أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبد الله أبو راشد - المُفكر والفيلسوف الأممي -صادق جلال العظم-: تذكرة وذكرى لمرور عابر في كينونته بلا رتوش















المزيد.....


المُفكر والفيلسوف الأممي -صادق جلال العظم-: تذكرة وذكرى لمرور عابر في كينونته بلا رتوش


عبد الله أبو راشد

الحوار المتمدن-العدد: 5680 - 2017 / 10 / 26 - 20:28
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


المُفكر والفيلسوف الأممي "صادق جلال العظم":
تذكرة وذكرى لمرور عابر في كينونته بلا رتوش
عبد الله أبو راشد*
استهلال
ما بين ولادة المفكر السوري "الأممي" والفيلسوف (صادق جلال العظم) في مدينة دمشق القديمة, تلك المدينة التي أحبها حُباً جماً ومنحها من روحة ومدارات وعيه وفكره ونقده الشيء الكثير. وما بين مدينة برلين الألمانية التي كانت موئله ومنفاه والمحطة الأخيرة في هجراته المتعددة قسراً يوم الحادي عشر من شهر كانون الأول- ديسمبر 2016 عن اثنين وثمانين عام, جسداً ناحلاً مسجى في حضرة الموت.
ثمة حكايات ماتعة تشي بحقيقة وجوده كإنسان ومواطن سوري له كامل الحق في المواطنة السورية والعالمية التي ينتمي إليها كمثقف أممي، أي "كوزموبوليتي". وهو الذي خرج من طوق اسرته الارستقراطية وطبقته المخملية وردة حرية حمراء دمشقية تزهو بذاتها المتحررة من ثقافة المجتمع الوراثية السائدة, متمرداً على موروثه ومكانه وعاداته وتقاليده ليندمج في واحة فكره ومساحة وعيه الفردي والجمعي في رسم معالم حريته المفتوحة على حوار العقل ونقده وتجلياته, وغير مكترث بعوامل التشكل الوراثي أو الموروث والتراثي المنقول والمنسوخ. خارجاً بذلك عن مدارات التربية الدمشقية الارستقراطية التقليدية المحافظة والمعروفة التي عاش في كنفها طفلا ويافعاً وشاباً طموحاً في منارات بحثه, ليُشكل عزفاً منفرداً في ميادين الفكر والفلسفة ومنطق العلم الجدلي وواحداً من فرسانها المميزين.
بما جادت عليها قريحته ومسارات وعيه وتفكيره النقدي والمُستدام في رؤية الأشياء والشخوص والمجتمعات, بما يبوح لسانه وقلمه في صراحة القول والرأي لا مواربة أو مجاملة أو مهادنه فيه لأحد, ومُنسجم مناقبه المعروفة ووضوحه في تفنيد الرؤى والمقولات المُعشبة بجواهر الأشياء المبنية على مفاتيح جدله وأبجدياته. جدله المسلح بالعلم والمعرفة المادية التاريخية, باعتبارها لسان حاله وترجمان عقله الموصول بقلمه وبحر علومه المستنيرة في هدى وميادين الماركسية الأنيقة التي أحبها وعشقها حتى لحظة وفاته.
توصيف المجاز القولي في المفكر الفيلسوف صادق جلال العظم
...ويصدق فيه المأثور الشعبي الذي يقول: "ثمة للكائن البشري له من اسمه نصيب" وقد تطابق اسمه (صادق) بسلوكه ومنارات وعيه, وكان وفياً لذاته وأفكاره وفلسفته الخاصة وجدليته ونقده وأساليبه في المحاورة والمعايرة والمقاربة وتقليب الأمور. لم يُغادر مخدعه المعرفي وفلسفته المادية التاريخية والوجودية العلمانية, ككائن بشري إنساني الرؤى والرؤيا وكمثقف نخبوي يساري الهوى والمُعايشة والممارسة والميول. موصولة بأيديولوجيته الماركسية- كما أسلفنا- بل أكثر من ذلك منحاز بكليته قولا وفعلاً وممارسة عملية ومُناصرة قولية وحسيّة وفكرية لثورة الكرامات العربية والعالمية والسورية خصوصاً منذ ربيع دمشق الأول, وصولاً لربيع سورية الحافل بالحكايات الحزينة والتي عزف نشيد انشادها أطفال درعا ودمشق وحمص وحلب وجميع المدائن السورية, رافضاً معهم جميع ممارسات النظام الأمني الأسدي الذي أضاع سورية وأدخل شعبها في متاهات الدم والقهر والاعتقال والتهجير والعيش في ظلمات الطغاة والقتلة باعتبارهم أعتى دكتاتوريات العرب المعاصر. فهو لم يدخل شرنقة النفاق النخبوي للفئات التي تتوهم أنها مُثقفة, تلك الشرائح الطفيلية المُشبعة بممارسات الخيانة البائنة لطبقتها وشعبها وبلدها. بل بقي أميناً لمعتقداته وأفكاره ولماركسيته وماديته وجدليته وعلمانيته التي مارسها سلوكاً وعلماً ينتفع به, ولساناً طافحاً بحقائق الأشياء والمكونات البشرية. كان ناقداً ايجابيا واضح البيان والرؤى والقسمات, خاض معاركه الفكرية في جدلية مفتوحة على المحاورة العقلانية, واحترام الذات وذات الاخر في الضفة الفكرية والفلسفية المعارضة والمقابلة. جدلية قائمة على ابجديته الحوار البناء والنقد الموضوعي في جميع القضايا الاجتماعية والفلسفية والفكرية والاعتقادية والسياسية, وأكثرها مواكبة للأحداث اليومية في المنطقة العربية عموماً وسورية على وجه التخصيص. كان ماركسياً بامتياز, مادياً جدلياً حتى النخاع. يقول كلمته الفصل والفيصل ولا يخشى فيها لومة لائم, ولا يُبالي بكثرة نقاده ومنتقديه وممن ناصبوه العداء الفكري والأكاديمي والمهني والأيدلوجي والشخصي حتى. كان واثقاً من ذاته ومعارفه وأفكاره وعلمه, عرف حدود وعيه بذاته ومجتمعه ومشكلات عصره الذي عاشه بطوله وعرضه, وبجميع تفاصيل الحكايات المشرقية في كامل زخرفها, وأساطيرها وأديانها وقداستها وكهنتها وأئمتها. كان ندّاً في المحاورة العقلانية, كاشفاً حقيقة الواقع وضروراته الوجودية وفلسفته ومدارات فكره وزبانيته وحدودها, وزيف المظاهر والتقاليد الاجتماعية والنفاق السياسي والفكري والثقافي من قبل المتوهمين بنخبتهم العربية, ناقداً بحرفية الأكاديمي وصنائعه جميع الأضاليل والملوثات الاجتماعية والأمراض النفسية والعقائدية التي درجت عليها بلداننا العربية وسوريا بلاد الشام خصوصاً.
نبذة عن حياته وسرته الذاتية:
كان وطنياً بالولادة والطبع والضرورة, وعروبياً بالمعايشة لقضايا أمته وفلسطين المنكوبة بخصوصية معاناة شعبها, ماركسياً في التوجه والعقيدة والأيديولوجيا. جعلت منه خلطة سورية دمشقية شامية أممية في جميع تجلياتها الفكرية وفلسفتها الوجودية والجمالية ومنبراً حراً من منابرها الفلسفية المعبرة عن حقائق الوجود, ومتغنية بجماليات المكان وما الواجب عليه أن يكون. عاشقاً من نوع عشاق مختلفين في مدارات عشقهم. هو باختصار مُفكر وفيلسوف سوري أممي كامل الندية والمواصفات.
ولد صادق جلال العظم في دمشق عام 1934, أتم دراسته الابتدائية في دمشق وتابع الثانوية في المدرسة الإنجيلية في صيدا (لبنان)، ثم حصل على درجة الليسانس في الآداب بامتياز من الجامعة الأمريكية في بيروت سنة 1957 (اختصاص فلسفة)، وأتم دراسته العليا في جامعة بال في أميركا، حيث نال درجة الماجستير في الآداب سنة 1959، ودرجة دكتور في الفلسفة سنة 1961 باختصاص الفلسفة الحديثة, شغل مناصب عدة في حياته، من أهمها أستاذ للفلسفة والفكر العربي الحديث والمعاصر في جامعة نيويورك والجامعة الأمريكية في بيروت, ثم عاد إلى دمشق عام 1962 ليعمل أستاذاً في جامعتها، قبل أن ينتقل للتدريس في الجامعة الأردنية في عمان, ثم أصبح سنة 1969 رئيس تحرير مجلة الدراسات العربية التي تصدر في بيروت, كما شغل منصب رئيس قسم الدراسات الفلسفية والاجتماعية في كلية الآداب بدمشق (بين عامي 1993-1998). عمل أستاذاً في جامعتي برنستون وهارفارد في أميركا، وفي جامعات هامبورغ وهومبولت وأولدنبورغ في ألمانيا، وفي جامعة توهوكو في اليابان وفي جامعة أنتويرب في بلجيكا, وهو عضو في أكاديمية العلوم والآداب الأوروبية, كما حاز على جائزة ليوبولد لوكاش للتفوق العلمي سنة 2004 والتي تمنحها جامعة توبينغن في ألمانيا .
مؤلفاته
أثاره الفكرية ومؤلفاته الفلسفية تدل على طول قامته المديدة ما بين أقرانه في العالم العربي كمفكر وفيلسوف له ما له من طلاب علم ومريدين, وكتب نحو ثلاثين مخطوط وكتاب فضلاً عن مجموعة كبيرة من الكتابات الصحفية والحوارات. نذكر أهمها وفي واحة معارفه الفلسفية العناوين التالية:
(نقد الفكر الديني (1969), الاستشراق والاستشراق معكوساً (1981), ما بعد ذهنية التحريم (1992), دفاعا عن المادية والتاريخ, في الحب والحب العذري, النقد الذاتي بعد الهزيمة, فلسفة الأخلاق عند هنري برغسون, دراسات في الفلسفة الغربية الحديثة, دراسات يسارية حول القضية الفلسطينية, الصهيونية والصراع الطبقي, زيارة السادات وبؤس السلام العادل, الآيات الشيطانية عند سلمان رشدي في سياقها الإسلامي (باللغة الإنكليزية), عسر الحداثة والتنوير في الإسلام (باللغة الألمانية), هل يقبل الإسلام العلمنة (باللغة الفرنسية), الأصولية الإسلامية، إعادة نظر (باللغة الإنجليزية), المشهد من دمشق: سورية وعملية السلام مع إسرائيل (بالإنكليزية), الإسلام والغرب اليوم (بالإنجليزية والألمانية), الآيات الشيطانية بعد أن هدأت الضجة (بالإنكليزية), الإسلام والعلمانية, ما العولمة؟).
جواهر فلسفته وأفكاره
لقد شكل كتابه (نقد الفكر الديني 1969) نقطة الانطلاق في مدارات بوحه الفكري والفلسفي ومسارات تفكيره وخروجه عن طوع القبيلة العربية, وموروثها التاريخي والحضاري واضعاً من خلاله ملاحظاته ومدوناته التي اتخذت حدة تعبيرية غير مألوفة في عالمنا العربي لاسيما فيما يتصل بالدين الإسلامي, حينما تصدى لمفاهيم الخرافة وأكد على ضرورة الفصل بين الديني والدنيوي وتصفية الأفكار الملتبسة حول وجود تصور ديني للكون ووجود مرجعية دينية للأفكار العلمية والفلسفية. وهي حالة غير مسبوقة وضعته في مكانة لا يُحسد عليها من هجوم الخصوم والأقلام, وتكفيره وتجريمه وإخراجه من الملة ووصمة بخصال لا تليق بمفكر وإنسان موضوعي في تصوراته وتحليلاته. ليستكمل أيضاً دائرة نقده الواضح بعد هزيمة الأنظمة العربية الرسمية في حربها مع الكيان الصهيوني في الخامس من حزيران عام 1967 في كتابه (النقد الذاتي بعد الهزيمة) والذي أرجع أسباب الهزيمة فيها للأنظمة العربية السلطوية الأبوية, وعرّى التناقضات الموجودة في رحم الواقع العربي، والتي تنتج هجيناً مشوهاً غير قادر على التجديد وبناء واقع مغاير. بمواجهة جريئة ومبكرة في ممارسة النقد الذاتي سياسياً وثقافياً ومجتمعياً، تجاه تلك السلطات الديكتاتورية متصدياً بالوقت نفسه للموروث الثقافي والسياسي واستبداده الماثل في بنية المجتمعات العربية المحكومة بركود مستمر تؤدي لزوماً إلى هزائم متكررة. وتعمد المكاشفة المفتوحة على ظواهر أساسية في واقعنا اليومي, قوامها جهل المواطن العربي بذاته وبالآخر تحت تأثير أوهام الأصالة وفضائل الخصوصية والانسحاق في أمجاد قديمة متوهمة بذاتها, واعتقادها الساذج بخروج العرب من التاريخ وتحيلهم إلى واقع جدير بالرثاء تنتصر فيه القبلية والعائلية والطائفية على حساب المصالح الوطنية.
العلمانية والديمقراطية منارات الرؤية
العلمانية والديمقراطية هما ميدانه التصوري لخلق مجتمعات ودول عربية أكثر عدالة ورخاء وإنسانية وتخلصاً من وعي الخرافة, ومقولات العودة للأصول الموصولة بميادين التخلف والنفاق الأخلاقي تحت غطاء الدين وتجييره لمصالح الحاكم الطاغية والدكتاتور والجائر وتبرير وجوده ومساعدته في تعميم ثقافة القهر والاستبداد بدعوى سلطاته الممنوحة من الله وأبدية كرسيه وتوريثه عبر أئمة النفاق الشقاق. ويرى أن الحلول المتاحة في خروج المجتمعات العربية من معابر جهلها وعبوديتها للحاكم الطاغي هي العودة أس المشكلة الموصولة بمفاعيل العقل والوعي الجمعي المجتمعي وممارسة العلمانية المتنورة المُقصية بطبيعة الحال لسطوة الحاكم والمتكئة على القبلية والعشائرية والطائفية والمعتقدات والأساطير الدينية والفصل التام ما بين الديني والدنيوي.
وهذا ما تتحه مسالك العلمانية وممارسة الديمقراطية والحرية المتاحة لجميع الأفراد بوطن واحد يجمعهم بوتقة المواطنة السليمة من النواقص والأمراض والعيوب. ويرى أن من ميزات العلمانية والديمقراطية أيضاً أنهما توفران أرضية محايدة لتلتقي عليها المذاهب والعقائد الدينية المتنافرة والاقصائية بطبيعتها، وبحيث تتمكن من التعامل مع الفضاء العام والشأن الوطني والساحة السياسية الجامعة. ويستمد مناهل وعيه في مضامينها النظرية وتطبيقاتها العملية ومن وحي مرجعياته الفكرية المُسترشدة بالنظرية الماركسية, لاسيما في ماديتها الجدلية والتاريخية. والتي يميز فيها ما بين مفهوم العلم وفصله عن الدين, وكذلك فصل الدولة عن الدين. وقد بقي مُحافظاً على أفكاره وثباته في خوض معاركه مع جميع الذين ناصبوه العداء في فكره وشخصه وإنسانية وحريته. سواء أكانوا أفراد أو أنظمة طاغية وديكتاتورية ومستبدة.
مواقفة المُعلنة من الربيع العربي وسورية خصوصاً
لقد كان "صادق جلال العظم" منحازاً تماماً لثورات الربيع العربي في جميع دولها من تونس مروراً بمصر وليبيا واليمن وصولاً إلى سورية, وله فيها كتابات وتصريحات ومقابلات عديدة وواضحة لا لبس فيها مواقفه وتصريحاته وأراءه ومبرراته في هذا الانحياز, وتمايزه عن كثير من اليسارين والعلمانيين والماركسيين والشيوعيين ممن جايلوه وشاركوه في مواقفه السابقة والمعلنة أيضاً اثناء ربيع دمشق في العام "2000 ".
مقتطف من أقوال صادق جلال العظم في ثورة الكرامة السورية
"الثورة السورية هي تصفية حسابات لسورية مع نفسها ودفع فواتير متأخرة عن ما سبق لنا من تقاعس وتخاذل وصمت وجبن سوري. الانتفاضة الشعبية السورية تسعى لاستعادة الجمهورية عبر الإطاحة بنظام وراثي قديم مفروض ومهترئ بأجهزته كلها، وإحلال نظام حكم جديد ومغاير محله. نعم، أخشى الإسلام السياسي بعد سقوط النظام وقبله. في ثقافتنا ومجتمعاتنا ما يكفي من العناصر السلطوية والتسلطية والسلبطجية والأبوية, والأبوية المحدثة والثأرية، بما يجعل إعادة إنتاج نظام الاستبداد مجدداً، بصورة أو أخرى، احتمالاً وارداً ومخيفاً. يقوم معذبو الأرض السورية بثورة على حكم وحزب وطغمة عسكرية– مالية أمنية متسلطة وعلى قيادة وزعامة “وطنية” أبديتها من أبدية الآلهة. إذا أوصلتنا الثورة بصورة ما، إلى صناديق الاقتراع، سأعتبر أن حقي قد وصلني كمواطن".
"بالنسبة لسوريا الجديدة، فإن أهم ما يمكن للمثقفين أن يفعلوه بداية، هو التخلص من شيء اسمه وزارة الثقافة، ومن شيء آخر اسمه وزارة الإعلام، ثم تشكيل هيئاتهم الثقافية ومنتدياتهم الأدبية وحلقاتهم الفكرية واتحاداتهم المهنية المستقلة ذاتياً كلها وإدارتها جميعاً بغير تبعية لأحد أو هيمنة لطرف. بعد ذلك، هناك ما هو متعارف عليه من قيم الدفاع عن حرية الفكر والضمير والتعبير والإعلام وتداول المعلومات التي يجب الحرص عليها بشدة والتي عانينا معاناة فظيعة بسبب سلبها واحتكارها وغيابها. بعدها، على المثقفين أن يجودوا بأفضل ما عندهم ولديهم ويقدموه للناس في كل مكان، حتى يبقى المثقف في سوريا الجديدة مالئاً للدنيا وشاغلاً للناس. وبالفعل، ملأ المثقفون السوريون الدنيا وشغلوا الناس أثناء «ربيع دمشق» على قصره. فعلى الرغم من عقود سورية– بعثية– مخابراتية طويلة من الرقابة والحظر والمنع والمصادرة للمطبوعات والكتب والمجلات وتمزيق الصحف والجرائد وطمس كلمات في المعاجم والقواميس وسيطرة وسائل إعلام وثقافة رسمية واحدة موحدة في سوريا ذلك الزمان، أثبت المثقفون، عبر ما أنتجوه من كتابات ووثائق وتحليلات وتعليقات وانتقادات ومقالات، في فترة «ربيع دمشق»، أنهم أبناء الحاضر بكل معنى الكلمة أسلوباً ومعنى ومحتوى، وأنهم لم يتأخروا لحظة واحدة عن عصرهم وزمنهم وعالمهم الأوسع بتطوراته ومتغيراته كلها. كما أثبتوا أن هذه السنوات الطويلة من سياسة الرقابة والمنع لم تؤثر فيهم بشيء أو تمنع عنهم شيئاً له علاقة بثقافة العالم وفكره وفلسفاته وسياساته وأخباره الأخرى. وليتبين، في التحليل الأخير، أن السنوات المشؤومة إياها ذهبت هدراً وسدى وكأنها لم تكن بالنسبة لسلطات الرقابة الحاكمة. ولأكون واقعياً، أقول أنه إذا تحقق 25-30 بالمئة فقط من هذا كله في سوريا الجديدة، تكون سوريا، عندئذ، قد حققت تقدماً هائلاً وقفزة كبيرة إلى الأمام. ملاحظة جانبية: عندما نتكلم عن الفعل الثقافي وفاعلية الثقافة، لا بد من أن نأخذ الأمر على الموجة الطويلة، وليس بمناسبة حدث ما بعينه حتى لو كان ثورة عارمة، لأن الفعل الثقافي تراكمي اجتماعياً وبطيء تاريخياً، ولا تظهر نتائجه النوعية إلاّ متأخرة. عندما تابعت ما كان يجري في ميدان التحرير في القاهرة وفي الميادين العربية الأخرى الشبيهة به، ودققت في الشعارات المرفوعة والمطالب المطروحة والأهداف المطلوبة والأشواق الفائضة، وسمعت كلمات وعبارات صادرة عن هذه الجموع الشابة مثل: الكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية والدستور والتسامح الديني والمجتمع المدني وحقوق الانسان، فكرت فوراً بالفعل الثقافي التراكمي الذي فعلته سلسلة طويلة من المثقفين والأدباء والمفكرين وأساتذة الجامعات تمتد، لربما، من أحمد أمين إلى عبد الله العروي ومحمد عابد الجابري، مروراً بـ طه حسين وفؤاد زكريا وزكريا ابراهيم ولويس عوض وزكي نجيب محمود ونصر حامد أبو زيد، وفي سوريا تحديداً بـ جميل صليبا وأنطون مقدسي وأديب اللجمي وعادل العوا وياسين الحافظ والطيب تيزيني، إلى آخر اللائحة الطويلة جداً.
• باحث وكاتب فلسطيني سوري.











أهم مصادر ومراجع البحث:
الكتب:
1- صادق جلال العظم - نقد الفكر الديني (1969) نسخة بي دي اف.
2- صادق جلال العظم - النقد الذاتي بعد الهزيمة. نسخة بي دي إف.
3- صادق جلال العظم - ما بعد ذهنية التحريم (1992). نسخة بي دي إف.
المواقع الإلكترونية:
1- موقع ويكيبيديا- الموسوعة المصغرة.
2- موقع رصيف 22.
3- موقع اكتشف سورية.
4- موقع الحوار المتمدن.
5- صفحة الراحل صادق جلال العظم في موقع الحوار المتمدن في مواضيعها التالية:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
2016 / 11 / 24
5351
العلمانية والمسألة الدينية
1
مقابلات و حوارات
2013 / 4 / 22
4070
للمثقفين دور في الثورة بعيداً من الشارع... وأدونيس لا يعرف متى يدافع عن الديموقراطية
2
مقابلات و حوارات
2013 / 1 / 25
3983
في شأن الثورة ودور المثقف
3
مواضيع وابحاث سياسية
2011 / 7 / 31
3443
الثورات الراهنة تقطع مع الأنظمة العربية المستبدة...
4
مواضيع وابحاث سياسية
2011 / 5 / 21
3372
بعض السمات العامّة التي تحكم انتفاضات منطقتنا...
5
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
2010 / 6 / 20
3039
الدولة العلمانية والمسألة الدينية : تركيا نموذجًا
6
مقابلات و حوارات
2009 / 10 / 5
2790
التصوّر الدينيّ الأصوليّ لمجرى التاريخ ... انحداريٌّ (1-2)
7
مقابلات و حوارات
2009 / 8 / 25
2749
العرب وإنتاج الديمقراطية
8
مقابلات و حوارات
2009 / 8 / 24
2748
لا يوجد سر للاستشراق بل دول صاعدة تتوسع وتستعمر وتهيمن
9
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
2009 / 8 / 23
2747
تأسيس أحزاب علي أساس ديني أو طائفي لا يقل خطورة عن العودة إلي النازية
10
سيرة ذاتية
2009 / 8 / 22
2746
تقديم ذاتي ما
11
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
2009 / 8 / 21
2745
العلمانية من وجهة نظر صادق جلال العظم (٢)
12
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
2009 / 8 / 20
2744
وجهة نظر صادق جلال العظم في العلمانية (1)
13
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
2009 / 8 / 19
2743
إدوارد سعيد سياسيّا في كتاب الاستشراق
14
مقابلات و حوارات
2007 / 10 / 23
2077
التحوّلات في الخطاب الإسلامي تكتيكيّة وتملّقيّة
15
مقابلات و حوارات
2007 / 8 / 19
2012
العلمانية هي البديل عن الحرب الأهلية في العالم العربي
16
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
2007 / 8 / 18
2011
ان بإمكاني التوقيع على عريضة لرفع الاحكام العرفية للعسكر، لكن من يجرؤ على توقيع عريضة لرفع الاحكام العرفية التي تفرضها الشريعة الاسلامية ؟-
17
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
2004 / 5 / 24
843
مداخلة لمؤتمر -الحداثة والحداثة العربية- - هاملت والحداثة العربية
18






أضواء على تاريخ ومكانة الحركة العمالية واليسارية في العراق،حوار مع الكاتب اليساري د.عبد جاسم الساعدي
الرأسمالية والصراع الطبقي، وافاق الماركسية في العالم العربي حوار مع المفكر الماركسي د.هشام غصيب


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ورقة عمل حول: -إشكالية الدين والعلمانية في إقليم الشرق العرب ...
- الكذب لدى العربان: هل هو ثقافة أصيلة أم دخيلة؟
- الرئيس -دونالد ترامب- الخامس والأربعين للولايات المتحدة الأم ...
- محمد دحلان رئيساً مُحتملاً للسلطة الفلسطينية بالإكراه
- مهزلة طروحات النقاط العشر الفلسطينية بدثار إسلامي
- الولايات المتحدة الأمريكية ومسارات الربيع العربي
- نقاط الدكتور ناصر القدوة العشر: تُرى هل هي استمرار لنهج وسيا ...
- ما بين الشيخين سمير قنطار وزهران علوش: القتلة وجوه لعملة واح ...
- تأملات في عصر الصورة العولمية وموقع الفن التشكيلي العربي فيه ...


المزيد.....




- ما يمكن أن نتعلمه من أعظم خطابات حفلات التخرج في كل العصور
- خطاب ستيف جوبز في ستانفورد الأكثر مشاهدة على -يوتيوب-.. ما ا ...
- كتاب القسام تعلن إطلاق صاروخ عياش-250 صوب مطار رامون بإسرائي ...
- كتاب القسام تعلن إطلاق صاروخ عياش-250 صوب مطار رامون بإسرائي ...
- لابيد المكلف بتشكيل الحكومة الإسرائيلية الجديدة: ما نشهده هو ...
- صور غير اعتيادية لكوكب المشتري
- غانتس: لا سقف زمنيا لعمليتنا في غزة وسنواصل توجيه الضربات حت ...
- مصر.. سمية الخشاب تعلق على صورتها المثيرة للجدل مع محمد رمضا ...
- إذاعة: حريق في مصنع كيميائي في ضواحي باريس ومخاوف من تلوث ال ...
- زوجا أحذية لمايكل جوردان يباعان بـ126 ألف يورو


المزيد.....

- التحليل الماركسي للعرق وتقاطعه مع الطبقة / زهير الصباغ
- البحث عن موسى في ظل فرويد / عيسى بن ضيف الله حداد
- »الحرية هي دوما حرية أصحاب الفكر المختلف« عن الثورة والحزب و ... / روزا لوكسمبورغ
- مخاطر الإستراتيجية الأمريكية بآسيا - الجزء الثاني من ثلاثة أ ... / الطاهر المعز
- في مواجهة المجهول .. الوباء والنظام العالمي / اغناسيو رامونيت / ترجمة رشيد غويلب
- سيمون فايل بين تحليل الاضطهاد وتحرير المجتمع / زهير الخويلدي
- سوريا: مستودع التناقضات الإقليمية والعالمية / سمير حسن
- إقتراح بحزمة من الحوافز الدولية لدفع عملية السلام الإسرائيلى ... / عبدالجواد سيد
- مقالات ودراسات ومحاضرات في الفكر والسياسة والاقتصاد والمجتمع ... / غازي الصوراني
- استفحال الأزمة في تونس/ جائحة كورونا وجائحة التّرويكا / الطايع الهراغي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبد الله أبو راشد - المُفكر والفيلسوف الأممي -صادق جلال العظم-: تذكرة وذكرى لمرور عابر في كينونته بلا رتوش