أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبدالكريم الساعدي - حين يغرد حمار جارنا














المزيد.....

حين يغرد حمار جارنا


عبدالكريم الساعدي

الحوار المتمدن-العدد: 4999 - 2015 / 11 / 28 - 05:47
المحور: الادب والفن
    


حين يغرد حمار جارنا

بين خطوة وأخرى يقف، يرفع رأسه، يحاول أن يفتح عينيه كمن يفتّش عن شيء ما، يمطّ شفتيه ممتعضاً. كان الوقت خريفاً، الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، الطريق موحش، خالٍ من المارة، الأزقة يلفّها صمت مخيف، يسلك طريقاً آخر لعلّه يهتدي إلى بيته، يقع في حيرة، الأزقة متشابهة، كلّ شيء صار رمادياً، يمدّ يده، تصطدم بجدار، يحدّق فيه، يبحث عن كوة لعلّه يرى شيئاً خلفه، يحاول أن يزيح غمامة تكورت أمام عينيه، البصر يرتدّ، يغور خلف ستار الظلام، تختفي الأشياء أمام ناظريه، يلحس الخوف ما تبقى من عقله، يتكوّر حول نفسه، يجلس لصق الجدار، يضع رأسه بين يديه، ينتظر بزوغ الشمس لعلّه يصحو من سكره. بعد غفوة يصحو على وقع أقدام، يلقي نظرة حول المكان، يتحسّس مؤخرته، يبدو أن برودة العشب سرت إليها، تتماوج أمام عينيه ملامح رأس كبير، له أذنان طويلتان، عيناه تشكلان كابوساً معلّقاً في الهواء، وجه يلهث وراء ضباب كثيف، متّشح بسطوة عواء الريح، مشهد يسكنه الرعب، تتزاحم خلفه عوالم غامضة، تتّسع عيناه، يتأمل المسافة الوهمية بينهما، تلتهمه المفاجأة، إنّه حمار جاره، بائع الغاز. أخذ يربت على ظهره فرحاً، يمسّد شعر رقبته، يقبّل رأسه،
" شكراً لك - أيّها الحمار- لقد هديتني إلى الطريق".
وقبل أن يدلف إلى الزقاق، تتناهى إلى سمعه أصوات غريبة، يرتدّ إلى الخلف، يلوذ بالحمار، يمدّ رأسه بحذر شديد، ينظر بامتداد الزقاق، كانت مفاجأة ثانية، ثمة جنود أمريكان يحاصران المكان، يبدون في أعلى درجات الحذر، في الجهة اليسرى تركن سيارة همر، حاول أن يحصي عددهم ولكن دون جدوى. الظلام شديد، الزقاق يرقد في صمت مريع،
" ما العمل؟ هل أقضي ليلتي برفقة حمار؟".
الجنود يتوارون خلف الهمر، إلّا واحداً، يقف محنّطاً خلف برميل صدئ، يلمع قرط فوق شحمة أذنه، يحمل بندقية، متأهب لكلّ طارئ وكأنّه صياد يروم الانقضاض على فريسته. يطيل النظر إلى شرفات البيوت بكراهية تبرق بها ملامحه، يسحب عينيه، يصوبهما نحوي، أجفل، أدسّ رأسي بين رجلي الحمار، أخشى أنّه تمكن من رؤيتي، تتسرب رائحة الروث إلى أنفي، أشعر بالاختناق، أقف مرتبكاً، ألتقي بوجه الحمار ثانية، أحسّه يضحك مني، يبدو كلانا يرتدي ذات الوجه،
" أ تراه يسخر مني وهو يشهد فزعي؟ ".
لا، الأمر ليس لعبة، إنّهم جنود غزاة، لا يعرفون الرحمة. الحمار ينهق ساخراً، وكأنّه يسألني:
- لماذا لا تذهب إلى بيتكم؟.
- لو لم تكن حماراً لأدركت سرّ خوفي، فأنا رجل أعزل، لا أملك غير أسمال بالية، وتلك الخرابة الراقدة خلف الهمر.
رأسي يمتلئ بالوساوس، يتلبّسني القلق، ربما سيدخلون بيتي، لا بدّ من عمل شيء، فكرة المقاومة تحلّ في رأسي، هي ليست جديدة، حتى الحيوان يدافع عن نفسه، الدجاجة هذا الكائن الضعيف يدافع عن أفراخه إذا ما دنوت منه،
"أ تراني عاجزاً أن أكون مثل دجاجة أم أصبحت نكتة في هذا الزمن القبيح؟". أتسوّر جدار جارنا، أصعد سطح الدار، أنظر من فسحة صغيرة، البيوت تجترّ خوفها، الزقاق تلتهمه ريح شديدة، الغبار، أكياس النايلون، تتطاير في رقصة فزع، أنظر بطرف عيني إلى الأسفل، تلتصق عيناي بوجه الجندي القابع خلف البرميل الصدئ، رماد النعاس يرقد على جفنيه، أبتسم، أرتدي ثوب شبح، أنا أعلم أنّه خائف، قوتي تكمن في اختفائي، هو لا يراني. أرميه بحجر صغير، يفزّ، يلتفت إلى جميع الجهات، لا أثر لمخلوق، يأخذ مكانه ثانية، أرمي بحجر آخر خلفه، يرتبك، يتوارى خلف الهمر، الجنود ينتشرون في الزقاق، يخيّل إليهم أنّ الليل سرمدي، كانوا يتمنون إدراك الفجر، بعد صمت مدجّج بالترقب، يدخل الجنود إلى الهمر، لكن هذه المرة يتناوب على حراستهم جنديان، أحدهما زنجي. أحسّ بالزهو يملأ كياني، أرمي السيارة بحجر أكبر، يحدث صوتاً مدوياً؛ فما كان من الجنديين إلّا أن يضيئا السماء برصاصات عمياء. يضطرب الليل، يفتح بابه على صراخ الأطفال وفزع أهل الزقاق، الجنود كلّهم مندهشون، أسلحتهم مشرعة في كلّ الاتجاهات، يبحثون عن هدف وسط الظلام. أنسلّ بهدوء شديد من السطح إلى حصني قرب الحمار، الوقت يقترب من الفجر، الحمار يعلم أنّي من فعل ذلك، وما من أحد غيري، المسافة بيننا لها مذاق الهدوء، كنت أحلم بإشراقة الشمس؛ كي أقتنص فرصة للحياة. الحمار يضخّ نهيقه في الفضاء، يرسم ضجيجاً في عتمة المكان، يدور حول نفسه في رقصة غامضة، الكلاب المنتشرة في الطرقات تشاركه في نباحها، أهرع إليه، أتوسل صمته، أنظر في عينيه، أتعثر بهاجس غريب، تكتمل يقظتي، القلق كبير، لا يسعني الانتظار، أفكّ عقدة الحبل، أربطه بصفيحة معدنية، الحمار يهزّ رأسه، أدخله الزقاق، يجر خلفه الصفيحة المعدنية، الصوت وصداه يعزفان سمفونية الرعب، يقطعان أنفاس الصمت، حان وقت الحفل؛ فليختاروا أية رقصة شاءوا، الجاز، الفالس، البولكا. الجنود يباغتهم الضجيج، يصيبهم الفزع، الهمر تنسحب وسط نيران كثيفة، الصوت ينقطع عند آخر الزقاق، بينما الجنود يختفون حين ينهق الحمار بصوت أعلى من حتفه.






قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
واقع ومستقبل اليسار العالمي والعربي حوار مع المفكر الماركسي الفلسطيني غازي الصوراني
حول آفاق ومكانة اليسار ، حوار مع الرفيق تاج السر عثمان عضو المكتب السياسي - الحزب الشيوعي السوداني


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كانت امرأة أخرى
- ذاكرة من رماد / قصة قصيرة
- الرسالة وصلت / قصة قصيرة
- (شهقة طين) عنوان يلخّص التجربة الإنسانية ويرفعها إلى مصاف ال ...
- مع المتنبي في شارعه / قصة قصيرة
- انتظار
- محطّات / قصة قصيرة
- ( انعتاق ) قصة قصيرة
- تحليق على سطر الهامش / قصة قصيرة
- قرابين البحر
- سروال داخلي
- ((اللغة الشعرية و حوارية القصة القصيرة ))/ دراسة نقدية معمّق ...
- امرأة القمر / قصة قصيرة
- المعبر
- لإيروس قصيدة مغنَّاة: قراءة مفاهيمية ورؤية في التجسيد الراسم ...
- الإيروس قصيدة مغنَّاة: قراءة مفاهيمية ورؤية في التجسيد الراس ...
- (( الواقع والشاعرية في ... هبوط عابر )) دراسة نقدية لقصة ( ه ...
- استفزاز الذاكرة في (ما بعد الخريف) دراسة نقدية للمجموعة القص ...
- غرائبية اللغة والحدث في نص ( ارتعاشة آخر ليلة ) للقاص عبدالك ...
- ( أنخاب ) / قصة قصيرة


المزيد.....




- مصر.. خالد النبوي يعلق لأول مرة منذ تدهور حالته الصحية
- -تبدو وكأنها ألحان قيثارة-... علماء يستلهمون الموسيقى من شبا ...
- المخرج الإسرائيلي آفي مغربي: الحرب همجية .. والصراعات تنشر ا ...
- فنان تركي يجمع 16 ألف خصلة شعر من نساء من حول العالم.. والسب ...
- نزهة الشعشاع تفسر أهمية -العلاج بالمسرح-
- إصدار جديد يوثق الحياة الثقافية والاجتماعية بالرباط خلال الق ...
- كاريكاتير -القدس- لليوم الثلاثاء
- المعارضة تطالب العثماني بتجديد ثقة البرلمان
- ثقافة العناية بالنص التراثي.. جماليات المخطوط في زمن التكنول ...
- إلغاء تصوير فيلم ويل سميث الجديد -التحرر- في جورجيا بسبب قوا ...


المزيد.....

- رجل من الشمال وقصص أخرى / مراد سليمان علو
- مدونة الصمت / أحمد الشطري
- رواية القاهرة تولوز / محمد الفقي
- كما رواه شاهد عيان: الباب السابع / دلور ميقري
- الأعمال الشعرية / محمد رشو
- ديوان شعر 22 ( صلاة العاشق ) / منصور الريكان
- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- في رثاء عامودا / عبداللطيف الحسيني
- ظلال الاسم الجريح / عبداللطيف الحسيني
- أسأم / لا أسأم... / محمد الحنفي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبدالكريم الساعدي - حين يغرد حمار جارنا