أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زكي رضا - الى رائحة الشواء في كرّادة الشهداء














المزيد.....

الى رائحة الشواء في كرّادة الشهداء


زكي رضا

الحوار المتمدن-العدد: 5216 - 2016 / 7 / 7 - 05:50
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لم تكن الحقيبة الصغيرة التي تحمل على الكتفين ثقيلة أول الأمر وأنا أحملها على ظهري أو أنني لم أكن أشعر بثقلها وأنا أسير بها في جو عاصف وماطر، محمّلة ببعض الكتب التي طلب صديق لي أن أوصلها لصديق ثالث. ولم أكن أعرف نوع الكتب التي فيها فالأمر ليس بتلك الخطورة كالتي كان عليها عراق البعث أو العديد من البلدان العربية والأسلامية ما يجعلني أن أعرف محتوياتها قبل أن أخطوا بها خطوة واحدة، بل على العكس فالكتاب هنا مباح كما الدم عندنا مباح.

في منعطف يؤدي الى شارع مخصص للدرجات الهوائية توقفت على صراخ إمرأة تصرخ بي جاحظة العينين وكأن بها مس من الجنون، لتسألني عن سبب الدماء التي تنزف من ظهري ولتطالبني بالتوقف لحين إتصالها بالإسعاف والشرطة كونها إعتقدت من أنني تعرضت لحادث ما كطعنة سكّين مثلا، كوني كنت ساعتها أسير مترنحا مغمض العينين إمّا هربا من صفير الريح أو من زخّات المطر التي كانت تهطل بغزارة محوّلة الشارع الى بركة ماء أو كليهما.

طمأنتها بعد شكرها، من إنني بخير ولم أتعرض لأي سوء وإنني أحمل في الحقيبة بعض الكتب وليس فيها أيّة أدوات حادة قد تكون أصابتني بأي جرح، ومددت يدي وأنا احدثها لأتحسس ظهري واتأكد مما قالته حول الدماء التي تنزف منه. فتبللت أصابعي بمادّة لزجة التي ما أن رأيتها حتّى حلّ بي الخوف كون تلك المادة كانت دما بالفعل مثلما قالت تلك السيدة. فساعدتني وأنا أرتجف خوفا في نزع الحقيبة عن ظهري متسللين هربا من المطر داخل بناية لمكاتب شركات مختلفة، ومن ثم تحسّست هي ظهري ووجدته سليما ما دعاها الى التراجع قليلا والرعب يملأ عيناها الزرقاوتان لتكتم صرخة بداخلها كونها توقعّت وجود رأس منفصل عن جسده في حقيبتي تلك، أو لست مسلما أو ما يوحيه شكلي ولهجتي بذلك، أو لست قادما من بلاد الموت اليومي الذي يقتل به الأبرياء على مدار الساعة. الّا أنني هدأتها حين جثوت على ركبتي فاتحا لها حقيبتي لتتأكد من محتوياتها قبل أن يتجمع علينا المارّة والمراجعين لتلك المكاتب.

تفضلي سيدتي وأنظري بنفسك أنها كتب وليست رؤوسا مقطعة أو بقايا أجساد آدمية، الا انني تعجبت وأشتد خوفي أكثر منها وأنا أرى كتابا منها ينزف دما من صفحات عدّة فيه. فمددت يدي اليه وإذا به القرآن ينزف دماء غزيرة من آيات "أنفاله ومحمده وتوبته ونساءه" ورأيت ضربا فوق الأعناق وضربا في كل بنان، ورأيت فيه أجساد مصلوبة، وأخرى مقطوعة أرجلها وأيديها من خلاف، ورأيت فيه قوافل من الأبرياء يُنفَون من بلادهم ليكونوا مهجّرين فيها. رأيت فيه 96 موضعا مليئة بالجثث البريئة التي قُتِلت وتُقتل منذ ما يقارب الـ "1400 عام"، رأيت فيه سجّين وحطمة وسموم تشوى فيها الأجساد البشرية، رأيت فيها مالكا تتحرك أبالسة الجحيم بأمره، وسمعت منها صراخ كصراخ الأيزيديات وصراخ ثكالى العراق وهنّ يندبن أبنائهن وإخوانهنّ وأزواجهنّ بعد كل تفجير يهزّ كل شيء الا ضمائر المؤمنين من رجال الدين.

رأيت فيه الكرّادة والموت الذي طارد أطفالها الأبرياء و فتياتها الجميلات، رأيت فيه الموت وهو ينظر شزرا الى عيون فتية يلهون ببراءة حالمين بغد أجمل ، رأيت فيه آباءا وأمهات يحلمون بيوم فرح سلبه منهم الدين وصراعه المستمر منذ سقيفة بني ساعدة، رأيت فيه عشّاق ألتقوا ليسرقوا من الحياة لحظة فرح جميلة في زمن أسلامي أسود، قبل ان تتحول تلك اللحظة الى ركام. نظرت اليها منكسرا ودموعي لزجة بعد أن تحولت الى دم بلون قان.

انظري سيدتي الم أقل لك أنها كتب وليست رأسا منفصلة عن جسد فصرخت بي وهي تترنح، يا هذا أنا أرى في حقيبتك جبالا من الرؤوس المقطعة والأشلاء المكدّسة فوق بعضها البعض، أنا أرى محيطات من الدم اللزج، أنا أسمع صراخ نسوة وأطفال ورجال هدّهم الذل. ولكن مهلا الا تشتم معي رائحة شواء تنبعث من كتابك هذا، رائحة شواء أجبتها بشيء من البله وانا اضع أرنبة أنفي بالقرب من الكتاب، فقلت لها نعم أنها رائحة شواء. فقالت من أين تأتي رائحة الشواء هذه ولم رائحته غريبة بهذا الشكل، فاتّكأت بظهري على الجدار ببكاء هستيري وقلت لها .... سيدتي إنه رائحة شواء أجساد أبناء وطني الذي تلذذ المؤمنون بشّيهم .. أنها رائحة الكرّادة.

"مرّة تعبد حجرا ولكنك لم تضرب به أحدا، فإن كسروه لك، قبلت أيديهم. ومرّة تعبد الله ولكنك تسبي وتقتل بأسمه. في الأول أنت بدين الله حتّى وإن كنت وثنيا، وفي الثانية أنت ضد الله وإن سُميت داعية أو مجاهدا" .... من كتاب لصوص الله لعبد الرزاق الجبران



#زكي_رضا (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- القمامة أطهر من البرلمان العراقي
- إني لأعجب كيف يمكن أن يخون الخائنون ... أيخون إنسان بلاده؟ ( ...
- عمّار الحكيم يهدد
- السيستاني يؤكد تصريحات سليماني حول التدخل العسكري الإيراني ب ...
- إذا لم تستحي فكن دعويا
- أين هو الدم بالدم أيها الدعاة ويا عبيد المالكي
- سنشكوكم الى الله أيها القتلة واللصوص !!!!!
- المرجعية تدعو الفاشلين الى التفكير بمستقبل - شعبهم - !!
- هل العراق دولة كي تكون له هيبة؟
- صدگ ما تستحون
- العراق بازار يباع فيه كل شيء ... متى يباع البازار؟
- آلو .. yes .. چشم * .. أمرك يا طويل العمر
- ثوابت -المحرر- الامريكي ... المحاصصة ثم المحاصصة فالمحاصصة
- هذيان المالكي
- أمنيتان
- من يراهنني؟
- خبز .. حرية .. دولة مدنية
- لا إصلاح الّا بقبر المحاصصة
- تظاهرات الوعي وتظاهرات اللاوعي
- حتّى أنت يا -نجامينا- !!


المزيد.....




- أول تعليقات -رسمية- من إسرائيل ولبنان بشأن إعلان ترامب عن -و ...
- إيران تختار “الحل المؤقت” لتجنب تنازلات نووية وحسم -هدية- هر ...
- فرنسا تحظر مشاركة مسؤولين إسرائيليين بمعرض يوروساتوري للدفاع ...
- شائعة استقالة الرئيس الإيراني تثير ضجة واسعة.. وإيران تحسم ا ...
- هل هناك أغذية خاصة تقوي الرغبة الجنسية؟ إليك ما يقوله العلم ...
- الانتخابات الإثيوبية.. عيون على البرلمان وقلوب على لقمة العي ...
- من غاز الأسيتيلين إلى أشعة الليزر.. رحلة تطور مصابيح السيارا ...
- بعد إعلان ترمب.. هل فقد نتنياهو ورقة التصعيد بالضاحية الجنوب ...
- -رئيس وزراء أم دمية؟-.. هجوم إسرائيلي لاذع على نتنياهو
- إيران: نحو 300 سفينة أجنبية تقدمت بطلبات تصريح لعبور مضيق هر ...


المزيد.....

- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زكي رضا - الى رائحة الشواء في كرّادة الشهداء