أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبدالكريم الساعدي - سيرة معطف / قصة قصيرة














المزيد.....

سيرة معطف / قصة قصيرة


عبدالكريم الساعدي

الحوار المتمدن-العدد: 5049 - 2016 / 1 / 19 - 22:31
المحور: الادب والفن
    


سيرة معطف

منذ شهر، أقف في ذات المكان، منتصب القامة، متلفعاً ببهاء طلّتي، محنّطاً بثمن غالٍ، منتظراً عيوناً تسرق نظراتي، أبحث عن جسد يرتديني؛ في المساء أرى عيون الزبائن تلمع، الخطى تنقر سمعي، اتنقّل بين الأيدي، أكابد مرورهم دون اهتمام، أحصي حسراتي، أرمم خيبتي، أعاود ترتيب نفسي، القلق ينتابني، أتساءل، لِمَ يتجاوز هؤلاء أيقونة الدفء؟. الممرّ قبلتي، يمتدّ أمامي، ضحكة في أقصى المكان، تنهش سمعي، وجه مضيء ينبثق من بين الزحام، يبدّد ظلمة انتظاري، امرأة لها نكهة الحلم، يلفّها الغنج، طافحة بالجمال، تتهادى نحوي على إيقاع لهفتي، تتأبط ذراع رجل ذي سحنة مهيبة، متّشح بالكبرياء، أقف مذهولاً، أحاول أن ألفت انتباهها، أرمي سهامي، تبتلع جنون لهفتي، تهمس في أذنه، تشير بسبّابتها نحوي، يرتعش فرائي، أعلن حضوري بكلّ ما أوتيت من زهو، يقتربان منّي، أناملها تمتدّ، تلامس أكمامي، تقلبّني بين يديها الرقيقتين، تتحسّس بطانتي، أحسّ بدفء أنوثتها، فيما كان الرجل يحاصرني بعيني ذئب، يتفحّص ثمني الباهظ، يستجيب لرغبتها،
- نعم، إنّه مناسب لي.
أشهق فرحاً بعد انتظار طويل فوق أرصفة الصبر، أدخل منزلاً مترعاً بالدفء والجمال والثراء، أشرب نخب عالم جديد يتلو الوجود غناه. أحتلّ مكاني في خزانة ملابس مزدحمة ببدلات وقمصان فاخرة، وأربطة عنق زاهية الألوان. هاأنذا أتهيّأ لمحطتي الأولى، رجلٌ قد استيقظ تواً من مفاتن زوجة جميلة، هائمة به، يرتديني كبقية من رغبته، يخرج محتمياً بابتسامتها، أقتفي خطواته، يسعى في طرقات تثير الخيال، بيد أنّي أقع في دائرة الاستغراب، لمّا بدا لي صاحبي كصرصار، يمدّ قرون استشعار، باحثاً عن لذّة حقيرة، يطفئ ابتسامة زوجته؛ ليدخن ابتسامة امرأة أخرى؛ ياقتي المرصّعة بالدهشة تشهد كلّ يوم خيانته على ما تيسر من متعة. ذات ليل أسمع صوت أقدام تقترب منّي، كان الزوج غائباً، أراها تتجه ناحيتي، تقف قبالتي، تطلق آهة خافتة، تفتح ذراعيها، تضمني، تشمّ أنفاسه المندّسة بين مساماتي، ترتديني، يلسعني دفء جسدها البض، أزرّر طرفي لأحتويها؛ فتغفو على لهفة تصرخ باللقاء؛ لكني أعلم أنّها ستصحو يوماً على جرح لن يندمل. غيابه المتكرر يمنحني الشغف بها، يتواطأ المكان معي، استظلّ بمناطق غامضة بالإثارة حين يهجس الجسد بالعطش. الأيام تمرّ، تغطّ في أحلام عليلة، أستفيق مذعوراً على صدى نداء ينبع من محطة أخرى، أتعثر بأيدي الخادمة العابثة بوجودي، أراها تحرق طرفي بالمكواة، تشوه جمالي، أرمَى بيد أول سائل يطرق باب الدار، أبات ليلتي الأولى في كوخ يرتجف من شدّة البرد، يلفّه الصمت والحزن، مركوناً في زاوية مهملة؛ ليالٍ تمضي، مكتومة بأوجاع لا تحتمل؛ النهار يشكّلني فراشاً، والليل يتّخذني غطاء لصبية جياع، مثلي صاحب الكوخ، رجل محاط بالوجع وضجيج العزلة. ذات قدر تراني أُعرض في سوق ( اللنكَات )*، فلا يروق لأحد منظري، يبتاعني رجل سكّير بسعر بخس، يرتديني وأنا لست على مقاسه، طرفي يخطّ الأرض، يكنس الطرقات خلفه، الوحل يشكلّني لوحة بائسة من قيء وقرف؛ كظّله ملازمٌ له، أتنقّل من حانة منسية إلى رصيف زلق، أحلم بانقضاء فصل الشتاء؛ لعلّي أحظى بقصد من الراحة؛ فجأة يتوقف الحلم على صوت انفجار، أجفل مرعوباً، أحلق في الفراغ، تعتريني رغبة بالبكاء، أرتطم بالأرض، أتبعثر، أشلاء الرجل السكّير تخلعني، ترتدي حلّة النسيان فوق الرصيف الزلق؛ ما تبقّى منّي يُلقى في مكب النفايات، أشعر أنّي بعيد عن الموت الذي أشتهيه، غارق في ظلام دامس، وحدي في القمامة أحتسي فنائي، يؤلمني أن أطلق آخر صرخاتي دون جدوى، الصدى يردّد،
" من يجمع أشلائي المبعثرة في مسارب القمامة؟ ".
لا أحد يسمعني، الأماني تلوذ بالفرار. ثمة قوارض تنتظر بقاياي.

* سوق اللنكَات: سوق لبيع الملابس القديمة.






قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
واقع ومستقبل اليسار العالمي والعربي حوار مع المفكر الماركسي الفلسطيني غازي الصوراني
حول آفاق ومكانة اليسار ، حوار مع الرفيق تاج السر عثمان عضو المكتب السياسي - الحزب الشيوعي السوداني


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- امتزاج التأريخ بالشعر والخيال في ( غبار القصائد) / دراسة نقد ...
- دراسة نقدية لقصة ( توهُّم ) / بقلم الناقد أحمد طنطاوي
- قراءة نقدية لقصة ( في بطن الحوت ) للقاص عبدالكريم الساعدي
- حين يغرد حمار جارنا
- كانت امرأة أخرى
- ذاكرة من رماد / قصة قصيرة
- الرسالة وصلت / قصة قصيرة
- (شهقة طين) عنوان يلخّص التجربة الإنسانية ويرفعها إلى مصاف ال ...
- مع المتنبي في شارعه / قصة قصيرة
- انتظار
- محطّات / قصة قصيرة
- ( انعتاق ) قصة قصيرة
- تحليق على سطر الهامش / قصة قصيرة
- قرابين البحر
- سروال داخلي
- ((اللغة الشعرية و حوارية القصة القصيرة ))/ دراسة نقدية معمّق ...
- امرأة القمر / قصة قصيرة
- المعبر
- لإيروس قصيدة مغنَّاة: قراءة مفاهيمية ورؤية في التجسيد الراسم ...
- الإيروس قصيدة مغنَّاة: قراءة مفاهيمية ورؤية في التجسيد الراس ...


المزيد.....




- تحقيق في فرنسا حول شعارات مناهضة للإسلام على جدران مسجد غرب ...
- للمرة الثانية.. محمد رمضان يسخر من عمرو أديب: -إنت حاشر دماغ ...
- إختطاف الممثلة الشابة إنتصار الحمادي وثلاث اخريات في العاصمة ...
- مهرجان القاهرة السينمائي الدولي يعلن موعد دورته الجديدة
- سعيد يحضر أمسية فنية مصرية تونسية في دار الأوبرا احتفاء بزيا ...
- 4 فصول في دمشق.. كتاب لصحفية هولندية عن جحيم الفلسطينيين في ...
- أمسية عن المسرح الأنصاري
- السعودية تدعم صناع السينما المحليين بتخفض أسعار تذاكر الأفل ...
- جوائز بافتا: المخرجة البريطانية-الفلسطينية فرح النابلسي تقطف ...
- رواية -الرجل الذى صلب المسيح- للكاتب الفرنسي إيريك إيمانويل ...


المزيد.....

- رجل من الشمال وقصص أخرى / مراد سليمان علو
- مدونة الصمت / أحمد الشطري
- رواية القاهرة تولوز / محمد الفقي
- كما رواه شاهد عيان: الباب السابع / دلور ميقري
- الأعمال الشعرية / محمد رشو
- ديوان شعر 22 ( صلاة العاشق ) / منصور الريكان
- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- في رثاء عامودا / عبداللطيف الحسيني
- ظلال الاسم الجريح / عبداللطيف الحسيني
- أسأم / لا أسأم... / محمد الحنفي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبدالكريم الساعدي - سيرة معطف / قصة قصيرة