أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبدالكريم الساعدي - السفير / قصة قصيرة















المزيد.....

السفير / قصة قصيرة


عبدالكريم الساعدي

الحوار المتمدن-العدد: 5275 - 2016 / 9 / 4 - 23:55
المحور: الادب والفن
    


الغريب


(تدمع عليه عيون المؤمنين وتصلي عليه الملائكة المقربون)
الرسول محمد ( ص )


تنفرط خطواته بين أزقة الكوفة، ملتحفاً ظلمة الليل، وحيداً غريباً، محاطاً بغبار الفتنة، مزدحماً بالوحشة، ليس معه إنسان يدلّه على الطريق، لا يدري أين يذهب، كلّ شيء - هنا- يكمن له، يترصّده، طمعاً بالجائزة؛ يبدو الأمر على غير عادته، الناس يخوضون في أوحالهم، يرتدون وجوهاً غريبة، يخفون ما بين جوانحهم أمراً مريباً؛ المدينة تغطّ في نوم عميق، تخذله، والعابرون لا أثر لهم، كانوا كثيرين، بالأمس استقبلوه بحفاوة عظيمة، حناجر المبايعين تهتف بنداء المناصرة، العبرات تخنقهم شوقاً لبقايا نبي قادم من الأرض المقدّسة؛ كانوا يبكون كلّما تلا عليهم كتاب المعشوق:
" أنا باعث إليكم أخي وابن عمي وثقتي من أهل بيتي، ...، فإن كتب إليّ بأنه قد اجتمع رأي ملَئكُم وذوي الحجى والفضل منكم، على مثل ما قدمت به رسلكم، وقرأت في كتبكم، فإنّي أقدم إليكم وشيكاً، إن شاء الله..."
فبايعه من الناس ثمانية عشر ألفاً، وهم يبكون ويقولون:
- " واللهِ لنضربَنّ بين يديه بسيوفنا حتى نموت جميعاً ".
في خضم متاهة الدروب المكتظّة بالخداع، يخفي قلقه، يحدّق في مرايا الحدث، كانوا أبطالاً، مزهوّين بأسمائهم، فما بالهم يتمسّحون بأرداف الوالي، ليتساقطوا واحداً بعد الآخر؟ إنّه لأمر عجيب! لقد غرّك القوم يا ابن عقيل.
يواصل السير نحو المجهول، يترك في كلّ خطوة علامة استفهام، يتجمّل بالصبر، يلملم بقاياه، يزيح غبار الضجة، يشحذ سيف الهمة:
- سأبدأ من هنا، على رغم الجراح والعطش؛ لأدوّن شهادتي.
ومضى ينسج من ظلام الغربة ثوب الأمل؛ لعلّه يدرك باب النجاة، أنفاسه تتقطّع، قدماه تطوحانه في زقاق موحش، المكان يضيق به، يخنقه، يهدّه التعب، يفترش الأرض، يسند ظهره إلى جدار أحد البيوت، يحاور حيرته، مستغرباً ممّا حدث:
- أيّ خيانة تختزنها المدينة؟
يتأمل مصير أهله المقبلين إليه، مأساتهم، المدينة التي أحبّوها ستلوح لهم بيد الخذلان، مولاه سيقف وحيداً في الميدان، يغرس نداء السماء في الآفاق:
- هل من ناصر ينصرنا؟
يغالب حيرته، الليل يقضم ساعاته، يؤرقه المجهول، يستفزّه الارتباك، يتعكّز على جراحه، يرفع كفيه، يرنو إلى السماء بعين الرجاء، يناجي نجمة بعيدة، فيض من الاطمئنان يسري في أعماقه؛ ما زال الزقاق يراود خطواته بين التربص والنجاة، يفزّ على صرير الباب، يلمح ظلّ امرأة، يبدو أنّها قلقة، ينتصب الصمت تمثالاً بينهما، تحدّق في ملامحه، رجل غريب، بهي الطلعة، لكنّه طاعن بالقلق والعطش، متوشّح بالحذر، سقته ماء، دخلت الدار تفكر بأمره، تخرج مرة أخرى، يربكها جلوسه قرب الباب:
- يا هذا، لا يصلح لك الجلوس على بابي، هل من خدمة أخرى؟
يخرسه السؤال، تعاود الطلب، السكوت يعدو ويروح، يلوّح بكف الاعتذار:
- اذهب إلى أهلك، عافاك الله.
- إنّي غريب، ليس لي منزل هنا ولا قريب؛ فهل لك إلى أجرٍ ومعروف؟ ولعلّي مكافئك به يوم القيامة؟
- وما ذاك؟
لا يدري لِمَ اطمأنّ لهذه المرأة العجوز؛ ليكاشفها بحقيقة أمره؟:
- أنا ابن عقيل، لقد خذلني القوم.
تتعثّر بالدهشة، تتأمله، ترتعش شفتاها، تبتسم:
- أنت مسلم؟
- نعم.
يهصرها الخوف و الحزن، ينبض قلبها بالرأفة، يغرّد الجود بين عينيها:
- وأنا " طوعة "، سأكفيك شرّهم.
أدخلته في بيت مهجور على رغم العاقبة التي تنتظرها؛ يخبّئ تعبه، قلقه الفادح، ركام من الحسرات في عتمة آخر ليلة، يطوي قرطاس الخوف بميمنة الخشوع، يستعيذ بلحظة عشق في محراب الضوء، يتسلّق ذاته، يتزوّد من نمير الحبّ السماوي فيضاً روياً، يغمره الوجد، يمور شوقاً لتراتيل ملائكية، يستنشق عبير الانعتاق؛ فتنفلتُ الروح خارج مدار الجسد الطيني، تحلّق عالياً، حتى يدركه صوت ألفه من قبل:
- أنت ضيفنا في الليلة القادمة.
يستفيق من غفوته، يعود إلى محرابه. طوعه لم تنم تلك الليلة، كانت مشغولة البال، حائرة، تتردّد على غرفته بين الحين والآخر؛ لتطمئن على سلامته؛ الابن الذي عاد إلى البيت متأخراً ينتبه لتوتر أمه، يتهجّى مخاوفها، يرسل بصره خلف خطواتها، يصفعه الشك، يتساءل،
" ما الذي تخبّئه أمي في تلك الغرفة المهجورة؟ "
يراوغ وجودها، يتسلّل خلسة في غفلة منها، يحّدق في المكان، يرتدّ الطرف فزعاً، يستغرب من وجود رجل غريب في البيت، يمعن النظر فيه، يبتسم بخبث، يبتهج:
- إنّها الجائزة.
الصباح يتمادى بطلّته، يفترس أحلام طوعه، صهيل الخيول يقرع سمعها، يصيبها الذعر، تهرول إلى الضيف صارخة:
- لقد جاءك القوم من حيث تحذر.
- لا عليكِ، هي أقدارنا.
يرتدي جبّة الفارس، يخرج إليهم، يسخر من كثرة خيولهم، ترهبهم خطواته، صرخته العزلاء، يقول كلمته مجلجلاً في الميدان، وعلى شهقة السيوف يثخن بالجراح؛ لكنّه مازال مهيباً، يُمنح الأمان، يرمي سلاحه، يستوي على وهن الجسد، تدمع عيناه أسفاً، يقتاد إلى قصر الإمارة أسيراً:
- أيّها الأمير، لقد منحته الأمان.
يُطفئ ابتسامته الماكرة، ينبلج الغضب من بين عينيه:
- اقتلوه.
يتساءل مستغرباً حينَ انغلقَ الأفقُ عندَ حافةِ العمر:
- أنّى لك أنْ تمضي في حيّزٍ مِنَ الصمت؟
العيون تحملّقُ في خطواتِه العاثرةِ بسلالم القصر، تتبع أثره، ترتصف عند السطح ، تشهد تفاصيل مصرعه، ينتصب أمامها طقس وحشي، تُقيّد يداه إلى الخلف، يجثو على ركبتيه، يرتفع سيف بارق بالعمى، يهوي عند تكبيرة الآذان؛ ليقطع رأساً ساجداً للنداء، يظلّله نور، منبثق من قوافل قادمة من عمق الصحراء، يُلقى من فوق القصر، تسحله الخيول في أزقة المدينة، يتهرّأ الجسد؛ وفي مفترق الطرق يتلاشى الحضور فرحين، ممتلئين بالسلامة، متحصّنين بأعذار واهية، فيما راحت رسائل الأمس تحلّق في الفضاء، تتشكّل غيمة تظلّل الجسد المقطوع الرأس، تنبجس من بياضها وعود تلعن حروفها المائلة، تتابع سقوطها، تتوضّأ بدمه، تترصدُ ذاكرةً قمعتْها متاريسُ الخمولِ، ذاكرة تناستْ أسماءَها، فسقطتْ في وسطِ ظلامِها تبحثُ عنْ صمتٍ تستظلّ به .



#عبدالكريم_الساعدي (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع د. علي بداي حول التلوث البيئي والتغيير المناخي، اسبابهما وتاثيراتهما على الارض الان ومستقبلا
حوار مع الكاتب الروائي البحريني احمد جمعة حول الادب الروائي في المنطقة العربية ودوره في قضايا اليسار


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- دراسة نقدية بقلم الأستاذة سامية البحري: - أحلام وذباب- ...
- بين الانتظار والاحتضار/ سامية البحري - تونس
- عيناك للعراق / الأستاذة سامية البحري / تونس
- دراسة نقدية لقصة ( طقس عبثي ) للقاص عبدالكريم الساعدي، بقلم ...
- قراءة نقدية للأستاذة/ زهرة خصخوصي لنصّ “الرّفيق ديونيسوس” لل ...
- - الكلام على الكلام صعب -
- عطب
- سيرة معطف / قصة قصيرة
- امتزاج التأريخ بالشعر والخيال في ( غبار القصائد) / دراسة نقد ...
- دراسة نقدية لقصة ( توهُّم ) / بقلم الناقد أحمد طنطاوي
- قراءة نقدية لقصة ( في بطن الحوت ) للقاص عبدالكريم الساعدي
- حين يغرد حمار جارنا
- كانت امرأة أخرى
- ذاكرة من رماد / قصة قصيرة
- الرسالة وصلت / قصة قصيرة
- (شهقة طين) عنوان يلخّص التجربة الإنسانية ويرفعها إلى مصاف ال ...
- مع المتنبي في شارعه / قصة قصيرة
- انتظار
- محطّات / قصة قصيرة
- ( انعتاق ) قصة قصيرة


المزيد.....




- جوائز الأوسكار 2023: كيف يمكن مشاهدة الأفلام المرشحة؟
- من سواحل المتوسط إلى خانات المغول.. أدب الرحلات في كتابات ما ...
- المغني الروسي شامان يطلق أول ألبوم موسيقي له
- فنان من أصول سورية يفوز بأرفع جائزة في مجال الشرائط المصورة ...
- بدأت قبل الغزو الإيطالي وتعرضت للإهمال.. محاولات لإحياء السي ...
- محمد نبيل بنعبد الله الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية يع ...
- تضامن مع رسام كاريكاتير فلسطيني بعد فصله من عمله بسبب انتقاد ...
- -كل شيء هادئ على الجبهة الغربية-.. فيلم ألماني يبهر متابعي ا ...
- -كل شيء هادئ على الجبهة الغربية-.. فيلم ألماني يبهر الأوسكار ...
- رحلة بي بي سي عربي إذاعيا منذ 1938


المزيد.....

- كناس الكلام / كامل فرحان صالح
- مقالات الحوار المتمدن / ياسر جابر الجمَّال
- الشعر والدين : فاعلية الرمز الديني المقدس في الشعر العربي / كامل فرحان صالح
- (تنهيدة الكامل (مشى في أرضٍ لا زرع فيها / كامل فرحان صالح
- نجيب محفوظ وأحلام فترة النقاهة دراسة بين المؤثرات النفسية وا ... / ياسر جابر الجمَّال
- خاطرة وفكرة (ب) / ياسر جابر الجمَّال
- خاطرة وفكرة(ج) / ياسر جابر الجمَّال
- خاطرة وفكرة(أ) / ياسر جابر الجمَّال
- يُوسُفِيّاتُ سَعْد الشّلَاه بَيْنَ الأدَبِ وَالأنثرُوبُولوجْ ... / أسماء غريب
- المرأة في الشعر السكندري في النصف الثاني من القرن العشرين / ياسر جابر الجمَّال


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبدالكريم الساعدي - السفير / قصة قصيرة