية في العراق"، التي شكلت النواة الأساسية في تنظيم داعش سنة 2013.

لم يُعرف عن الزرقاوي أي ورع أو تقوى في صباه (بل العكس تمامًا، بحسب مختلف مصادر سيرته الشخصية)، كما لم يشتهر بأي حنكة أو تجربة عسكرية فذة، ولا بأي تبحّر في الفقه الإسلامي. هو تتلمذ على أبو محمد المقدسي، ثم ضاق ذرعًا بمعلمه هذا على ما يبدو، وبحث عن ضالته في "أفكار" أكثر تطرفاً ودموية وأكثر عداء للشيعة وأكثر اتساقًا مع شخصيته "الكارزمية"، فوجدها عند "الإخواني" السوري محمد سرور زين العابدين، وأبي أيوب المصري تلميذ أيمن الظواهري وسواهما... ومع أن التلميذ أحمد الخلايلة لم يفلح في مدارس مدينة الزرقاء الأردنية، فإنه بزّ أساتذته جميعهم في مدارس السلفية "الجهادية" !! ودخل التاريخ باعتباره المؤسس الأول لتنظيم داعش الإرهابي.

لكن، يُسجّل للزرقاوي أنه كان- أقلّه- واضحاً إلى درجة الجلافة (خلافاً لتابعيه ومريديه). فهو مبكراً، منذ بداية الاحتلال الأمريكي للعراق، حدّد معسكر العدو، ورسم خطة "دقيقة" للتعامل مع هذا المعسكر. وضع "الشيعة" على رأس قائمة الأعداء، قبل الاحتلال الأمريكي - كما جاء في رسالته إلى بن لادن والظواهري، في شباط/ فبراير 2004 . فقد جاء في الرسالة:

"الشيعة: هؤلاء في رأينا هم مفتاح التغيير. يعني أن استهدافهم وضربهم في عمقهم الديني والسياسي والعسكري سيدفعهم إلى أن يظهروا للسنة سعارهم ويكشفوا عن أنياب الحقد الدفين في صدورهم. إذا نجحنا في استدراجهم إلى ساحة الحرب الطائفية، سيصبح من الممكن إيقاظ السنة الغافلين حين يشعرون بالخطر الداهم والموت الماحق على أيدي هؤلاء الصابئة. وعلى الرغم من ضعفهم وفرقتهم، فإن السنة هم ... الأكثر تصميماً والأكثر ولاء عندما يواجهون أولئك الباطنية....".
وقد سبق فعلُ الزرقاوي قولَه ، حيث بادرت شبكته مبكرًا إلى تنفيذ تفجيرات ضد المواطنين الشيعة. فمثلاً، هاجمت في 29 آب /أغسطس 2003، مسجد الإمام علي بن أبي طالب في النجف، وقتلت 45شخصاً، بينهم آية الله محمد باقر الحكيم، بالإضافة إلى عشرات الجرحى، في إطار استرتيجيا الجماعات "الجهادية" في شن هجمات دموية على أهداف مدنية ودينية شيعية في العراق.


- التستّر على دور جماعة الإخوان المسلمين في سورية


تتستر المقاربة المذهبية على دور جماعة الإخوان المسلمين، والدور الأيديولوجي والتعبوي الذي قام به أسلاف داعش من شيوخ الجماعة ( من أمثال محمد سرور زين العابدين، المرجعية الأيديولوجية ل"شيخ الجزارين" أبو مصعب الزرقاوي وسواه من مؤسسي داعش).

كما أن هذه المقاربة تتجاهل لجوء تلك المجموعات إلى التخطيط والإعداد للعمل المسلح حتى قبل أن تنطلق "ثورة سلمية" في سورية، وتلقي بالمسؤولية عن "عسكرة الثورة" على عاتق النظام وبطشه بالمتظاهرين "السلميين".

عن دور جماعة الإخوان المسلمين في سورية، يكشف أحد قادة الجماعة ورئيس مكتب التخطيط والدراسات الإستراتيجية فيها ملهم الدروبي، المقيم في جدة في السعودية، أنه قدّم بناء- على طلب القيادة- في صباح يوم ١٣ كانون الثاني/ يناير ٢٠١١، أي قبل نحو شهرين من انطلاق "الثورة" "سلمية"، ورقة من ثلاث صفحات بعنوان "مشروع ارحل بشار" الذي لخّص في تسع نقاط ما يجب فعله إذا انطلقت ثورة في سورية. وبدون أن يكشف عن ماهية هذه النقاط، يضيف الدروبي: " دعمت الجماعة ... العديد من الكتائب والفصائل بشرطين: "الالتزام بالأخلاق الإسلامية" و "الالتزام بالقوانين الدولية للصراعات المسلحة"، وشكّلت لاحقاً "هيئة الدروع" ونسّقت وشاركت في العديد من المبادرات للتنسيق بين الفصائل والكتائب."

زاوجت جماعة الإخوان المسلمين في سورية بين "السلفية الجهادية" والإسلام الرأسمالي الليبرالي. فقد "انتشر" كوادر الجماعة وأعضاؤها على كل من "المجلس الوطني" و"الائتلاف الوطني" وجبهة النصرة و"هيئة دروع الثورة" و"فيلق الرحمن" و"فيلق الشام ( أحد أكبر فصائل "الجيش الحر") والجبهة الإسلامية وحركة أحرار الشام و"جند الأقصى" ( المحسوبة على داعش أيضًا) والحزب الوطني للعدالة والدستور (وعد)...الخ (وكان نفر من الجماعة، مثلاً، أبو مصعب السوري، القادم من "الطليعة المقاتلة" الإخوانية في ثمانينات القرن الماضي، قد شارك في تأسيس منظمة "القاعدة"، إلى جانب الإخوان المسلمين المصريين السابقين وغيرهم.)
في صدد هذا الانتشار، يقول القيادي في الجماعة، عمر مشوح، إن "شباب الإخوان لهم تواجد في كل الفصائل الثورية". وهو يضيف حرفيًا في المقابلة الصحافية ( 18/ 4/ 2016) التي نشرها موقع الجماعة: "ليست مبالغة أن أقول إنّه لو رفعتَ أيّ حجر في سورية لوجدتَ تحته الإخوان عملاً أو فكراً، لكن ليس من الضروري أن نعلن كلّ شيء نفعله..."

ثانيًا: تحجيم دور الاحتلال الأمريكي للعراق

لقد أوغل بعض أنصار المقاربة المذهبية في الغلوّ والشطط إلى حدّ التقليل من شأن دور الاحتلال الأمريكي في عملية "إيقاظ المارد المذهبي" في بلاد الرافدين. فعلى الرغم من فداحة هذا الدور المخطط له، فإنه لم يحظ في المقاربة المذكورة سوى ببعضٍ الإشارات العابرة، وباعتباره مجرد عامل مساعد للعامل الرئيسي المسمى "مظلومية السنة".

استغل الغزو الأمريكي - منذ بداية "عاصفة الصحراء" سنة 1991- النعرات المذهبية والقومية الشوفينية التي سادت العراق خلال "قادسية صدام" ضد إيران ("الفارسية الشيعية")، وبنى الاحتلال على هذه النعرات. وكان هذا دأب "الحاكم" بول بريمر، المدير السابق ل"معهد كيسنغر وشركاه"، من خلال إشرافه المباشر على هيئات الحكم التي تعاقبت منذ بداية الاحتلال حتى أواسط سنة 2005: "سلطة الائتلاف المؤقتة"، "مجلس الحكم الانتقالي"،ثم "الحكومة العراقية المؤقتة". واتخذت سلطة الاحتلال جملة من "الأوامر" والقرارات خلال الفترة الحساسة التي امتدت لثلاثة أعوام"، من أبرزها:

- تعيين أول مجلس لمحافظة الموصل بعد نحو شهر من الاحتلال على أسس مذهبية وعرقية، في خطوة أُريد لها أن تكون مثابة "بالون اختبار" ونموذجًا لبناء مؤسسات الدولة الجديدة على الأسس نفسها.
- توزيع الحقائب على هيئات " الحكم الانتقالية والمؤقتة" على أسس مذهبية وعرقية.
- وضع دستور جديد أسّس للمحاصصة المذهبية والإثنية، التي هي أم "الفساد" وأبوه في عراق اليوم.
- تفكيك مؤسسات الدولة العراقية، خاصة الجيش ودوائر الخدمة المدنية، والسعي لخصخصة البنية التحتية والثروات المعدنية.
- وضع قانون جديد للأحوال المدنية، يعزز الطائفية والمذهبية.

وبذلك يكون الاحتلال الأمريكي "المحرك الأول" للانقسام المذهبي وللفساد، ولوجود جيش احتياطي من متقاعدي الأجهزة الأمنية استخدمته المجموعات الطائفية الإرهابية- خصوصا داعش- في "جهادها" بدعوى رفع "المظلومية السنية".


ثالثاً: التلاعب بالوقائع التاريخية لنشوء داعش

علاوة على التستر على دور الحركات "الجهادية وتحجيم دور الاحتلال الأمريكي، كان لا بد للمقاربة المذهبية،كي تتسق شكليًا، من اختلاق سياق سياسي لنشوء داعش، يسعى إلى تقزيم دور المقاومة "الشيعية"، ويفتري على النظام السوري "النصيري".





- السعي لتقزيم الدور "الشيعي" في مقاومة الاحتلال الأميركي

ترى المقاربة المذهبية في رئيس الحكومة العراقية السابق نوري المالكي ("الشيعي") " شريكاً" في صعود تنظيم "الدولة الإسلامية" ، أو أن المالكي قدّم لتنظيم القاعدة في العراق" ترخيصًا بالحياة من خلال إهماله الخدمات، والفشل في إدخال السنّة في العملية الاجتماعية والسياسية، ونزع الصحوات من جداول الرواتب" . ويسهب أصحاب هذه المقاربة في تفصيل ذلك، من دون الإشارة إلى أن حكومة المالكي إنما كانت أحد تجسيدات نظام المحاصصة المذهبية والإثنية التي أرسى الاحتلال الأمريكي قواعدها، بعد أن عمل بشكل منهجي على تحطيم الدولة والمجتمع العراقيين، حتى قبل أن تتشكل سنة 2006 أول حكومة "محاصصة" برئاسة المالكي وبمشاركة "سنّية".
وفي المقابل، يجهد أصحاب هذه المقاربة في طمس مشاركة العراقيين "الشيعة" في مقاومة الاحتلال الأميركي (والفساد الداخلي وداعش لاحقاً)، من خلال عدد كبير من الفصائل انضوت في ما بعد في إطار "الحشد الشعبي". وفي إطار المقاومة الشاملة لمختلف مكوّنات الشعب العراقي، وبمشاركة من المتطوعين العرب، برزت المحطات التالية: انتفاضة ربيع 2004، معركة العمارة سنة 2006، ومواجهات سنة 2008 والعصيان المدني المعلن في تلك السنة. وقد اعتقلت قوات الاحتلال الأمريكي أحد الكوادر العسكرية لحزب الله (علي دقدوق) بتهمة تدريب هذه الفصائل. كما أن التيار الصدري الذي اشترك في المقاومة لم يشارك في حكومات "المحاصصة" الطائفية التي أرسى الاحتلال أسسها، بل قام بدور أساسي في قيادة التظاهرات الشعبية ضد المحاصصة، وضد الفساد الذي شمل مسؤولين كبارًا من مختلف المذاهب والإثنيات.

موقف مقتدى الصدر المقاوم للاحتلال هو ما جعل الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش في نيسان/ ابريل 2004يعلنه عدوًا رسمياً، وأمر جيش الاحتلال باعتقاله أو قتله. وقال بوش: " لا يمكننا أن نسمح لرجل واحد أن يغيّر مسار البلد"، أي العراق، وأضاف: " يجب مسحه".

- تلفيق دور للنظام السوري في صعود داعش

بالمثل، تسعى المقاربة المذهبية إلى "تجريم" النظام السوري بتهمة المساهمة في نشوء منظمة القاعدة، وإلى طمس دور سورية في دعم مقاومة الاحتلال الأمريكي في العراق ( وكذلك في دعم المقاومتين اللبنانية والفلسطينية).

لقد أصبحت سورية بيتاً ثانياً لمئات الآلاف من العراقيين، الذين شرّدهم الحصار والاحتلال. والأهم من ذلك، أن سورية أصبحت بعد الاحتلال ممراً ومقراً وقاعدة إسناد لعشرات آلاف من المقاومين العراقيين والعرب من مختلف المشارب الأيديولوجية، بما فيها السلفية "الجهادية". ولعل ذلك كان السبب الرئيسي (إلى جانب سبب آخر يتمثل في خطأ الحكومة السورية في إطلاقها سراح سجناء المجموعات "الجهادية" في أيار/ مايو 2011 ) في اتهام النظام السوري بالمشاركة "في توفير مناخات القاعدة". في واقع الحال، استغلت المجموعات "الجهادية" هذا الوضع في خدمة أجنداتها الإرهابية الخاصة- كما كان أمر "فتح الإسلام"، على سبيل المثال.

لقد تعرض النظام السوري لضغوط متواصلة مارستها الولايات المتحدة الأمريكية، تحت عنوان "ضبط الحدود" بين سورية والعراق والتوقف عن دعم "الإرهاب. ولجأت الولايات المتحدة إلى اتخاذ إجراءات عقابية ضد سورية، بسبب دعمها "الإرهاب" في كل من العراق ولبنان وفلسطين. وفي هذا السياق، أصدر الكونغرس الأمريكي في 12 كانون الأول/ ديسمبر 2003 قانوناً يُعرف باسم "قانون محاسبة سورية". ويهدف القانون بحسب ما ورد فيه إلى " إنهاء الدعم السوري للإرهاب، وإنهاء الوجود السوري في لبنان... ووقف تطوير أسلحة الدمار الشامل، ووقف استيراد سورية غير المشروع للنفط العراقي، وإنهاء شحنات البنود العسكرية غير المشروعة إلى القوى المعادية للولايات المتحدة في العراق".

وعلى الرغم من ذلك، لم يرضخ النظام السوري للضغوطات الأمريكية (والأوروبية، خاصة الفرنسية) ولم يوقف دعمه للمقاومة في العراق طوال أربعة أعوام ( حتى سنة 2006). لكنه بعد ذلك قام باتخاذ إجراءات لتنظيم حركة العبور إلى العراق- في إثر تطور شبكة الزرقاوي الإرهابية وإعلانها الصريح عن أن أولوية قتال "الشيعة" لديها تتقدّم على قتال المحتل الأمريكي، من جهة، وكذلك في أعقاب انكشاف شبكة " فتح الإسلام" الإرهابية التي كانت قد اتخذت من ذريعة مقاومة الاحتلال الأمريكي للعراق ستاراً للتحشيد والتدريب والتسلّح والإعداد لأعمال إرهابية في لبنان وسورية.

عُوار المقاربة المذهبية الأكاديمي

إلى جانب هذا التهافت للمقاربة "المذهبية" في مجالات التجاهل والطمس والتهميش والتلاعب بالوقائع التاريخية، تعاني هذه المقاربة عواراً أكاديمياً يكشف عن قصورها في عرض المسألة موضع البحث وفي تفسير جوانب أساسية منها. وبرز هذا العوار في عدد من المناحي، نذكر منها على سبيل المثال:

- القصور في تفسير انتشار تنظيم "الدولة" داعش، خارج العراق وسورية، في معظم بلدان العالم الإسلامي حيث لا وجود ل"الانقسام السني- الشيعي" أو "المظلومية السنة". ففي أواخر سنة 2015، كان عدد "الولايات" التابعة للتنظيم لا يقل عن عشر ولايات، فضلاً عن فروع وخلايا نائمة، تنتشر ما بين أقصى الغرب الأفريقي وأقصى الشرق الآسيوي.
أما القول ب"تسلل" مقاتلي التنظيم إلى مثل هذه البلدان فهو يكشف عن القصور الفاضح في تفسير "صعود" داعش.
- القصور في إدراك حقيقة الإدعاءات/ المرجعيات الأيديولوجية للمجموعات السلفية "الجهادية" المختلفة (في مرجعياتها الفرعية) المؤتلفة ( في مرجعية رئيسية واحدة)، والخلط بين المرجعيات الفرعية والرئيسية.
- تجاهل "المرجعيات" السياسية الإقليمية والدولية، وهي "أم مرجعيات" تلك المجموعات، وتعلو على المرجعيات الأيديولوجية، الرئيسية منها والفرعية.
- العجز عن تفسير وجود هذا العدد الهائل من المجموعات "الجهادية" المعارضة المتعارضة، خصوصاً في سورية.
- الاعتماد المفرط لمصادر الحركات السلفية "الجهادية" بصورة غير نقدية، والإسهاب في عرضها، على أساس أنها مصادر ذات صدقية، لا مجرد ادعاءات أيديولوجية زائفة هدفها تسويغ الممارسة العملية.

.
******

بعد أن قدمنا هذا العرض للمقاربة "المذهبية" الرائجة، وأظهرنا تهافت هذه المقاربة في قُصورها التحليلي وعُوارها الأكاديمي، ننتقل إلى اقتراح مقاربة أخرى مختلفة لولادة تنظيم داعش وصعوده وانحداره المتوقع. وتقوم المقاربة المقترحة في النظر إلى التنظيم في إطار التناسل التاريخي للحركات السلفية، باعتبار التنظيم أحد تدرّجات اللون السلفي الواحد.

نحو مقاربة بديلة: تناسل الأطياف السلفية

لا جدال في أن تنظيم "الدولة الإسلامية"/ داعش لم ينشأ من الفراغ، ولا هو مجرد نبت شيطاني في ربيع الصحراء العربية. لقد نشأ التنظيم وصعد إلى "دولة خلافة" عالمية في إطار تناسل السلفيات، وبحكم الشروط الملموسة المحددة التي أحاطت بنشأته وتطوره، سواء كانت الشروط بعيدة المدى(بضع قرون)، أم متوسطة المدى (بضع عقود) أم قريبة المدى(الشروط المباشرة/ "البيئة الحاضنة")، وسواء كانت تلك الشروط أيديولوجية أم اجتماعية- اقتصادية أم سياسية.

أولاً: الخلفية التاريخية العميقة للسلفيات

تضرب السلفيات بجذورها عميقًا في تاريخ المجتمعات العربية الإسلامية. فقد خبرت هذه المجتمعات تحولات تاريخية كبرى، مرّت خلالها تلك المجتمعات بأزمات مستفحلة ومستعصية على الحلول، عصفت بها وأنذرت بتدميرها في بعض الأحيان. ففي فترات التحولات والأزمات، تطرح الحياة مشكلات تستعصي على الحلول الجاهزة. القديم يحتضر، لكنه لم يمت بعد. والجديد ينشأ في رحم القديم، لكنه لا يولد بعد. فتتعدد تأويلات النصوص الدينية بين مغالاة واعتدال، بل قد تتضارب هذه النصوص إلى حدّ الإيغال في الدماء.

ولعل أول أزمة واجهتها المجتمعات العربية الإسلامية تمثلت في "الفتنة الأولى" و"الفتنة الكبرى"، إبان مرحلة التحول من دولة قبيلة قريش (القائمة على التجارة الوسيطة لدى الخاصة وتربية الماشية لدى العامة اقتصاديًا، وعلى نظام "الشورى" سياسيًا) إلى الإمبراطورية الأموية (القائمة على أساس توسيع الوساطة التجارية وعلى خراج الأراضي الواسعة الجديدة التي جرى فتحها اقتصاديًا، وعلى النظام الإمبراطوري الوراثي سياسيًا). كما عرف هذا التاريخ تحولات أخرى في القرنين الثاني عشر والثالث عشر، مع انحطاط الدولة العباسية وتجزئتها، و"تداعي الأمم من كل أفق" على بلاد العرب، "كما تتداعى الأكلة على قصعتها": الغزو الأوروبي تحت مسمى الحروب الصليبية، والغزو المغولي والغزو التركي السلجوقي ودويلات المماليك. وشهد التاريخ مرة أخرى تحولات جديدة في مرحلة التوسع الاستعماري للرأسمالية الأوروبية وتفسخ النظام الإقطاعي العثماني في بلاد الشام و ما بين الرافدين وديار عربية أخرى منذ أوائل القرن التاسع عشر.

فترات الأزمات والتحولات الكبرى هذه شكلت سياقًا تاريخيًا ملائمًاً لظاهرات وأفكار العنف والتطرف على أنواعها: من فرقة "الخوارج" والاستبداد الأموي برمزه الحجاج بن يوسف الثقفي الذي لجأ إلى الصلب والخوزقة بدلاً من إقامة الحد الشرعي (في فترة "الفتن")، مروراً بسلفية ابن تيمية في فترة "تداعي الأمم كما تتداعى الأكلة على قصعتها"، ثم سلفية محمد بن عبد الوهاب في فترة التوسع الاستعماري والتحول من الإقطاع التقليدي إلى الرأسمالية "الحديثة" التابعة. وفي التاريخ المعاصر، ظلت هاتان السلفيتان قائمتيْن في الواقع (في هيئة الدول السعودية المتعاقبة) كما في طور الكمون (في رحم جماعة الإخوان المسلمين بالدرجة الأولى)، وصولاً إلى تيار "السلفية الجهادية" الإرهابي التكفيري بكافة أطيافه في وقتنا الحاضر.

وتجدر الإشارة إلى أن "التوحّش"، على صعيديْ الفكر والممارسة، لم يكن حكراً على التاريخ العربي الإسلامي، بل إن الغرب الرأسمالي شهد أيضاً تحولات كبرى في فترات مختلفة من تطوره بما رافقها من "توحش" أكثر دموية، خصوصًا "الحروب الدينية" الدموية بين البروتستانت والكاثوليك في أوروبا في القرنين السادس عشر والسابع عشر، التي قضى فيها ما يتراوح بين خمسة ملايين وخمسة عشر مليوناً من المدنيين والجنود. كما شهد تحولات مماثلة في النصف الأول من القرن العشرين، رافقتها مستويات من التوحش والدموية غير مسبوقة في تاريخ البشرية، بدءًا بالحربين العالميتين وبروز الحركات النازية والفاشية والصهيونية.

ثانيًا: تناسل السلفيات في القرن العشرين

ظلت الحركة الوهابية في شبه جزيرة العرب الممثل الرئيسي للسلفية طوال القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. وفي سنة 1928، تأسست أول جماعة سلفية في مصر الحديثة ( بعد "أنصار السنة المحمدية")، جماعة الإخوان المسلمين، عقب انهيار "الخلافة الإسلامية" في طبعتها العثمانية وبهدف "استعادة" تلك الخلافة. ثم تشكلت تدريجيًا "فروع" للجماعة الأم وجماعات الإخوان في مختلف أنحاء الوطن العربي وخارجه. ومن رَحْم الجماعة في مصر، وفي حواشيها الأيديولوجية والتنظيمية، انبثق "النظام الخاص" برئاسة عبد الرحمن السندي سنة 1940. وقد "انحرف"- بحسب تعبير الجماعة- هذا التنظيم داخل تنظيم "الإخوان"، لكنه استمر في العمل كجهاز سري إرهابي حتى سنة 1954.

بقيت الخريطة السلفية في الوطن العربي شبه مستقرة حتى سبعينات القرن العشرين وتحتل السلفية الوهابية وجماعة الإخوان المسلمين مركز الصدارة فيها. وظلت الأطياف السلفية الأخرى، كحزب التحرير الإسلامي مثلاً، على هامش التيارين الرئيسييْن الوهابي والإخواني.

- تزاوج الوهابية والقُطُبية في "الحقبة السعودية"

شهدت السبعينات، أول عملية "تناسل" رئيسية للسلفيات في القرن المنصرم ، بنتيجة التزاوج بين المكونين السلفيين الرئيسييْن آنذاك: جماعة الإخوان المسلمين، بمرجعية سيد قطب في مصر أولاً ( ثم بمرجعية محمد سرور زين العابدين في سورية في الثمانينات) والوهابية الحاكمة في السعودية في حقبة الفورة النفطية. وقد شهدت هذه الحقبة تطورات أساسية ساهمت في تناسل السلفيات "الجهادية"، على المستويين الفكري والتنظيمي، كما على المستوى الاقتصادي الاجتماعي.

على المستور الفكري، كانت أفكار سيد قطب تلقى رواجاً واسعاً، سواء من خلال موقعه كمسؤول للقسم الدعوي في الجماعة، أو من خلال مؤلفاته أو عبر شقيقه محمد قطب، الذي كان غادر مصر واستقر في السعودية مواصلاً دعوة شقيقه الراحل. ويُعتبر سيد قطب من أوائل منظري فكر "السلفية الجهادية" منذ ستينيات القرن العشرين، استناداً إلى بعض توجهات جماعة الإخوان ونشأة "النظام الخاص" للجماعة. وبرز ذلك بصورة خاصة في كتابه "معالم في الطريق"، الذي بسط فيه آراءه بشأن الحاكمية والجاهلية (التكفير) والجهاد. ويُنسب إلى سيد قطب أنه هو من صهر العناصر الأساسية للسلفية المعاصرة في بوتقة واحدة: " تكفيرية الخوارج، فتاوى ابن تيمية ووصفاته السياسية، سلفية رشيد رضا، مفهوم المودودي للجاهلية المعاصرة، وحركية حسن البنا السياسية".

وكان من بين الذين تأثروا بأفكار سيد قطب: الإخواني المصري السابق أيمن الظواهري؛ المليلردير السعودي أسامة بن لادن؛ الإخواني الفلسطيني السابق "أبو الجهادية العالمية" عبد الله عزام؛ وسواهم ممن قاموا بتأسيس منظمة القاعدة في ما بعد.

وعلى المستوى التنظيمي، تشكلت أولى نوى المجموعات التكفيرية و"الجهادية"، المتأثرة بالأفكار القطبية والوهابية، في رحم جماعات الإخوان المسلمين. وكان من أبرزها: "التكفير والهجرة" و"الجماعة الإسلامية" و"الجهاد" في مصر، و"الطليعة المقاتلة" في سورية. كانت تلك الجماعات المصرية قد خرجت من رحم جماعة الإخوان المصرية وانفصلت عنها، واتخذ أحدها موقفاً مناهضاً للتسوية السلمية مع الكيان الصهيوني توّجه باغتيال أنور السادات. لكن "الطليعة المقاتلة"، التي اعتُبرت الجناح المسلح للإخوان المسلمين السوريين، انخرطت في ممارسات إرهابية مذهبية، مثالها قتل 83 تلميذًا ضابطًا علويًا في مدرسة المدفعية العسكرية في حلب سنة 1979.

وعلى المستوى الاقتصادي الاجتماعي، في هذه الحقبة، بلغت هجرة اليد العاملة العربية إلى دول الخليج النفطية ذروتها. كان الملايين من العمال والموظفين من "محيط" "المركز" النفطي بصورة خاصة (أي، من مصر وبلاد الشام واليمن والسودان) يعملون في الدول الخليجية، خصوصاً في السعودية. ويضاف إلى هذه الملايين من العمال المهرة وشبه المهرة والمعلمين والمهندسين والأطباء، حفنة من رجال الأعمال الصاعدين من خلال تأسيس شركات المقاولات من الباطن المرتبطة بقطاع النفط وتفرعاته، ومن خلال احتلال مراكز عالية في مثل هذه الشركات. وهذه الحفنة ستتطور مع الأيام وتتحول إلى جزء من شريحة رجال الأعمال الجدد، التي سيكون لها شأنها الاقتصادي والسياسي لدى تمكّن العولمة في انعطافة القرن. وكان هؤلاء وأولئك جميعاً يجلبون معهم إلى بلادهم الأموال والسلوك الاستهلاكي الاستعراضي المفرط، كما الأفكار السلفية الوهابية. ومن بين صفوفهم، سينبثق جنودٌ وقادةٌ للحركات السلفية "الجهادية" في أكثر من بلد عربي.

بذور الساداتية

تزامنت الحقبة السعودية مع عهد الرئيس أنور السادات في مصر. وما يهمّنا هنا من "الساداتية" أمران: تمثل الأول في سياسة "الانفتاح" الليبرالي الاقتصادي التي انتهجها نظام السادات، التي أطلقت العنان لشريحة جديدة من رجال الأعمال ( "القطط السمان")، كما أدت إلى احتجاجات شعبية واسعة النطاق ضد هذه السياسة، بلغت ذروتها في "انتفاضة 18 و19 يناير" سنة 1977.

وتمثل الأمر الثاني في سياسة "الرئيس المؤمن" السادات القائمة في التصالح مع جماعة الإخوان المسلمين وسواها من الجماعات السلفية في مصر. وقد أدى ذلك إلى ازدهار جديد في نشاط جماعة الإخوان، وُصف ب "التأسيس الثاني" للجماعة. كما أدى إلى بروز جماعات سلفية جديدة في الإسكندرية وغيرها.

وهكذا، فإن تزامن الحقبة السعودية والساداتية ساهم في زرع البذور الأولى لتطور مزدوج في تناسل السلفية في مصر وفي أنحاء متفرقة من الوطن العربي: سلفية "جهادية" من جهة، وسلفية رأسمالية ليبرالية من جهة أخرى. ( ستنمو هذه البذور في مطلع القرن الحادي والعشرين، لتصبح جزءًا أساسيًا من المشهد الذي نراه حاليًا).

ثالثاً: السياق الراهن (1990- )

1. على الصعيد العالمي

بلغت تداعيات هذه الحقبة ذروتها بدءًاً بتسعينات القرن الماضي، مع توحش الرأسمالية النيو ليبرالية المعولمة بقيادة أمريكا، ثم مرورها في أزمة شاملة بدءًا من سنة 2008، وانفلاتها من عقالها على غير صعيد. على الصعيد الداخلي، تعززت النزعات العنصرية ضد الملوّنين والمهاجرين إجمالاً، بمن فيهم العرب والمسلمون، الذين سيجد الشباب منهم ضالتهم في الحركات "الجهادية"( كما ستجد هذه الحركات ضالتها بينهم، كمقاتلين "أجانب"). وعلى الصعيد الدولي، تعززت النزعات العدوانية للإمبرياليات الأمريكية والأوروبية، الطامحة إلى تكريس سيطرتها على النفط وإلى الاستحواذ على أسواق جديدة- بما فيها سوق الأسلحة. فكانت حروب التدخل والغزو في أفغانستان والعراق وليبيا وسورية وسواها.

2. على الصعيد العربي الإقليمي:

. تماشيًا مع السياسات الليبرالية الجديدة، تبنّت الأنظمة التابعة (ومن بينها الأنظمة العربية) وصفات صندوق النقد الدولي في الإصلاحات الاقتصادية الهيكلية، بما انطوت عليه من خصخصة لأملاك الدولة و"تحرير" للتجارة وإلغاء لدعم السلع- ما أسفر عن تفاقم البطالة والاغتراب خاصة في صفوف الخرجين الشباب، والمزيد من إفقار الطبقات الشعبية ومن المديونية العامة و"الفساد"، ونشوء شريحة من رجال الأعمال الجدد في البلد الأم و/ أو بلاد الاغتراب(تتنافس خصوصًا للاستيلاء على قطاع الاتصالات وأراضي الدولة)، مع هامش "ديمقراطي" يفتح أمامها نافذة للمشاركة في الحكم.

وفي الوقت نفسه، فإن بعض القوى "الإمبريالية الوسيطة" (تركيا والكيان الصهيوني في الأساس) والوكيلة (السعودية في الأساس) تفتّحت شهيتها على حصة أكبر من النفوذ السياسي و/ أو الدور الاقتصادي في المنطقة، مع غياب دور مصر التاريخي. كما انفتح الرهان أمام تغيير خريطة المنطقة. وكانت الحركات السلفية ("الجهادية" والليبرالية "المعتدلة") حصان هذا الرهان، في ظل غياب أي بديل ملموس.

لا تزال المنطقة تعيش مرحلة الأزمات والتحولات الكبرى. ومما زاد الطين بلة أن " الأدوية" الرئيسية للأزمات انقلبت إلى داء. فمن جهة، لم تؤد وصفات صندوق النقد الدولي بشأن الإصلاح الاقتصادي الهيكلي إلى "تنمية مستدامة"، بل بالأحرى إلى أزمة مستدامة: انسداد أفق التنمية؛ ارتفاع معدلات البطالة خصوصاً في صفوف الخريجين الجامعيين من أبناء الطبقات الشعبية، وازدياد الدّيْن العام والعجز في الموازنات الحكومية- زيادة تحملت هذه الطبقات وزرها. ومن جهة أخرى، لم تتحقق وعود "ثورات الربيع العربي"، المغدور منها والمأزوم والمصطنع، في "العيش والحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية". وساهم فشل هذه الثورات في تراجع ثقة الطبقات الشعبية بأمل التغيير، كما ساهم في استجرار التدخل الامبريالي، وتعزيز شوكة الإرهاب التكفيري بديلاً من "الديمقراطية الليبرالية".

3. على صعيد الجماعات السلفيةً:

شكّل ربع القرن الماضي منعطفًا تاريخيًا جديدًا في تطوّر أيديولوجيا الأطياف السلفية وتناسلها، على نحو غير مسبوق. ولا تزال تداعيات هذا المنعطف مستمرة حتى يومنا الحاضر بين حدّيْ قطبين: الأول المتطرف ويتمثل في داعش وسائر التنظيمات الإرهابية التكفيرية، المنبثقة من تزاوج الوهابية وجماعة الإخوان المسلمين على مذهب سيد قطب ومحمد سرور زين العابدين. أما القطب الثاني، "سلفية البزنس"، فتمثله الأحزاب السلفية الرأسمالية الليبرالية المنبثقة من صفوف رجال الأعمال المتدينين- بمن في ذلك قياديون من جماعة الإخوان.
يتسم الوضع الراهن بوجود عدد كبير من الجماعات السلفية "الجهادية" في مختلف بلدان وجودها- ويبدو هذا الأمر جليًا في سورية بصورة خاصة، حيث يسود الطابع السلفي "الجهادي" في صفوف المجموعات المسلحة، التي يُقدّر عددها بأكثر من ألف مجموعة معارِضة ومتعارضة !! بل إن عدد المجموعات السلفية "الجهادية" في سيناء المصرية، التي يقدر عدد سكانها بنحو 400 ألف نسمة فقط، بلغ 11 مجموعة. والحال، يغدو من الصعب ومن غير المجدي تصنيف الحركات السلفية بحسب تياراتها الأيديولوجية العريضة ("التقليدية" و"الحركية" و"الجهادية")، نظرًا لتراصف هذه التيارات وتداخلها. ويغدو من المناسب في باب التحليل، ومن المجدي في باب دراسة سياسات المواجهة، اعتماد مقاربة الأطياف السلفية، التي تفسّر تعدد المجموعات السلفية بعوامل محددة قابلة للقياس والتشخيص والدراسة:

- الشروط العيانية المحددة لنشوء وتطور هذه المجموعات في كل مكان وزمن. أي، مستوى التطور العام( السياسي والاجتماعي الاقتصادي والثقافي) في كل ساحة من ساحات عمل تلك المجموعات.
- تعدد المرجعيات الأيديولوجية الفرعية، الذي أشرنا إليه أعلاه. وقد تعزز هذا التعدد بفعل "ثورة الاتصالات" عند منعطف القرن الأخير، التي سهلت على الشيخ السلفي تنصيب نفسه مرجعية من خلال بث فتاواه وآرائه على شبكة الانترنت. كما يسّرت على المجموعات السلفية أمر نشر ادعاءاتها الأيديولوجية واجتذاب الأعضاء والأنصار من صفوف الشباب المغرَّبين عن مجتمعاتهم ( في الوطن والمهجر)، والباحثين عن أجوبة بسيطة للمعضلات المعقدة.
- استِعار التنافس بين المجموعات على النفوذ والسيطرة بهدف الاستحواذ على غنائم الحرب والموارد وعائدات التهريب والتجارة غير المشروعة، وعلى حصة كل منها من التمويل الخارجي.

وهكذا تناسلت الحركات السلفية "الجهادية"، وبلغت أعتى مراحلها- حتى الآن- في تنظيم داعش.

ولادة داعش وصعوده

في هذا السياق من تناسل السلفيات، نشأ تنظيم "الدولة الإسلامية"/ داعش سنة 2014.
خرج تنظيم داعش، كما "النصرة"، من رحم "القاعدة" التي وُلدت بدورها من تزاوج السلفية الوهابية وسلفية الإخوان المسلمين على مذهب سيد قطب ومحمد سرور زين العابدين. وهذا التناسل مثابة قانون عام يحكم نشأة الجماعات السلفية، بصرف النظر عن كون ولادة الجماعة كانت طبيعية أم قيصرية أم بالانشطار الثنائي البسيط كما في تكاثر الأميبيا ("خلية وانقسمت نصفين").

لننظر أولاً في التسلسل التاريخي لعملية نشوء تنظيم داعش، التسلسل الواقعي الذي تتفاداه المقاربة المذهبية لهذه العملية.

جدول زمني لنشوء تنظيم داعش



السنة

أبرز التطورات
تسعينات القرن العشرين
2004

2006

2010


2011



2012






2013














2014









2015




2016

مطلع 2017 عودة آلاف "الأفغان العرب" إلى بلادهم

ولادة "قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين" (شبكة الزرقاوي)

نشوء "دولة العراق الإسلامية"

تنظيم " دولة العراق الإسلامية"، بقيادة أبو بكر البغدادي، على وشك الانهيار

بدء "الأزمة" السورية: جماعة الإخوان المسلمين تستعد للعمل المسلح؛ "دولة العراق الإسلامية" ترسل مجموعة إلى سورية بقيادة أبو محمد الجولاني

الإعلان في أوائل السنة عن ولادة "جبهة النصرة" مع الحرص على إخفاء صلتها بتنظيم "القاعدة"، والجبهة تصبح في أواخر السنة أهم قوة معارضة مسلحة في سورية
"التحالف الوطني السوري" و"الجيش الحر" و29 مجموعة معارضة تقف إلى جانب "النصرة" ضد وسمها بالإرهاب


الإعلان عن تشكيل "الدولة الإسلامية في العراق والشام"(داعش)
هجمات ل"داعش" في أنحاء متفرقة من سورية بالتنسيق مع "النصرة" و"الجيش الحر" في معظمها
آلاف من "الجيش الحر" ينضمون لداعش
(آذار) "النصرة" و"الجيش الحر" و"أحرار الشام" ومجموعات سلفية "جهادية" محلية أخرى تحتل الرقة

(9 نيسان/ أبريل) البغدادي يعلن توحّد "داعش" و"النصرة"، والجولاني يرفض،
"النصرة" تسلّم مقرّها في الرقة وتنسحب إلى الطبقة
داعش يقيم "نقاط ارتكاز" له في محافظة الأنبار ( من خلال "اعتصامات" في الفلوجة والرمادي)، بدعم من بعض الزعماء "السنة"، وينشئ تحالفًا عريضًا مع المجاميع السلفية المسلحة


(آذار/ مارس وأبريل/ نيسان) معارك بين "داعش" من جهة و"النصرة" والمجموعات المسلحة الأخرى في الحسكة ودير الزور، تنتهي باحتلال "داعش" معظم المنطقة الشمالية الشرقية من سورية

(أيار/ مايو) الظواهري يأمر "النصرة" بوقف هجماتها على "داعش"؛
(حزيران/ يونيو) "داعش" يحتل الأنبار والموصل ويشن هجمات في أنحاء متفرقة من العراق

( 29 حزيران/ يونيو) إعلان "دولة الخلافة الإسلامية"

( أوائل السنة) تشكيل "جيش الفتح" بقيادة "النصرة" ومشاركة عدد من الفصائل المسلحة "المعتدلة"
(أيلول/ سبتمبر) الطواهري: لو كنتُ في العراق أو الشام لتعاونت مع تنظيم الدولة

(تموز/ يوليو) "جبهة النصرة" تغير اسمها إلى "جبهة فتح الشام" وتعلن انفصالها عن تنظيم "القاعدة".
إعلان تأسيس "هيئة تحرير الشام" بانضواء عدد من الفصائل "الجهادية" تحت لواء "جبهة فتح الشام" (جبهة النصرة سابقًا)

يشتمل الجدول أعلاه على معالم في طريق تناسل جبهة النصرة وداعش. وهو يلخص أبرز مراحل تطور داعش في المحطات الآتية:
1. وضعت "شبكة الزرقاوي" من قادة القاعدة الفارّين أمام الاحتلال الأمريكي لأفغانستان الأساسَ لنشوء فرع لمنظمة القاعدة في العراق لأول مرة. وساهمت ظروف الاحتلال الأمريكي للعراق في تطور هذه الشبكة إلى "الدولة الإسلامية في العراق" بقيادة البغدادي وتحالفها مع منظمات أخرى شبيهة، بحجة مقاومة الاحتلال الأمريكي والدفاع عن "السنة".
2. عشية "الثورة" السورية، كانت "دولة" البغدادي في العراق تلفظ أنفاسها الأخيرة. وكانت جماعة الإخوان المسلمين السورية تخطط من مقراتها في بعض الدول الإقليمية والعالمية لانتهاز الفرصة التي قد يوفرها "الربيع العربي" لتنفيذ مشروع الجماعة المسمى"ارحل بشار"، المتقاطع مع مشروع تلك الدول "المضيفة".
3. تمكنت "دولة" البغدادي من إيجاد موطئ قدم لها في سورية من خلال إرسال "خميرة" من رجالها على رأسهم أسامة واحدي، الذي سيتسمى باسم أبو محمد الجولاني ، من أجل "نصرة أهل الشام". تحرص الجبهة الجديدة على إخفاء نسبها القاعدي، كما كان الجولاني يحرص على إخفاء وجهه وهويته، من أجل تخفيف نفور "أهل الشام" من الحركات السلفية المتطرفة ومن جماعة الإخوان. يستجيب لنداء "النصرة" آلاف السلفيين "المجاهدين" العرب عبر حدود الدول المجاورة (تركيا والأردن ولبنان) وتنشأ نقاط ارتكاز لجبهة النصرة عند هذه الحدود. وتتعزّز هذه النقاط تدريجيًا بعناصر محلية من الإخوان المسلمين بصورة رئيسية. وسرعان ما تصبح جبهة النصرة أكبر قوة مسلحة للمعارضة في سورية.
4. يعلن البغدادي عن قيام "الدولة الإسلامية في العراق والشام" من خلال توحيد "النصرة" مع "دولته" العراقية، ومبعوثه إلى سورية الجولاني يرفض. ويسيطر داعش على معظم الأراضي الواقعة تحت سيطرة النصرة والمجموعات المسلحة الأخرى من خلال الاشتباكات، والمبايعات والانشقاقات في أكثر من منطقة ( مثلاً، المبايعة في البو كمال الحدودية التي تربط البادية السورية بالأنبار العراقية، ومبايعة كتائب اليرموك وبيت المقدس وابو محمد التلاوي في الجنوب السوري، ومبايعة "أمير النصرة" في منطقة مخيم اليرموك لتنظيم "الدولة")؛ وانضمام عدد من قادة "النصرة" ( مثل طه صبحي فلاحة المكنى أبو محمد العدناني وخلف الذياب الحلوس وفواز محمد الحسن العلي المكنى أبو علي الشرعي وغيرهم) وآلاف المقاتلين في صفوفها وصفوف المجموعات الأخرى (كالجيش الحر وغيره) إلى التنظيم.
5. بعد إقامة قاعدة له في سورية، خاصة في البادية والمنطقة الشمالية الشرقية، قام داعش باحتلال الأنبار والموصل وسواهما، مستندًا إلى تحالف عريض أنشأه في العراق، يضم القوى السلفية "الجهادية" الرئيسية ( "جيش المجاهدين" و"الجيش الإسلامي" و"أنصار السنة" و"حماس العراق" وغيرها)، علاوة على ضباط وجنود من الجيش والشرطة العراقيين السابقين (في إطار "جيش الطريقة النقشبندية" بقيادة عزة الدوري)، وأعضاء سابقين في "الصحوات" العشائرية، ناهيك ب"التواطؤ" من جانب قطعات كاملة من الجيش الجديد الذي بناه المحتل الأمريكي.
6. من جهتها، تنسق جبهة النصرة مع المجموعات السلفية "الجهادية" الأخرى، في كافة معاركها خصوصًا ضد الجيش السوري. ويتتوّج التنسيق بإنشاء "غرفة عمليات جيش الفتح"، التي ضمّت إلى "النصرة" عددًا من الأطياف "الجهادية" الرئيسية "المعتدلة" في الشمال. وفي "رسالة" واضحة إلى فرع القاعدة السوري، "النصرة"، بضرورة الوقوف إلى جانب داعش في قتاله، يصرّح أيمن الظواهري: "لو كنت في العراق أو في الشام لتعاونت معهم في قتال الصليبيين والعلمانيين والنصيريين والصفويين رغم عدم اعترافي بشرعية دولتهم ناهيك عن خلافتهم لأن الأمر أكبر مني ومن زعمهم إقامة الخلافة". وعلى الأرض، تنسق جبهة "النصرة" العمليات العسكرية مع تنظيم داعش في مواجهة الجيش السوري (مثلاً، في محور إثريا- خناصر، في تشرين الأول/أكتوبر 2015 و آذار/ مارس 2016).
7. مثلما تتخفى "القاعدة" تحت مسمى "النصرة" منذ البداية، كذلك تتخفى جماعة الإخوان المسلمين تحت مسميات شتى الائتلافات السياسية والتشكيلات المسلحة، سعيًا للظهور في لبوس "الاعتدال"، بعيدًا عن التطرف والإرهاب. وفي المسعى نفسه، تتسمى "القاعدة"/ "النصرة" باسم جديد آخر: "فتح الشام".
8. لكن، نلاحظ في كافة هذه التطورات تقاطعًا للأطياف السلفية "الجهادية"، أيديولوجيًا وسياسيًا، يعبّر دائمًا عن نفسه في تقاطع التحالفات العسكرية ضد " الصليبيين والعلمانيين والنصيريين والصفويين": جبهة سلفية "جهادية" واحدة ذات"محاور" قتال متعددة تشغلها المجموعات المتعددة، مدعومة إقليميًا ودوليًا.
هذا التحالف بين الأطياف السلفية "الجهادية"، الذي يقدّر مجموع عدد مقاتليه بعشرات الآلاف، هو الذي احتل مناطق واسعة في سورية والعراق سنة 2014، لا "بضع مئات/ آلاف" من مقاتلي داعش- بحسب القائلين بصعود داعش النيزكي السريع المفاجئ الصاعق الصارخ الساطع الخ.
كما أن محنة مخيم اليرموك الفلسطيني في سورية تضيء على تلك الأطياف بائتلافاتها واختلافاتها، المتقلبة دائمًا بحسب المصالح الدنيوية المحجوبة بغِلالات النصوص الدينية. (أنظر الصندوق: محنة مخيم اليرموك)























لقد استند داعش في نشوئه وصعوده إلى ترسانة أيديولوجية "فقهية" تمتد من ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب، إلى سيد قطب ومحمد سرور زين العابدين، ولا تنتهي بعشرات الشيوخ المنتشرين في مختلف أرجاء العالم. كما استند إلى تراث "جهادي" يمزج تجربة "القاعدة" بتجارب المجموعات الإرهابية التابعة للإخوان المسلمين أو القاعدة ("النظام الخاص" في مصر و"الطليعة المقاتلة" قي سورية و"الجماعة الإسلامية المقاتلة" و"أنصار الشريعة" في ليبيا وتونس و"بوكو حرام" في نيجيريا الخ). لكنه استند أيضاً، وبصورة رئيسية، إلى شروط الأزمة العامة المستحكمة السالفة الذكر التي تجتازها الأنظمة العربية ( وسواها)، وإلى الشروط المستجدة بحكم غياب قائد القاعدة الملياردير أسامة بن لادن، وإخفاق "ثورات الربيع العربي"، وفشل جبهة النصرة وسائر الفصائل "الجهادية"، مدعومة بتحالف إقليمي دولي غير مسبوق، في إسقاط النظام السوري.

تبع ولادة "دولة خلافة" داعش في سورية والعراق، على النحو الذي بيّنا أعلاه، مبايعات للتنظيم ول"الخليفة" الجديد، من جانب تنظيمات أو "ولايات" قائمة أصلاً تابعة لمنظمة القاعدة (وبعض التنظيمات انشق عن الإخوان المسلمين). ففي أوائل سنة 2015، بلغ عدد المجموعات السلفية الإرهابية التي بايعت داعش ما لا يقل عن أربعة عشر مجموعة تنتشر في مختلف أنحاء العالم: بوكو حرام في نيجيريا، أنصار بيت المقدس في مصر، جماعة أبو سياف وحركة مقاتلي بانجيسيمورو الإسلاميين في الفليبّين، أنصار الإسلام في العراق، شبكة مجاهدي شرق إندونيسيا، أنصار الشريعة في كل من ليبيا وتونس، جند الخلافة في الجزائر، كتيبة عقبة بن نافع في تونس، جماعة الاعتصام بالكتاب والسنة السلفية المنشقة عن الإخوان المسلمين في السودان، جماعة خراسان، جماعة تحريك الخلافة في باكستان، الحركة الإسلامية في أوزبكستان.

داعش: بداية النهاية؟

يكاد تنظيم "دولة" داعش أن يفقد كامل الجغرافيا التي سبق أن سيطر عليها في "لحظة نادرة" من الصعب أن تتكرر.

أيًاً يكن الأمر، أثبتت التجربة الواقعية أن تنظيم داعش، شأنه شأن سائر المجموعات السلفية "الجهادية"، قادر على الهدم والتقتيل، لكنه عاجز عن البناء والإحياء. فقد"انتصر" التنظيم "بالرعب مسيرة شهر"، لكن النظام الذي أقامه في ما بعد ل"دولة الخلافة" ظل يفتقد إلى أدنى مقومات "النموذج المثال" على مختلف الأصعدة. فأي نظرة متبصرة في طبيعة هذه "الدولة" تكشف عن وجود نظام شمولي لا سابق له، يقف على رأسه دكتاتور، يجسد السعي للجمع بين السلطة والثروة والقداسة، ويبدو الدكتاتوريون السابقون قياسًا به أولياء صالحين جديرين بأن تقام لهم المزارات والمقامات !!

لكن، ثمة معضلات إشكالية لا تزال قائمة في ما يتعلق ب "تجفيف منابع الإرهاب" في المنطقة والعالم، لعل أبرزها:

- استمرار مرحلة التحوّل و"الأزمة العامة"(عربيًا وإقليميًا وعالميًا)، وهي المرحلة التي جرى في سياقها تناسل السلفيات "الجهادية"، وصولاً إلى داعش. وهذا ما يعوق تجفيف المنابع الاجتماعية الاقتصادية والأيديولوجية للإرهاب التكفيري، خصوصًا في ظل غياب بديل ملموس.

- مساعي "النخب السنية"، السياسية والثقافية والإعلامية، العربية ( لاسيما العراقية والسورية) في تلفيق "مظلومية سنية". فهذه المساعي تبرر الإرهاب التكفيري، وتقدّم مجموعاته على أنها جيش السنة، القادر وحده على الدفاع عن أهل السنة في مواجهة خطر "الرافضة"، باعتبارهم عدو أول يتقدم على "الغرب الكافر" والكيان الصهيوني.

- العجز عن تقديم خطاب عقلاني يتنكّب مهمة التصدي للمنظومة الأيديولوجية السلفية من خارجها، وإسناد هذه المهمة بالأحرى إلى مؤسسات بلاط رسمية (وزارات أوقاف وإفتاء وثقافة وتعليم وإعلام) فاقدة الصدقية من جهة، وإلى وصفات "خبراء" مفروضة بشروط "المعاهدات السلمية" و"مكافحة الإرهاب" لتغيير المناهج المدرسية بصورة تعسفية، من جهة أخرى.

من المتوقع، أن تستمر السلفية "الجهادية" على مستوى منخفض من النشاط الإرهابي المعهود سابقًا ( العمليات الانتحارية بالسيارات والأحزمة الناسفة). ومن المرجح أن يتقلص تواتر هذه العمليات الإرهابية بفعل خسارة الجغرافيا، بما توفره من ملاذات آمنة للإرهابيين وللتحشيد والتدريب وتصنيع المتفجرات وانطلاق منفذي تلك العمليات. وأغلب الظن أن تضطر المجموعات الإرهابية إلى العودة إلى الصيغة اللا مركزية في التنفيذ التي كانت منظمة القاعدة تتخذها.

لكن، في المقابل، قد تلجأ المنظمات اللا مركزية الوليدة و"الخلايا النائمة" و"الذئاب المنفردة" إلى التركيز على عمليات انتقامية واغتيالات سياسية بصورة خاصة. وقد يلجأ بعض شظاياها الناجية إلى إجراء "مراجعات فكرية"، غالبًا ما كانت جزءًا من تاريخ السلفية "الجهادية" في ربع القرن الأخير. كما أن بعض شظاياها الأخرى قد يتناسل مجموعات تنحو نحو مزيد من التطرف والتوحش (كما جرت العادة التاريخية)، وقد تستفيد هذه المجموعات من الشروخ المذهبية والطائفية والإثنية التي أحدثتها الجماعات السلفية الإرهابية في نسيج المجتمعات العربية.

وعلاوة على ذلك، من المرجح أن تستفيد هذه المجموعات، مرة أخرى، من استمرار ادعاءات صعوبة "الفصل" بين الإرهاب و"الاعتدال"، ما يبقي على "تقسيم العمل" القائم حاليًا: المجموعات الإرهابية قوة عسكرية ضاربة لشقيقاتها "المعتدلة"، في حين تكسو المجموعاتُ "المعتدلة" الإرهابَ العاري بالغلالة السياسية والدبلوماسية الضرورية.

تظل هذه التوقعات، وأي توقعات أخرى، رهنًا بالتغيرات الفعلية التي تعالج مخاض التحوّلات و" الأزمة العامة" في وضع المنطقة الراهن، ما أشرنا إليه أعلاه في هذه الدراسة. فالحلقة التي تمثلها "دولة" داعش في السلسلة السلفية الإرهابية على وشك الانكسار، لكن كسر السلسلة البربرية نفسها يحتاج إلى مطرقة "الكتلة التاريخية" الشعبية.
ولعل البداية تكون في تطوير استراتيجيا ثورية بديلة للتغيير الجذري الشامل، تنطلق من أن " لا نهضة بدون مقاومة، ولا مقاومة بدون نهضة". كما تنطلق من شعار:

"إمّا الاشتراكية أو البربرية" !
خالد عايد أبو هديب






قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
التحولات في البحرين والمنطقة ودور ومكانة اليسار والقوى التقدمية، حوار مع الكاتب البحريني د. حسن مدن
نحو يسار عربي جديد حوار مع الباحث الماركسي اللبناني د. محمد علي مقلد


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قراءة في نص قرار مجلس الأمن بشأن الاستيطان: ليس قرارًا تاريخ ...
- بين الإسلام الرأسمالي الليبرالي والإرهاب التكفيري: السياق ال ...
- تحديث الماركسية في القرن الحادي والعشرين (من سيرة غير ذاتية)
- إعدام -الروزنا- التأسيسية في موقع اتحاد المرأة الأردنية من س ...
- نحو منهج بحث تاريخي طبقي/ أبو جلدة و-فصائل السلام-: من الثائ ...
- الفلسطينيون يصعدون إلى السماء الأخيرة: من سورية إلى الأردن م ...
- عويل - الطبقات الوسطى- ونقيقها في - الربيع العربي-
- بناء يسار ثوري جديد شرط حيوي لانتصار الحراك الشعبي العربي ال ...
- الثورة/ الثورات العربية ليست لقيطة ليتبناها العم سام والجدة ...
- أسئلة الحراك الثوري الراهن في المنطقة العربية
- الثورة الشعبية في الأردن وفلسطين أمام تحدّيات الخصوصية والاس ...
- يحيا شعب مصر: على طريق الثورة الدائمة
- حبيبتي الثورة
- المهام الانتقالية في الثورة التونسية نداء رقم 3


المزيد.....




- بابا الفاتيكان: كوكب الأرض أصبح على حافة الهاوية
- شقيقة اليهودية سارة حليمي التي قتلت في فرنسا تسعى لمحاكمة ال ...
- كتائب حزب الله في العراق: الحشد الشعبي لن يحل واذا حدث ذلك ...
- المقرئ الإدريسي: خطاب القرآن عالمي ومشروع الإسلام للبشرية جم ...
- منازل الروح: علاقة التوكل على الله بالهمة
- منابع الإيمان: سؤال الروح
- الحرس الثوري الإيراني: انهيار أعداء الإسلام قريبا
- الحريري: البابا فرنسيس سيزور لبنان بعد تشكيل الحكومة.. والفا ...
- الحريري: البابا فرنسيس سيزور لبنان بعد تشكيل الحكومة.. والفا ...
- الحريري يعلن موعد زيارة بابا الفاتيكان الى لبنان


المزيد.....

- الطاعون قراءة في فكر الإرهاب المتأسلم / طارق حجي
-  عصر التنوير – العقل والتقدم / غازي الصوراني
- صفحات من التاريخ الديني والسياسي للتشيع / علي شريعتي
- أوهام أسلمة الغرب عند المسلمين / هوازن خداج
- جدل الدنيوية العقلانية والعلمانية الإلحادية / مصعب قاسم عزاوي
- كتاب النصر ( الكتاب كاملا ) / أحمد صبحى منصور
- الماركسية والدين / ميكائيل لووي
- الجيتو الاسلامى والخروج للنهار / هشام حتاته
- الكتاب كاملا :( مسلسل الحُمق في ذرية : علىّ بن أبى طالب ) / أحمد صبحى منصور
- خَلْق الكون في مقاربته القرآنية! / جواد البشيتي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - خالد عايد - تنظيم داعش: من الصعود البربري إلى الانحدار الحتمي...إلى أين؟