أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبد الله أبو راشد - ورقة عمل حول: -إشكالية الدين والعلمانية في إقليم الشرق العربي-















المزيد.....



ورقة عمل حول: -إشكالية الدين والعلمانية في إقليم الشرق العربي-


عبد الله أبو راشد

الحوار المتمدن-العدد: 5618 - 2017 / 8 / 23 - 19:12
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


﴿ وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ﴾ "
سورة التوبة: 105 "
"خطوة عملية أفضل من دزينة برامج"
. كارل ماركس"

استهلال مفتاحي وهدفية البحث:
أقل ما يُقال في التعاطي مع بحث "إشكالية الدين والعلمانية في إقليم الشرق عموماً والعربي على وجه التخصيص", أنها محفوفة بالمخاطر وبمنزلقات التلقي والفهم القاصر لآليات البحث وموضوعيته, واستقلاليته بعيداً عن لواعج النفس الأمارة بالسوء, والتفكير الأصولي آحادي الجانب. وهي إشكالية قائمة ومُتجددة وليست مرهونة بفحوى النصوص الدينية ولا مفاعيل الأفكار واجتهادات المفكرين والباحثين, ولا بإحالاتها الدلالية ومفاهيمها المطروقة والمتداولة سواء المرتبطة النصوص الدينية أو الأيديولوجيات المطروحة. بل المشكلة متوالدة ومتناسلة عبر صيرورة الزماني والمكاني والفكري والثقافي والإنساني ومتغيراته, وكامنة في الكيفية المتوارثة في التعامل معها وفق أساليب مُقاربتها للحواضن التاريخية والثقافية والحضارية والمجتمعية البشرية, وتتبع آليات الممارسة العملية والتنفيذية لمفاعيل النصوص الدينية والأفكار, والتي تخرج خروجاً فاضحاً عن جوهر الدين وتجلياته, وتُعطي للسياسة وللسلطة والخلافة والإمامة, جلّ وقتها واهتمامها بعيداً عن دعوات الدين الإيمانية والجوهرية. وتسير عكس التيار والاتجاه الصائب, وتقتضي بشكل ما أو بآخر ضرورات معابر المنافع الوجودية والمُشتركة الواجب توفرها لدى جميع البشر بلا عصبية قبلية وطائفية ولا عنصرية. لتنمو وتزدهر في واحتها وبجميع مكوناتها ومتآلفاتها التفاعلية, توافقاً أو تعارضاً وحتى تناقضاً وتفنيداً في مدلول المختلف والمؤتلف الديني والعلماني, والمتجلية في إطار شرائح اجتماعية وطبقات ومجتمعات وحكومات, ودول وسلطات تواكب تطور ذاتها وارتقاءها وبمخاضها ومجرتها الحياتية. والتي كانت وما زالت تُبقي مفاعيل المعادلة الموضوعية والجدلية والبحثية والمفتوحة أبداً على الحوار وتلاقح الأفكار حيناً, وعلى خوض الصراع الداخلي للمجتمعات والدول والحكومات أو الصراع الخارجي ما بين الدول من كيانات وثقافات متباينة في كثير من الأحيان. صراعات تُساهم في جعل إقليم الشرق شرقاً مُحافظاً ومنغلقاً على ذاته ومجتمعه وإقليم الغرب غرباً منفتحاً على مجتمعاته ودوله وحكوماته.
وجدير بالقول أيضاً, أن المُعتقد الديني ما بين الشرق والغرب يلتقيان في نقطة واحدة ومنطلق تفكيري واحد أيضاً, كمحدد أساس من محددات بداية التكوين كمرجعية جوهرية لتشكل أنماط الوعي المعرفي بالذات والمحيط والمعتقد الديني والأيديولوجي, والمربوطان بحبل سري لكل منهما في وجهته وضروراته وتجلياته القولية والسلوكية, والذي يُشكل الدين المجال الحيوي الزماني والمكاني والإنساني, والمُعبر عن أخلاقياته وتصوراته عن المجهول والمُبهم وعن الله والخلق والخالق ومسارات التكوين للطبيعة والإنسان. وبالتالي مُحاولة رسم معالم صوريّة غرائبية في طقوس ومظاهر سلوكه ومخيلاته الجامحة للصور والمرئيات المُستعارة من فضاء الحلم تارة, والواقع تارة اُخرى. وتعكس الرؤى والرؤيا في المُشتهى الفردي والنزوع الشخصي في بلورة الذات المنغلقة والمنفتحة, وصونها والمحافظة على مصالحها الوجودية المصبوغة بجبلة الوراثة المتناقلة ما بين الأجيال, ومحكومة بالقصص والروايات والأساطير الممجدة للإنسان في ظلال الرؤى المقدسة والقدسية والتقديس وفيها من الدين والتدين والعلمانية الشيء الكثير.
وبالتالي نجد لأهدافنا المشروعة في تناول هذه المسألة الإشكالية حقاً والمُتجددة على الدوام في متواليات الزمن المتعاقب: (إشكالية الدين والعلمانية في إقليم الشرق) والشرق العربي بطبيعة الحال, ثمة فرصة مُتاحة تُضاف لمجموعة من سبقنا في هذا الاتجاه. ولعل ورقة بحثنا هذه غير مفصولة البتة عن إشكاليات هذه المعادلة الجدلية والتفاعلية والحوارية ما بين "الديني - العلماني" في بقية الأقاليم من مشرق العالم ومغربه. وهي مُجرد فسحة من التأمل والتفكّر والمقاربة الفلسفية والتفكيرية في المُتفكّر به, ما بين مجموعة متآلفات ومتعارضات ومتناقضات وموصولة أيضاً, بمتعة البحث والكشف والتحليل والربط الجدلي ما بين مكونات الإنسان وتجلياته, وصولاً إلى توحيد الرؤى والرؤيا ما بين جميع المتناقضات والمتعارضات والتي يُشكل الإنسان حجر الزاوية والأساس فيها, بوصفه جوهر الوجود المجتمعي الإنساني أولاً وأخيراً. وأنه أغلى راس مال وجودي في المعمورة وشرط جوهري في عمليات الربط والكشف والمقاربة سواء أكان فرداً أو مجموعة أفراد في كثير من الأحوال, وباعتباره كائن عاقل وناطق وفاعل وعامل وله مهمته ودوره الوظيفي في ثنائيات وجوده الروحي والمادي القائمة على: "العبودية لله". والتي لا تتعارض او تتناقض مع مكانته كوريث الله في الأرض ومُكلف بعمارة الأرض والطبيعة والإنسان, وصلاحها والانتفاع المشروع في خيراتها المادية والروحية وقيمها الوجودية في ظلال صيرورة الإنسان السابق واللاحق, والموصول بفطرته وقدراته وكفاياته الممنوحة وخبراته, والإفادة من مبتكراته وتسخيرها جميعها لخدمة استمرار وجوده من أجل صناعة حياة أفضل لبني آدم الإنسان.
إشكالية الدين والعلمانية في مدارات المفهوم والأليات:
بداية, لا بدّ من مُقاربة فكرية وفلسفية ما بين كل من مفهومي الدين والعلمانية في إقليمي الشرق والغرب على حد سواء, والعربي منها خصوصاً في ضوء جملة من التفاعلات البينية ما بين الشعوب والمجتمعات والدول والحكومات والأقاليم المتعددة, وعلاقته مع بقية الأقاليم الأعجمية والأوربية على وجه التخصيص, والتعرض إلى مفهوم كل منهما في الأدبيات الفكرية والاجتهادية العالمية والمتفق بشأنها. ولا بدّ من الاعتراف البدئي بأن العلمانية جملة وتفصيلا هي مفردة ومفهوم غربي خالص, ويُعبر عن مسألة غربية خالصة أيضاً, وتقوم على الرفض الصريح والتمرد على سلطة رجال الدين وليس لديها أي عداء مع الدين. بينما نرى المفهوم العربي المشرقي للدين والعلمانية يسلك طرق ومفاهيم واتجاهات مغايرة تماماً عما هو في الغرب الأوربي وسواه, ويُمكننا تناول كل منهما وفق ما يلي:
مفهوم الدين (Religion):
يصف علماء الاجتماع، الانسان بأنه الكائن الثقافي المتديّن بالطبع، وذلك لكونه فريد في مقدرته على النطق والكتابة والتفكير، وتطوير عالم الأفكار الثقافية والروحية. وهو بحسب علماء الاجتماع (الأنثروبولوجيا)، ميال بغريزته الى أن يكون صاحب ديانة ومُعتقد أو نظام روحيّ. ولذلك يجب الحرص على فهم الانسان من هذا المنطلق، وعدم تهميش الجانب الثقافي والروحي فيه، وعدم تجريده من الحرية في التفكير والتعبير عن نفسه، واقصاءه عن الامور الثقافية والروحية. ويرجع تاريخ نشوء الاديان والمعتقدات الروحيّة لدى الانسان منذ بداية وعيه بذاته وبشعوره الانساني, أي منذ أن كان يعيش في تجمعّات اجتماعية في الكهوف والمغارات. حينما بدأ يسال عن معنى الوجود والكون والزمن، وعن علاقته بكل ما يُحيط به من التراب والماء والنار والأرض والشمس والقمر والنجوم، وكل أنواع الحيوانات والكائنات الحيّة الاخرى.
ويؤكد بدوره علم الآثار رؤيته في ذات السياق: أن الشعوب البدائية كانت متديّنة جدا، بدليل الأنصاب والرسوم الدينية والمقابر والتعاويذ التي تركتها، وتتوافق مع ما قاله الفيلسوف الروماني (شيشرون): "ليس من أمة مهما توغلت في التوحش، إلا ولها إله تعبده حتى ولو جهلت من تعبده, إذ قد توجد مدن لا بيوت فيها ولا حصون لها، ولكن ليس هناك من مدينة بدون بيوت للعبادة". وهذا ما يدعونا الى الاستنتاج بوجود دليل على وجود الدين منذ بدايات الإنسانية. ولقد اهتمت معظم الاديان منذ نشأتها بأن الشعوب جميعها تؤلف أسرة واحدة، لأنهم جميعهم من أصل واحد، ولهم جميعهم غاية قصوى واحدة، وهي الله الذي يبسط على الجميع كنف عنايته وآيات لطفه ومقاصده في خلائقه ومخلوقاته والادمية خصوصاً.
فالدين إذن فطرة في الانسان، أو هو غريزة مشتركة بين جميع الأجناس البشرية. يصفه البعض بأنه الشعلة المضيئة في كيان الانسان الذي أوحى له بالشعر والموسيقى والنحت والغناء وبكل أنواع الفنون. والحقيقة التي لا يمكن إنكارها, أنه لا شيء يقوم مقام الدين في إقامة الحجة القوية لدى الإنسان لتعليمه الشعور والإحساس بالواجب تجاه الآخر والطبيعة والكون، وبما يستطيع أن يُقدمه من الخدمة في المجالات المختلفة. ويُمكن اعتبار الدين على أنه الاسم الحركي لهذه الفطرة والمجال الحيوي للتفكير الشعبي والجمهور البشري والإنساني والذي يعني لهم أنه: "اسمٌ لجميع ما يُعبد به الله جلّ وتعالى", سواء اكان مُتجل باديان التوحيد اليهودية والمسيحية والإسلام أو سواها من المعتقدات والأيدولوجيات.
فالأديان جاءت في معظمها لتؤكد هذه المفاهيم، بالإضافة الى تأكيدها على أنها أنظمة روحية وخلقية بَشّر بها الرسل والانبياء، الذين وضعوا لها الأسس والتشريعات، لكي تبقى ذخرا حيّا للعالم أجمع. فهي لم تأتِ إذن لتحط من قيمة الانسان وطموحاته، بل لتسمو به، ولتحفظ كرامته وكرامة الانسانية. ولهذا يصف بعض العلماء (الاديان): بكونها، المرآة التي تنطبع عليها القيّم الروحية والثقافية للشعوب بأجلي صورها. وبمثابة الحدقة من العين التي ترتسم عليها صور الحقائق التي توليها الاهتمام.
الديانات السماوية الإبراهيمية (الإسلام واليهودية والمسيحية):
هي الديانات الواردة من متن الكتب الدينية السماوية المنزلة على الرسل والأنبياء في أديان التوحيد الثلاثة: ( التوراة- موسى, الإنجيل-عيسى, القرآن الكريم - محمد صلوات الله عليه وسلم). والدين في إقليم الشرق عموماً والعربي خصوصاً هو الدين الذي اتى به النبي محمد صلوات الله عليه وسلم والذي جبًّ ما قبله. وهو الدين المهيمن في شمال أفريقيا والشرق الأوسط وجنوب آسيا وهو ثاني الديانات في العالم من حيث عدد المعتنقين بعد المسيحية. حيث يؤمن المسلمون أن الإسلام آخر الرسالات السماوية هو ناسخ لما قبله من الديانات؛ كما يؤمن المسلمون بأن محمدًا رسول من عند الله، وخاتم الأنبياء والمرسلين؛ وأن الله أرسله إلى الثقلين (الجن والإنس). ومن أسس العقيدة الإسلامية: " الإيمان بوجود إله واحد لا شريك له هو الله"، وكذلك الإيمان بجميع الأنبياء والرسل الذين أرسلوا إلى البشرية قبل النبي محمد عليه الصلاة والسلام، كالنبي إبراهيم ويوسف وموسى والمسيح عيسى بن مريم وغيرهم كثير ممن ذكر في القرآن أو لم يُذكرهم، وأنهم جميعًا كما المسلمين، اتبعوا الحنفية، ملة النبي إبراهيم، والإيمان بكتبهم ورسائلهم التي بعثهم الله كي ينشروها للناس، كالزبور والتوراة والإنجيل.
والمُفيد ذكره, إن أشهر المذاهب الفقهية في الدين الإسلامي هي المذاهب الأربعة المعروفة وهي بحسب الترتيب التاريخي: المذهب الحنفي والمذهب المالكي والمذهب الشافعي والمذهب الحنبلي، وتُسمى هذه المذاهب بمذاهب أهل السنّة، بالإضافة لمذاهب الشيعة كالمذهب الجعفري والمذهب الإسماعيلي والمذهب الزيدي، وكذلك المذهب الأباضي.
الأسلمة السياسية والأصولية والعشائرية والطائفية
لقد خاض المسلمون من أصحاب " الأسلمة السياسية" الوضعية والتأويلية في مشارق الأرض ومغاربها لاسيما في منطقة شرقنا العربي وجواره, حروباً ضروس وصراعات دامية منذ عشرات السنين جوهرها الصراع على السلطة وتسلم مقاليد الخلافة والإمامة ولا شيء آخر. وأجدها مجرد أيديولوجيات أصولية طائفية من صنع البشر. وضعت الإسلام والمسلمين في خانة الشعوب والأمم الأكثر تخلفاً, وأتاحت للقاصي والداني الفرصة للانقضاض على خيرات الوطن العربي المادية والبشرية والروحية والتاريخية والحضارية بوصفهم جماعات متوحشة, وأفسحت المجال للمُستعمر الأعجمي بوصفهم بتهم الإرهاب. والتي نعيش فصولها المأساوية الحالية في أكثر من مكان من إقليم الشرق, وبالتالي تعميق الهوة والإشكاليات الدينية السياسية ذات اللون الطائفي, وبروز أجندات سياسة وأيديولوجيات مارقة وعابرة في اثواب أسلمة سياسية حاقدة ومتوحشة, مُكرسة لحروب طائفية متعددة الأهداف والخلفيات وما نشهده في واقعنا المُعايش بمثل هذه الأصوليات القاتلة لاسيما في دول الربيع العربي.
التيارات الإصلاحية في إقليم الشرق:
لقد عرف إقليم الشرق تيارات وأفكار ومفكرين إصلاحيين, يسعون إلى تجديد الخطاب الديني الإسلامي لاسيما بعد النجاحات التي حققتها عصور التنوير الأوربي من فصل الدين عن الدولة وتكريس اشكال جديدة ومتجددة لأنظمة الحكم والثقافة المجتمعية السائدة التي تحفظ للجميع الحريات الشخصية في ممارسة الديمقراطية بأشكالها وصورها العملية المتعددة. وظهرت العديد من الحركات الإصلاحية على مدار التاريخ الإسلامي. فقد كانت الهند ومصر سباقة في هذا الاتجاه. وجدت لها في منتصف القرن التاسع عشر حركات إصلاحية مثل:" العلمانية والأسلمة السياسية والسلفية" كردة فعل للتغيرات السريعة في ذلك الوقت على الانجازات المشهودة والمُتحققة في الحضارة الغربية والاستعمار وأفعاله ومؤثراته في العالم الإسلامي. وهي المرحلة التي شعر فيها المسلمين بأزماتهم والتنبه لنوازع جمودهم الديني وتخلفهم الاجتماعي, وعدم قدرتهم على اللحاق بركب الحضارة والثقافة والتقنيات الغربية العابرة للقارات. حيث لجأ بعض المُفكرين والمُصلحين الإسلاميين الى الوعي المجتمعي بالحالة الغربية ومحاولة مواكبة تطورها وازدهارها وتقدمها في جميع المجالات والميادين الحياتية والفكرية والثقافية وسواها. والبحث عن طرق وأساليب التفكير الإصلاحي المُتجدد في الخطاب الديني والتوجه نحو تبني نظريات الغرب العلمانية والنظر في فكرة فصل الدين عن الدولة. لكن الجمود والتحجر بقي له ظلال في تلك المجرة الإصلاحية. وقد كان رأي بعض علماء الدين أن الإسلام غير متعارض مع التقدم، إنما أفكار دخيلة ووضعيات اجتماعية معينة هي من ساعد على ظهور هذا التخلف في العالم الإسلامي, ويلتقي هذا التيار الإصلاحي مع التيار الوهابي في تنقية العقيدة من البدع والخرافات، ويتجاوزه على صعيد الانفتاح على العصر، والنزوع نحو التجديد في الدين والفكر واللغة، أي أنه يجمع بين التمسك بالثوابت والأصول، مع ترك مساحة للمتغيرات بحيث تستوعب واقعنا المعاصر.
وكان من أهم أعلام هذا التيار جمال الدين الأفغاني الذي كان يميل إلى الأسلوب الثوري لمقاومة الاستعمار الغربي للدول الإسلامية، ومحمد عبده الذي اتخذ أساليب سلمية تكوين أجيال تحمل الدعوة وتنشر التربية الإسلامية، حتى لو اضطرها ذلك لمهادنة ومداهنة الاحتلال ما دام ذلك يدرأ المفاسد. وقد سارع كل من محمد عبده ورشيد رضا للدفاع عن الإسلام وتحديثه لمواكبة المؤسسات الغربية والمؤسسات الاجتماعية في أواخر القرن التاسع عشر. كان هذا المشروع يسعى إلى نشر مجموعة واسعة من المعرفة الإسلامية التي كانت قد تراكمت في سياق عبر متواليات القرون. على الرغم من أن تلك الجهود كان لها تأثيرات قليلة في البداية لكنها اكتسبت زخما مع زوال الخلافة العثمانية في عام 1924وانتشار العلمانية الليبرالية لاسيما مع جيل جديد من المفكرين والمثقفين والكتاب الذين تبنوا العلمانية الليبرالية أو القومية العربية. ففي مصر ظهر الدكتور علي عبد الرزاق الذي كتب "الإسلام وأصول الحكم"، التي دعا فيه إلى الفصل بين الإسلام والدولة. وبعد ذلك الكتاب، ظهر كتاب علمانيين آخرون كطه حسين ومحمد سعيد العشماوي ومحمد خلف الله أحمد وفرج فودة وحسين أمين وغيرهم من المفكرين والمثقفين والكتاب المعاصرين والإصلاحين الذين يعتقدون أن الإسلام هو ليس أيدولوجية ولكنه دين لا يقدم نموذجاً محدداً لحكم الدولة، ويجادلون أنه لم توجد أية معارك في التاريخ الإسلامي من أجل فصل بين الدين والدولة، لأن رجال الدين كانوا دائما كيانا مستقلا عن الحكام على عكس المسيحية. وكثير منهم يدعون إلى الاستفادة من النموذج الغربي في الحياة السياسية، خاصة في نواحي العلمانية والليبرالية والديموقراطية. ونذكر من الإصلاحيين المسلمين والمُجددين على سبيل المثال: (جمال الدين الأفغاني, محمد عبده, رفاعه الطهطاوي, السيد أحمد خان, عبد الرحمن الكواكبي, محمد رشيد رضا, علي شريعتي, خير الدين التونسي, محمود شلتوت, حسن البنا, جمال البنا, محمد الغزالي, محمد البشير الإبراهيمي, راشد الغنوشي).
هذا الأمر يقودنا باختصار للقول: أن المنظومة المجتمعية الإنسانية التي سارت عليها البشرية في مشارق الأرض ومغاربها, لم تك على مستوى تفاعلي واحد مع أديان التوحيد ودعواتها الصريحة للتدين ومزاولة السلوك الأخلاقي من أجل مصالح الجميع وتقاسم المنافع والمصالح وخيرات الطبيعة ومنتجات الأرض والانسان. وكثيرا ما كانت الكتب الدينية في واد والممارسات التطبيقية في واد آخر. وفي حالتنا العربية قد تعرض مفهوم الدين منذ فجر التاريخ وتشكل المجتمعات البشرية لسطوة " امتلاك السلطة والرياسة" والتي وسمت جميع الحكام العرب منذ الحقبة الأموية وحتى يومنا المُعايش. وبقيت كذلك بالرغم من تغيير أشكال وانظمة الحكم العربية المتعاقبة وبمختلف المناهل الفكرية والفلسفية والأيديولوجية. بقيت سلطة الحاكم " الفرد" المؤله والمقدس سارية المفعول في دولنا ومجتمعاتنا العربية بحاشيته وأزلامه ومقدرتهم القهرية على تطويع شعوبهم وخيراتهم المادية والروحية والبشرية خدمة مجانية لمأربه الخاصة والشخصية جداً. ومن خلال تشكيل بطانة تحت مظلة الدين والتدين والزعم بسلطته الموصولة بسلطة الله على الأرض, والتي يروج لها ثلة "علماء السلطان" أو "مثقفي النخب" في حالة الدولة العربية العلمانية. الذين يباركون أعماله ويبررون أفعاله, ومحاولاتهم المُضلة في عماء الناس وتعميتهم سواء من خاصتهم أو عامتهم. وتسخيرهم جميع الخيرات المادية والبشرية لمنافعهم ورغبات الحاكم المتسلط واستمرار وجوده وعائلاته وتوريثه وحاشيته, كحاكم مُطلق الصلاحيات والمتناسبة مع ميوله ونوازعهم الشخصية ومساحة وعيه وتفكيره بمصالحه الخاصة, القائمة على إيثار الذات وإبرازها وتميزها عن بقية الخلق والاستئثار بالسلطة الأبوية والرسولية والحاكمية والوجودية المحصورة بيده على أساس انه المُقدس ووريث الله في أرضه وتسخير جميع الخلق والعاملين في واحة الدين والتدين كفئات وطبقات مجتمعية محظية, وتأخذ مكانتها ودورها في صناعة السلطة وخدمتها وتسيده على عامة الناس وخاصتهم المغلوبين على أمرهم, باعتبارهم خدم وعبيد, واعتبار وجودهم مرهون بديمومته وقداسته وجعله بمنزلة المعصوم والإله صاحب السلطان والصولجان في تسير شؤون حياتهم وأقدارهم جميعها.
والوطن العربي يُشكل حالة استثناء فارقة في هذا الاتجاه وخرق لأبسط حقوق الوطن والمواطنة والوطن والدين. فكانت شعوبه ودوله وممالكه مرهونة بهذا النوع من التقديس والقداسة والدين والتدين وما زالت, بحسب تطور مجتمعاتها المتعاقبة منذ غابر الأزمان وحتى يوميات القرن الحادي والعشرين الذي نعيش يوميات ربيعه العربي الدامي بكل ما فيه من دروب قتل وآلام وتشويه لرسالة الدين عموماً والإسلام على وجه التخصيص, والمركوبة والمُركبة من قبل اجندات عدوانية أعجمية وتواطأ عربي مُتجدد. وتمظهرها في لبوس أسلمة سياسية قاتلة ومدمرة لكل ما هو جميل في حياتنا بعيدة كل البعد عن الاسلام الحنيف, وما فيه من قيم ومثل ومكارم الأخلاق, وانحراف عن رسالته السماوية واستبدالها بثقافة الكراهية والحقد والتخوين والتكفير, والطائفية البغيضة القائمة على سفك دماء الإنسان وقتل مكونات الحياة الطبيعية في الكائنات الحية والطبيعة والإنسان والوجود البشري برمته. والدخول متاهات النزوات العابرة للقارات والحدود والتفسيرات العدمية وانتشار مظاهر التخلف العقيمة وفساد كثير من الدعاة والأئمة ومثقفي النخبة. وما تحفل به وسائط الاتصال المرئية والتقنية من ضخ إعلامي كاذب وخادع ومؤجج للأحقاد. وامسى الوطن العربي وما زال من محيطه إلى خليجه منصة اختبار لصراع الفرنجة الجدد وبوسائط عربية مُعلنة وخفيّة وأسيراً لمجازر ومعارك وصراعات قاتلة ومُدمرة تحت يافطة الدين والتدين والعلمانية واليسارية والقومية والوطنية وسواها من تعبيرات أيديولوجية, واعتبارها مظلة واسعة الطيف لتعميم ثقافة الكراهية والقنوط والكفر بجميع القيم والمعتقدات ومفاهيم الوطن والمواطنة وتشويه ذواتنا وصورتنا وتقود لنبذ كل منّا للآخر وتكفيره وتخوينه وقتله بأسهل الأسباب وأكثرها تفاهة ورعونة وتخلف وتجهيل مقصود.
مفهوم العلمانية ((Secularism:
تُشير دائرة المعارف البريطانية أن العلمانية "حركة اجتماعية تهدف إلى صرف الناس وتوجيههم من الاهتمام بالآخرة إلى الاهتمام بهذه الدنيا وحدها. ذلك أنه كان لدى الناس في العصور الوسطى رغبة شديدة في العزوف عن الدنيا والتأمل في الله واليوم الآخر. وفي مقاومة هذه الرغبة طفقت العلمانية تعرض نفسها من خلال تنمية النزعة الإنسانية حيث بدأ الناس في عصر النهضة يظهرون تعلقهم الشديد
بالإنجازات الثقافية والبشرية, وظل هذا الاتجاه إلى العلمانية يتطور باستمرار خلال التاريخ الحديث كله باعتباره حركة مضادة للدين ومضادة للمسيحية" الّتي سادت منذ عصر النّهضة, وقد كانت الإنجازات الثّقافيّة البشريّة المختلفة في عصر النّهضة أحد أبرز منطلقاتها، فبدلاً من تحقيق غايات الإنسان من سعادة ورفاهٍ في الحياة الآخرة، سعت العلمانية في أحد جوانبها إلى تحقيق ذلك في الحياة –الدنيوية-الحالية". العلمانية بمعنى أشمل قد تعني فصل الدين عن الممارسات (ومن ضمنها الحياة الشخصية) قد يكون هو الأكثر تميّزا من معارّفها بمعناها الضيق والذي يعني فصل الدين عن الدولة مع بعض مبادئ الليبرالية.
ويُعد الكاتب الإنكليزي "جورج هوليوك" الذي عاش ما بين (1817 -1906) أول من نحت مصطلح "علمانية" عام 1851. والذي كتب فيها: "من أجل الوصول إلى دين صحيح، ينبغي على الدولة أن تتسامح مع جميع أشكال الاعتقاد دينيًا أو فكريًا أو اجتماعيًا، ويجب أن تنشغل في الإدارة العملية وحكم المجتمع فقط، لا أن تنهك نفسها في فرض هذا الاعتقاد ومنع ذلك التصرف. يجب أن تكون الدولة منفصلة عن الكنيسة، وألا يتدخل أي منهما في شؤون الآخر. هكذا يكون العصر هو عصر العقل، ولأول مرة في التاريخ البشري سيكون الناس أحراراً، وبالتالي قادرين على إدراك الحقيقة فلا يمكن أن تفهم العلمانية بأنها ضد المسيحية هي فقط مستقلة عنها؛ ولا تقوم بفرض مبادئها وقيودها على من لا يود أن يلتزم بها. المعرفة العلمانية تهتم بهذه الحياة، وتسعى للتطور والرفاه في هذه الحياة، وتختبر نتائجها في هذه الحياة". بناءً عليه، يمكن القول أن العلمانية ليست أيديولوجيا أو عقيدة بقدر ما هي طريقة للحكم، ترفض وضع الدين أو سواه كمرجع رئيسي للحياة السياسية والقانونية، وتتجه إلى الاهتمام بالأمور الحياتية للبشر بدلاً من الأمور الأخروية، أي الأمور المادية الملموسة بدلاً من الأمور الغيبية.
العلمانية ونظرية فصل السلطات ما بين الدين والدولة:
تُشكل السلطة الحاكمية لبنى المجتمع والدولة ومواطنيها المظلة الحاضنة لمفهوم العلمانية والتي تعمل على فصل الدين عن سلطات الدولة, ومن الطبيعي أن تقوم نظرية السلطة على التصادمية الواضحة والبارزة ما بين بعض التيارات الدينية والعلمانية. فمن منظور ديني تجد أن "الله هو صاحب السلطة، وهو صاحب التشريع، فلا بدّ من وجود هيئة تمثله وتعمل على الحفاظ على "الحق الإلهي" في الشرع", وهي فكرة تؤصل لطبيعة الحكم الديني "الثيوقراطي" في العصور الحديثة, وفي المقابل فإن أوساط دينية أخرى تعلّم أن "الله أوكل الإنسان الأرض ليسوسها ويتسلط عليها؛ فهذه الوكالة هي سلطة سياسة الأرض أي تنظيمها وإدارتها، وبوصفها سلطة تنظيم وإدارة فهي تشريع". وتعتبر الفكرة السابقة مسيحية أساسًا ومقبولة في أوساط أخرى. ويمكن القول في هذه الحالة: أن دور رجال الدين في المجتمع العلماني غير دور الدين، هو إبداء الرأي أو قيادة جماعات ضغط، فرجل الدين يعمل في قلب المجتمع ولا يفرض نفسه عليه من فوق كسلطة، مع الحفاظ على ما تنصّ عليه وثائق الحقوق.
مراحل العلمانية الرئيسة
لقد مرّت العلمانية الشاملة بثلاث مراحل أساسية ومتسلسلة مع سياقها الوجودي وطبيعة تطورها ونموها وازدهارها وصيرورتها في المجتمعات الغربية الأوربية خصوصاً, نراها وفق ما يلي:
مرحلة التحديث
اتسمت هذه المرحلة بسيطرة الفكر النفعي على جوانب الحياة بصورة عامة، فلقد كانت الزيادة المطردة من الإنتاج هي الهدف النهائي من الوجود في الكون، ولذلك ظهرت الدولة القومية العلمانية في الداخل والاستعمار الأوروبي في الخارج لضمان تحقيق هذه الزيادة الإنتاجية. واستندت هذه المرحلة إلى رؤية فلسفية تؤمن بشكل مطلق بالمادية وتتبنى العلم والتكنولوجيا المنفصلين عن القيمة، وانعكس ذلك على توليد نظريات أخلاقيّة ومادية تدعو بشكل ما لتنميط الحياة، وتآكل المؤسسات الوسيطة مثل الأسرة.
مرحلة الحداثة
هي مرحلة انتقالية قصيرة استمرت فيها سيادة الفكر النفعي مع تزايد وتعمق آثاره على كافة أصعدة الحياة، فلقد واجهت الدولة القومية تحديات بظهور النزعات العرقية، وكذلك أصبحت حركيات السوق (الخالية من القيم) تهدد سيادة الدولة القومية، واستبدل الاستعمار العسكري بأشكال أخرى من الاستعمار السياسي والاقتصادي والثقافي، واتجه السلوك العام نحو الاستهلاكية الشرهة.
مرحلة ما بعد الحداثة
في هذه المرحلة أصبح الاستهلاك هو الهدف النهائي من الوجود ومحركه الحرية واللهو والتملك، واتسعت معدلات العولمة لتتضخم مؤسسات الشركات متعددة الجنسيات والمنظمات غير الحكومية الدولية وتتحول القضايا العالمية من الاستعمار والتحرّر إلى قضايا المحافظة على البيئة والمساواة بين المرأة والرجل وبين الناس وحماية حقوق الإنسان ورعاية الحيوان وثورة المعلومات. من وجهة أخرى ضعفت في المجتمعات الصناعية المتقدمة مؤسسات اجتماعية صغيرة بطبعها مثل الأسرة، بسبب الإسهاب في مسالة المساوة بين الرجل والمرأة، وظهرت بجانبها أشكالاً أخرى للمعيشة العائلية مثل زواج الرجال أو زواج النساء، وزاد عدد النساء التي يطلبن الطلاق فشاعت ظاهرة امرأة وطفل أو امرأتان وأطفال، كل ذلك مستنداً على خلفية من غياب الثوابت والمعايير الحاكمة لأخلاقيات المجتمع والتطور التكنولوجي الذي يتيح بدائل لم تكن موجودة من قبل.
مفرزات العلمانية في الوعي المجتمعي الغربي المعاصرة
مفاهيم الديمقراطية الليبيرالية:
قد أفرزت العلمانية مجموعة من المفاهيم المواكبة لمراحل تطورها- سلف الذكر- مثل الديمقراطية بمعناها الضيق وهو:" حكم الأغلبية بدون الاهتمام لحريات الأفراد وهو ما يدعى بالديمقراطية الليبيرالية" وتعني بذلك رؤيتها العملية التي لا تقتضي فصل الدين عن الدولة بالضرورة, بل تعتمد على اختيار أغلبية الشعب. ويُمكن أن تكون دينية كما يمكن لها أن تكون لا دينية. لكن إذا أدخلنا حرية التعبير اللازمة لمنافسة عادلة للمعارضة السياسية في تعريف الديمقراطية فيستلزم ذلك فصل الدين عن الدولة بما يسمح بحرية الأفراد في التعبير بلا قيود دينية إذ بدون هذه الحرية لا يمكن للسياسيين والمفكرين العلمانيين أن يعبّروا عن آرائهم مما يخل بمبدأ الحرية الأساسية للدعاية الانتخابية التي يمكن أن تتضمن ما هو مخالف للدين. بينما نرى بأن الليبيرالية الشمولية عن الدولة سواء كانت دينية أو غير دينية، تسعى إلى انتهاك حريات وحقوق الأفراد لأسباب غير دينية نموذجها كل من : حكم ستالين في الاتحاد السوفيتي السابق، وحكم هتلر في ألمانيا النازية.
العلمانية في تنظيرات إقليم الشرق العربي
رغم انبثاق مصطلح العلمانية من رحم التجربة الغربية، إلا أنه انتقل إلى القاموس العربي الإسلامي، مثيراً بذلك جدلاً حول دلالاته وأبعاده. والواقع أن الجدل حول مصطلح العلمانية في ترجمته العربية يعد إفرازاً طبيعياً لاختلاف الفكر والممارسة العربية الإسلامية عن السائد في البيئة التي أنتجت هذا المفهوم، لكن ذلك لم يمنع المفكرين العرب من تقديم إسهاماتهم بشأن تعريف العلمانية. وقد ساهم عشرات الفلاسفة والمفكرون والباحثون والكتاب العرب وبعشرات المجلدات والكتب والدراسات والمقالات المنشورة واسعة الاجتهاد والطيف الفكري والفلسفي والرؤى والرؤيا والنظريات, بما يصعب حصرها والاطلاع على مضامينها, وتختلف إسهامات أمثال هؤلاء المفكرين العرب بشأن تعريف مصطلح العلمانية وتتعارض وتتناقض في كثير من الأحيان، فعلى سبيل المثال:
يرفض المفكر المغربي محمد عابد الجابري تعريف مصطلح العلمانية باعتباره فقط فصل الكنيسة عن الدولة، لعدم ملاءمته للواقع العربي الإسلامي، ويرى استبداله بفكرة الديموقراطية "حفظ حقوق الأفراد والجماعات"، والعقلانية "الممارسة السياسية الرشيدة".
في حين يرى د. وحيد عبد المجيد الباحث المصري أن العلمانية (في الغرب) ليست فكرانية (أيديولوجية) (منهج عمل)، وإنما مجرد موقف جزئي يتعلق بالمجالات غير المرتبطة بالشؤون الدينية. ويميز د. وحيد بين "العلمانية اللا دينية" -التي تنفي الدين لصالح سلطان العقل- وبين "العلمانية" التي نحت منحى وسيطاً، حيث فصلت بين مؤسسات الكنيسة ومؤسسات الدولة مع الحفاظ على حرية الكنائس والمؤسسات الدينية في ممارسة أنشطتها.
في المنتصف يجيء د. فؤاد زكريا -أستاذ الفلسفة- الذي يصف العلمانية بأنها الدعوة إلى الفصل بين الدين والسياسة، ملتزماً الصمت إزاء مجالات الحياة الأخرى (مثل الأدب). وفي ذات الوقت يرفض سيطرة الفكر المادي النفعي، ويضع مقابل المادية "القيم الإنسانية والمعنوية"، حيث يعتبر أن هناك محركات أخرى للإنسان غير الرؤية المادية.
ويقف د. مراد وهبة - أستاذ الفلسفة- وكذلك الكاتب السوري هاشم صالح إلى جانب "العلمانية الشاملة" التي يتحرر فيها الفرد من قيود المطلق والغيبيّ وتبقى الصورة العقلانية المطلقة لسلوك الفرد، مرتكزاً على العلم والتجربة المادية.
ويتأرجح د. حسن حنفي-المفكّر البارز صاحب نظرية اليسار الإسلامي- بين العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة ويرى أن العلمانية هي "فصل الكنيسة عن الدولة" كنتاج للتجربة التاريخية الغربية. ويعتبر د. حنفي العلمانية -في مناسبات أخرى- رؤية كاملة للكون تغطي كل مجالات الحياة وتزود الإنسان بمنظومة قيمية ومرجعية شاملة، مما يعطيها قابلية للتطبيق على مستوي العالم. من جانب آخر، يتحدث د. حسن حنفي عن الجوهر العلماني للإسلام -الذي يراه ديناً علمانياً للأسباب التالية:" النموذج الإسلامي قائم على العلمانية بمعنى غياب الكهنوت، أي بعبارة أخرى المؤسسات الدينية الوسيطة. الأحكام الشرعية الخمسة، الواجب والمندوب والمحرّم والمكروه والمباح، تعبّر عن مستويات الفعل الإنساني الطبيعي، وتصف أفعال الإنسان الطبيعية. الفكر الإنساني العلماني الذي حول بؤرة الوجود من الإله إلى الإنسان وجد متخفٍ في تراثنا القديم عقلاً خالصًا في علوم الحكمة، وتجربة ذوقية في علوم التصوف، وكسلوك عملي في علم أصول الفقه".
بينما يقول المفكر السوداني الخاتم عدلان الذي يعتبر من أبرز المنادين بالعلمانية في المنطقة العربية "إن العلمانية تعني إدارة شؤون الحياة بعيداً عن أي كهنوت، كما ظهرت اتجاهات جديدة في تعريف العلمانية مثل التي تنص على أن العلمانية هي استعداد الفرد والمجتمع للاستفادة من خلاصة المنتوج البشري في سبيل تحقيق رفاهيته".
مُقاربات الإشكالية والحل ما بين الدين العلمانية في إقليم الشرق العربي
لقد سبق وأوضحنا في اكثر من مكان أن العلمانية جملة وتفصيلا قولا وتنظيراً وممارسة عملية هي وليدة المجتمعات الأوربية الغربية, ولا تمت بإقليم الشرق والوطن العربي اية صلة فكرية وفلسفية لا في الزماني ولا في المكاني ولا في الثقافي ولا الديني ولا حتى في مدارات اللغة أو سواها من مكونات المجتمعات والأمة. وهي ظاهرة أوربية غربية بامتياز حفرت مساربها عميقاً في جميع مناهل الفكر والوعي المجتمعي الأوربي وعلى كافة المدارات الفكرية والفلسفية والثقافية والحضارية والدينية والسياسية والاقتصادية وجميع تنويعات الفنون جميعاً وسواها. بدءاً من عصر التنوير الأوروبي وصولاً للعولمة المتجاوزة للحدود والقارات والثقافات ومقرونة بتقنياتها المعاصرة متعددة الوسائط التي جبت ما أنتجته المعمورة في مدارا الوعي الإنساني ومبتكراته التقنية والصناعية والاقتصادية والمالية فائقة القدرة والتقنيات, وصولاً للعصر الأمريكي الحالي.
بينما تُعد العلمانية بالنسبة لكثير من العرب والدول والحكومات ذات التيارات الدينية المتزمتة والمنغلقة على ذاتها, هي مجرد شكل من اشكال الإلحاد والخروج من الدين والملة والأمة ولدى البعض الآخر في التيارات الوطنية والقومية العروبية واليسارية والماركسية والشيوعية ومفرزاتها سيئة الصيت (السوفيتية) هي مجرد انتخابات خادعة لتثبيت الحاكم الطاغية وبطانته واختزال مفهوم الوطن والمواطنة وخيراته المادية والبشرية والثقافي بحجم قامته البغيضة. وما العلمانية بنظر كثير من العرب هي مجرد ثوب فضفاض لا يليق بأجسادنا وأشبه بمحطة عبور ناجحة لركوب موجة السلطة والوصول إلى سدة الحكم شأنها في ذلك شأن الدين والتدين الذي لبسناه براقع ظلامية تُخفي وجه الحاكم العربي الحقيقي والتفاف مُتقن على مدارات القيم وإنسانية الإنسان, وهي أسلحة وعبارات جوفاء يستقوي بهما الحاكم بأمره كنموذج رخيص للمُستبد وشعبه المحكوم والمظلوم والمغلوب على أمره.
فالدين والعلمانية بالنسبة للحاكم المستبد والطاغية وحاشيته هي أسلحة الضرورة والحاجة والتعبير الصريح عن العيوب والهزائم والمجاز والفساد وقمع الحريات والحقوق وقتل الإنسان فينا رغم أنوفنا, وتعبير قهري عن حالة الضياع والتشتت والمتاهة والتخلف والعصبية القبلية والطائفية البغيضة, وما نمتلك من أرشيف وافر المعلومات والمرويات والمرئيات عن مأسي عربية قائمة ودائمة الحدوث, ومواكبة للأسف لجميع مراحل وجودنا وصيرورتنا كشعوب عربية وممالك وإمارات ودول وحكومات. وضعتنا جميعاً كعرب أفراد وجماعات حكام ومحكومين في مواجهة حادة مع واقعنا العربي المرير والذي تُثمل مسارات الربيع العربي واحداً من فصوله المؤلمة والمُظلمة ونتمسك مع كل كبوة وجموح وهزيمة بالقشور والتجديف عكس التيار الفكري والممارسة العملية لمفاعيل الأفكار التي جاءت بها مفاهيم العلمانية والدين في حقائقها الجوهرية التي غايتها سعادة الإنسان وسلامته وحريته ورفاهيته وسعادته المأمولة في صناعة وديمومة الحياة. وفقدنا كعرب في مشرق الإقليم ومغربه هويتنا ووجودنا ومكانتنا ما بين الأمم والدول والشعوب وأمسينا مجرد مداجن صالحة لتفريغ الإرهاب, وليس (داعش وأخواتها) هي نهاية المطاف. فثمة ما تُخفيه لنا السياسات الأعجمية المتماهية مع حكامنا القتلة والطغاة.
الحلول المُقترحة لتجاوز إشكالية الدين والعلمانية في إقليم الشرق العربي
لا بدّ من ترتيب الأولويات لدى طرحنا بعضاً من الحلول التي نحسبها مُمكنة وقابلة للتنفيذ في عالمنا العربي, والمنطلقة من البديهيات المطروقة في القرآن الكريم والمتناسبة وحقيقة الواقع العربي في وجوده وتاريخه وطبيعته التفكيرية وسلوكه وفطرته ومُعتقداته في المقدس والمُدنس والعودة المحمودة للسور والآيات القرآنية الكريمة في فهم معناها وتطبيقها في واقعنا بوعي عقلي جمعي ومجتمعي وربط الأقوال بالأفعال, والعودة إلى (اس المشكلة) الدين والعلمانية في إقليم الشرق عموماً والعربي خصوصاً هي:" إشكالية اسلامية- اسلامية" وتستوجب من العقلاء والحكماء المسلمين والعرب ومن أصحاب الرأي والقرار والتفكر إلى إعادة رسم الخطى العملية التنفيذية نحو صناعة مجتمع عربي إسلامي أكثر عقلانية وعلمانية وديمقراطية وحريات. والعودة مُجدداً لفهم علمانية الغرب على أساس التحييد الديني للدولة. وطرح السؤال الكبير الذي بحاجة إلى عقلانية وتأمل وتفكّر: إذا كان الله الخالق الباري والمُتجلي بجميل سلطانه محط الإيمان وناصيته وهدفيته في العبودية الكاملة والمطلقة لجميع البشر. وأن القرآن الكريم والسنة النبوية هما جوهر الدين والتدين والتعبد والعبودية لله الواحد الأحد. ترى على ماذا يختلف ويتقاتل المسلمون فيما بينهم؟
هذا يستوجب مدارات الوعي المجتمعي ومحاولة بناء علمانية تنويرية في العالم العربي الإسلامي تقوم على التحييد الطائفي للدين نفسه. ولن تقوم للعرب المسلمين قائمة ما دام الدين والتدين مُوزعاً ما بين طوائف دينية متباينة, بل مُتعادية ومُتكارهة يقوم كيانها على الضدية المتبادلة وتعتمد في التعامل فيما بينهما على مقولات التخوين والتكفير والقصاص والقتل السهل والمُدمر ومُعتدة بصحة وجهة نظرها.
الإسلام والعرب المسلمين بوجه خاص أحوج في ممارسة طقوسهم الدينية اليوم الى الفصل فيه بين الزمني والروحي. فأصل الانقسام الطائفي في الاسلام سياسياً وليس دينياً. وقد كان مداره ولا يزال- على مسألتي الخلافة والإمامة. وفي هذه الحالة لا بدّ من علمنة المجتمع من جهة، وضرورة علمنة الدين من جهة اخرى. وهذه المسألة أي الخروج من جهلنا وانقسامنا وتخلفنا وعزلتنا وتخبطنا في مدارات التيه والآلام وسفك الدماء وضياع الحقوق والأوطان كمسلمين عرب وسواهم تكمن بالخطوات التالية:
1- علمنة الدين هي وحدها التي تتيح للاهوت الإسلامي، بشقيه السني والشيعي وسواه، أن يتحرر من مقولتي الرفض والنصب، ولازمتيهما التكفير والتنجيس والتخوين واسقاطها من قاموسهما والخروج بالتالي من فكي كماشة الحرب الطائفية التي ما زالت مستمرة بالأفعال كما بالأقوال منذ اكثر من الف سنة بين كبرى الطوائف الاسلامية.
2- إعادة البعد الروحي والقيمي للإسلام في جوهره واعطائه مكانة الأولوية التي ستتيح علمانية الدين التدين, ومنح الفرصة للإسلام في إقليم الشرق كي يخرج من أزمته وإشكالياته المتراكمة عبر مدارات الزمن المتعاقب, والخروج من براثن الايدلوجية الطائفية والقهرية والأسلمة السياسية البغيضة التي تُحول الدين إلى أيديولوجيا مناهضة للعلم والتطور والحداثة على حساب الإسلام الشعبي (الوراثي) الذي لا يتعدى الممارسة الشعائرية، والتجييش الطائفي الموصول بالصراع على السلطة وتحويل الدين جملة وتفصيلا إلى أيديولوجية مقيتة وطائفية مُميتة.
3- المحاولة الجادة والعملية لخروج دول إقليم الشرق والعربي خصوصاً من مخاطر ومنزلقات الحروب الطائفية وديمومتها, والتخلص منها كأيديولوجية معادة لٌلإسلام ولذاتها الوجودية, والسعي الحثيث لاسترداد وضعيته الطبيعية كوجدان جمعي شبه فطري.
4- لا بد لنا في العالم العربي من ثورة في العقليات وأنماط المُعايشة والتفكير والمعاملات والحفاظ على الحقوق والحريات. ففي صندوق الرأس يمكن ان نشق الطريق الى الحداثة بركيزتيها: الديمقراطية والعقلانية وإطلاق الحريات والتداول السلمي للسلطة السياسية بعيداً عن الأصولية الدينية وتزمتها وطوائفها. وهذا المسار هو كفيل أيضاً في منع وصد الأيديولوجيات الأعجمية المُساهمة في تأجيج الصراعات والحروب والقتل وسفك مزيد من الدماء ما بين الأخوة الأعداء, تحت أساطير غيبية مُغلفة باسم الدين والتدين وتُخفي وجوهها الحقيقية بأقنعة لثقافة داحس والغبراء والقرون الوسطى والجاهلية المُغرقة في جاهليتها.
• باحث وفنان وناقد تشكيلي فلسطيني.

أهم مصادر ومراجع البحث:
1-هرطقات عن العلمانية كإشكالية إسلامية- إسلامية- جورج طرابيشي- رابطة العقلانيين العرب- دار الساقي.
2- العلمانية من منظور مختلف". عزيز العظمه.
3- ما هي العلمانية". هنري بينا رويث.
4- العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة". عبد الوهاب المسيري.
5- العلمانية في المشرق العربي" جورج طرابيشي وآخرون.
6- العلمانية تحت المجهر. د. عبد الوهاب المسيري- د. عزيز العظمة.
7- (العلمانية على محك الأصوليات المسيحية واليهودية والإسلامية).كارولين فوريست. 8
8- العلمانية. غي هارشير.
9- الدين والعلمانية في سياق تاريخي"- عزمي بشارة- 3 أجزاء- المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.
10- الأسس الفلسفية للعلمانية- عادل ضاهر- دار الساقي.
11- تحرير الوعي الإسمي- د. محمد أركون- ترجمة هاشم صالح- دار الطليعة – بيروت.
12- قضايا نقد العقل الديني- د. محمد أركون- ترجمة هاشم صالح- دار الطليعة – بيروت.






الرأسمالية والصراع الطبقي، وافاق الماركسية في العالم العربي حوار مع المفكر الماركسي د.هشام غصيب
حوار مع الكاتب و المفكر الماركسي د.جلبير الأشقر حول مكانة وافاق اليسار و الماركسية في العالم العربي


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الكذب لدى العربان: هل هو ثقافة أصيلة أم دخيلة؟
- الرئيس -دونالد ترامب- الخامس والأربعين للولايات المتحدة الأم ...
- محمد دحلان رئيساً مُحتملاً للسلطة الفلسطينية بالإكراه
- مهزلة طروحات النقاط العشر الفلسطينية بدثار إسلامي
- الولايات المتحدة الأمريكية ومسارات الربيع العربي
- نقاط الدكتور ناصر القدوة العشر: تُرى هل هي استمرار لنهج وسيا ...
- ما بين الشيخين سمير قنطار وزهران علوش: القتلة وجوه لعملة واح ...
- تأملات في عصر الصورة العولمية وموقع الفن التشكيلي العربي فيه ...


المزيد.....




- المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي لـCNN: نستعد لتوسيع عملياتنا ف ...
- -العفن الأسود- يلاحق مرضى كورونا في الهند
- فيديو يظهر هلع وهروب إسرائيليين للملاجئ وسط دوي صافرات الإنذ ...
- المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي لـCNN: نستعد لتوسيع عملياتنا ف ...
- فيديو يظهر هلع وهروب إسرائيليين للملاجئ وسط دوي صافرات الإنذ ...
- حفر سيبيريا الغامضة
- الديكتاتورية الرقمية?+18
- عالم الغد ?استيطان الكوكب الأحمر
- مصر.. المحكمة تحدد جلسة عاجلة لمحاكمة المطرب حسن شاكوس بسبب ...
- مقتل إسرائيليتين في قصف صاروخي فلسطيني على عسقلان


المزيد.....

- التحليل الماركسي للعرق وتقاطعه مع الطبقة / زهير الصباغ
- البحث عن موسى في ظل فرويد / عيسى بن ضيف الله حداد
- »الحرية هي دوما حرية أصحاب الفكر المختلف« عن الثورة والحزب و ... / روزا لوكسمبورغ
- مخاطر الإستراتيجية الأمريكية بآسيا - الجزء الثاني من ثلاثة أ ... / الطاهر المعز
- في مواجهة المجهول .. الوباء والنظام العالمي / اغناسيو رامونيت / ترجمة رشيد غويلب
- سيمون فايل بين تحليل الاضطهاد وتحرير المجتمع / زهير الخويلدي
- سوريا: مستودع التناقضات الإقليمية والعالمية / سمير حسن
- إقتراح بحزمة من الحوافز الدولية لدفع عملية السلام الإسرائيلى ... / عبدالجواد سيد
- مقالات ودراسات ومحاضرات في الفكر والسياسة والاقتصاد والمجتمع ... / غازي الصوراني
- استفحال الأزمة في تونس/ جائحة كورونا وجائحة التّرويكا / الطايع الهراغي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبد الله أبو راشد - ورقة عمل حول: -إشكالية الدين والعلمانية في إقليم الشرق العربي-