أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبدالكريم الساعدي - (شهقة طين) عنوان يلخّص التجربة الإنسانية ويرفعها إلى مصاف التجارب الكونية.















المزيد.....

(شهقة طين) عنوان يلخّص التجربة الإنسانية ويرفعها إلى مصاف التجارب الكونية.


عبدالكريم الساعدي

الحوار المتمدن-العدد: 4960 - 2015 / 10 / 19 - 21:03
المحور: الادب والفن
    


النص:
______

شهقة طين

في لحظة لها رائحة الدهشة، ينساق الليل إلى حلكته، بينما العيون المحاصرة تعتصرها رعشة الحنين، رعشة ترتجف بالألم والوجع والعجب، ترقب تباشير الفجر بلهفة بعدما نفد كلّ شيء، الماء والعتاد والأمل، حتى الهواء غاب ولم يعد منعشاً كما من قبل، ضاقت الحناجر بأنفاس لهيب العزلة، تلاشت الصرخات في فضاء من أسى من فرط النسيان، كان المدى مقفلاً برائحة البارود، تلفّه غيمة من دخان كثيف، والجهات تحتفي بحصارهم، أوصدت أبوابها بلهفة عيون الذئاب المتعطّشة لدمائهم.
- هي ليلة لاغيرها، ما عسانا أن نفعل؟ قال الجندي ذو اللحية الكثّة.
- ننتظر الفجر، ما هي إلّا سويعات فنعانق حور العين.
- لا وقت للمزاح والموت يحدّق بنا من كل مكان.
- ومن قال لك إنّي أمزح، ألم نأتِ من أجل ذلك؟
كانت الجراح تنزف آهات في ظلّ حيرة من الأمر، لِمَ لم يسمع أحد النداء؟ وهذا الصراخ والألم الذي يشقّ عنان السماء، أيذهب جفاءً؟ تساؤلات كثيرة كانت تتحطم عند أعتاب الكثبان الرملية المحيطة بهم . اتّكأ كلّ منهم على جراح الآخر، العيون تصوّب أبصارها بخشوع نحو السماء. كانت السماء صافية والنجوم كثيفة، باسمة بضياء القرب، باكية من هول المشهد، لكنّ الليل تزيّن بوحشة اتخذت شكل الأسر، ينذر بقيامة الروح عند بوابة الغياب. حدقّ أحدهم بوجه طفلته بلهفة شديدة، هزّه الشوق إليها، دسّ صورتها بين بزته العسكرية وبين قلبه، انطلق بما تبّقى من رصاصات نحو تلك الذئاب الكريهة، لكنّه سقط عند منعطف الشوق. المكان يبدو مقبرة مضرّجة بالوحشة، بينها وبينهم لسعة أدمع، تترقب خطواتهم عن بعد، وللزمن نكهة الفراق والذكريات، ذكريات حاضرة بكلّ تفاصيلها في مكان يلفّه صمت كثيف، تتماوج بين مدّها وجزر اللحظة، كانت معادلة صعبة أن تقارن بين الذكرى وبين الآتي، وقبل أن يلفّ العمرفراش السنين عند حافة ليله، تنفس أحدهم المكان، فكان عطر زوجته ، بينما الآخر أطلق أحلامه، ينصت بلهفة لكركرات طفل مازال يحبو، الجندي الذي أسند جسده المتهالك إلى دكة من تراب، يحدّق في وجوه الآخرين، وجوه مرهقة أضناها العطش والدهشة، لم يرَغير مقل مسهّدة بالقلق والضجر، يستتر وراءها وجه أبيه المثخن بالحزن وهو يترقب عودته، كان بصره شاخصاً نحوه، يخشى أن يمضي كما أخويه من قبل،
" كيف سيكون حاله إنْ لم أعد إليه؟"
كان الوجع وحلاً، يتمرغ فيه ما تبقى من رائحة أرواح ظامئة للعناق، والليل يشير إلى أحلام وأمنيات بعثرها الخذلان، بينما الجميع راح يبحث عن موت مشرّف في تمام السحر أو عند مطلع الفجر:
- لنا مهمة واحدة لا غير، أن نموت جميعنا، حذارِ أن يقع أحدنا في الأسر.
وفي آخر الليل وحين احتدم السكون، كانت القلوب ناظرة إلى حقول القمح وشجيرات الحناء عن بعد، والعيون تغازل السماء بنور الرجاء، تنهش بقايا ظلال مختنقة برفيف أشياء مفقودة إلّا واحداً منهم، غطّ في نوم عميق، يعلوه شخير يغشى صدى الموت، ضحك الجميع لمشهده وهم في لجة الردى:
- كيف استطاع أن يتسلّق المخاوف؟
- دعوه ربما يحلم بوجه أمه.
ولمّا لاح لواء الصباح كان الموت سحابة من دموع تهطل بخجل، يلوذ كلّ واحد منهم بموته، يحتمي بظلّ رصاصة أو قذيفة مدفع، حفروا بأناملهم ثقباً في الأرض، رسموا ظمأ الأحلام في فضاءات غابت عنها خيوط الشمس، حتى تعاقبت الفصول وعصف الخذلان، ليشيّعوا جراحهم عند دكة الغياب. وبعد أن أصبح الأنين وطناً ، ومضى حين من الموت، وجدوهم شهقة طينٍ حرّي، تهمي بسرّها الدفين عند منابر القصب والبردي.

القراءة النقدية:
__________

نص جميل، يحرك الشجون والوجدان بلغته الشفيفة، للقاص العراقي عبد الكريم الساعدي، لغة مميّزة عاينتها في كلّ أعماله التي أتابعها على المواقع المختلفة قبل. لغة راقية موشّاة ببلاغة راقية غير مفتعلة، بل منسوجة من ظلال التجربة التي يعرضها النص، لغة أقرب إلى روح الشعر بإزاحاتها التي تثري السرد وترفع مستوى النص من حكاية لبعض المقاتلين المحصورين إلى قطعة سردية راقية تمور بالمشاعر الجياشة، وتظهر معدن الإنسان في وقت المحنة.
التقط الكاتب الجميل لحظة كاشفة بقسوتها تمر بها جماعة من البشر، لم يحدد هويتهم إلا بإشارة لانتمائهم إلى فصيل إسلامي، بدلالة اللحية الكثة، وحور العين، تخوض الجماعة قتالاً شرساً ضد عدو وصفه بالذئاب الكريهة. واللحظة التي انتخبها الكاتب ليسلط الضوء على الجماعة المقاتلة هي انحصارهم حيث لا مهرب ( والجهات تحتفي بحصارهم ) .. وقد سترهم الليل عن العدو. ونفذ الماء والعتاد والأمل، ولا أمل حتى في نجدة تسعفهم (تلاشت الصرخات في فضاء من أسى من فرط النسيان ). هيّأ الكاتب مسرح الأحداث لتناسب الدراما الإنسانية التي على وشك أن تدور. يمثل ظلام الليل ستاراً مؤقتاً يخفيهم عن عيون العدو، لكن ما أن ينبلج الصبح حتى يحين المصير المحتوم. فلا فرصة لهم في النجاة. يمرّ الليل على الرهط في استدعاء الصور والذكريات التي تؤكد ضعفهم الإنساني. لكن هذا الضعف لا يمدّهم إلّا بمزيد من القوة والعزيمة. يلتجئون في تآزر حميم إلى صور أهليهم وذويهم يستمدون منها شحذ همتهم في انتظار ما هو آت ( يتّكئ كلّ منهم على جراح الآخر ). ورغم المحنة فهم لا يرومون إلّا موتاً مشرفاً، تبرّره الخلفية الثقافية التي نشأوا عليها. فهم لم يبدأوا حربهم الّا طلباً للشهادة،
(ولمّا لاح لواء الصباح كان الموت سحابة من دموع تهطل بخجل). انتهت حياة الثلة عند منابر القصب والبردي - لعله مكان في الأغوار - بصمت وإباء وشموخ، عادوا إلى أمّهم الأرض.
وشهقة الطين الحري هو عنوان يلخّص التجربة الإنسانية ويرفعها إلى مصاف التجارب الكونية. فالإنسان الذي هو مضغة من طين الأرض يمور في جوهرة بقدرات هي قبس من الروح العلوية المتسامية. نص جميل شفيف بلغة أكثر من رائعة، وهي اللغة التي ذكرت في أكثر من مناسبة، إنّها تنطوي على ما هو أكثر من مجموع كلماتها، لغة تحلّق بك كقارئ في أفق أعلى يتجاوز حدود النص.



#عبدالكريم_الساعدي (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع د. علي بداي حول التلوث البيئي والتغيير المناخي، اسبابهما وتاثيراتهما على الارض الان ومستقبلا
حوار مع الكاتب الروائي البحريني احمد جمعة حول الادب الروائي في المنطقة العربية ودوره في قضايا اليسار


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مع المتنبي في شارعه / قصة قصيرة
- انتظار
- محطّات / قصة قصيرة
- ( انعتاق ) قصة قصيرة
- تحليق على سطر الهامش / قصة قصيرة
- قرابين البحر
- سروال داخلي
- ((اللغة الشعرية و حوارية القصة القصيرة ))/ دراسة نقدية معمّق ...
- امرأة القمر / قصة قصيرة
- المعبر
- لإيروس قصيدة مغنَّاة: قراءة مفاهيمية ورؤية في التجسيد الراسم ...
- الإيروس قصيدة مغنَّاة: قراءة مفاهيمية ورؤية في التجسيد الراس ...
- (( الواقع والشاعرية في ... هبوط عابر )) دراسة نقدية لقصة ( ه ...
- استفزاز الذاكرة في (ما بعد الخريف) دراسة نقدية للمجموعة القص ...
- غرائبية اللغة والحدث في نص ( ارتعاشة آخر ليلة ) للقاص عبدالك ...
- ( أنخاب ) / قصة قصيرة
- ( مرايا الشيب ) نص يؤسس لنمط مميز في السرد
- بلاغة الغموض في رسائل الموتى / دراسة نقدية - بقلم الناقد الم ...
- ( مدارج العتمة )
- ( الرفيق ديونيسوس )


المزيد.....




- بيتر كناب؛ الحرية خلف تموضع الجسد
- شاهد: عودة مهرجان الموسيقى الإلكترونية الأكثر برودة في العال ...
- -شكلي هبعت أجيب المأذون-.. شاهد رد فعل فنان مصري على حديث يا ...
- موسيقى الاحد:في مئوية الملا عثمان الموصلي
- بيت المدى يستذكر الفنان الهزلي المنسي لقلق زاده
- كاريكاتير العدد 5357
- مصر.. مصدر مطلع يحسم الجدل حول -قبة الأربعين- وأحقية ترميمها ...
- بالذكاء الاصطناعي.. طريقة من -غوغل- تحول النصوص إلى موسيقى
- سارة درويش تطلق روايتها الجديدة -باب أخضر للهاوية-
- وزيرا الثقافة الأردني والطاقة النيجيري في زيارة للقومي للحضا ...


المزيد.....

- كناس الكلام / كامل فرحان صالح
- مقالات الحوار المتمدن / ياسر جابر الجمَّال
- الشعر والدين : فاعلية الرمز الديني المقدس في الشعر العربي / كامل فرحان صالح
- (تنهيدة الكامل (مشى في أرضٍ لا زرع فيها / كامل فرحان صالح
- نجيب محفوظ وأحلام فترة النقاهة دراسة بين المؤثرات النفسية وا ... / ياسر جابر الجمَّال
- خاطرة وفكرة (ب) / ياسر جابر الجمَّال
- خاطرة وفكرة(ج) / ياسر جابر الجمَّال
- خاطرة وفكرة(أ) / ياسر جابر الجمَّال
- يُوسُفِيّاتُ سَعْد الشّلَاه بَيْنَ الأدَبِ وَالأنثرُوبُولوجْ ... / أسماء غريب
- المرأة في الشعر السكندري في النصف الثاني من القرن العشرين / ياسر جابر الجمَّال


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبدالكريم الساعدي - (شهقة طين) عنوان يلخّص التجربة الإنسانية ويرفعها إلى مصاف التجارب الكونية.