أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد مزيد - رواية ( الغرق )















المزيد.....

رواية ( الغرق )


محمد مزيد

الحوار المتمدن-العدد: 5131 - 2016 / 4 / 12 - 02:55
المحور: الادب والفن
    


– بابا .. محاسن هربت مع طفليّها وتركت زوجها.
قال ذلك ولدي علي ، ثم صمت ، منتظرا رد فعلي ، كل يوم يأتيني بالأخبار ، عن اوضاع عوائل لاجئة ، لكنها لاتثير إهتمامي ، الا أن خبر محاسن صعقني ، المرأة الفاتنة ، ذات القوام الممشوق والوجه الابيض المدور والتي ترتدي ملابسها على طريقة المراهقات التركيات إذ تلتصق بناطيل الجنيز الضيقة بمؤخراتهن فلا تقوى على التنفس حين يخطفن من جانبك .
سألته :
- الى أين هربت ؟
- الى اليونان بقارب مطاطي .
وجف قلبي وقبل أن أستوعب النبأ ، عاجلني ولدي بخبر أشد وقعا :
- يقولون ابو المحابس معها .
تعرّق جبيني ، وجف ريقي .. هبطت صورته التي أمقتها امامي ، شاب أربعيني يعلك على الدوام ، يرتدي ملابس أنيقة ، وجهه مريب ، كنت أخشى الاقتراب منه ، بعد أن سمعته يقول كلاما عن النساء العراقيات يخدش الحياء ..
قلت : - أبو المحابس .. هذا النافخ صدره دائما ؟
قال : - اي بابا .. طلع صاحبها !
نهرته : - اخرس.
قبل بضعة أشهر ألتقيت بزوج محاسن ، وأعتذرت منه وهو سكران عن عبارة أطلقتها بحق زوجته كان قد حرفها الواشون ، وفي اليوم التالي نسي السبب الذي من أجله قدمت اعتذاري كما علمت فيما بعد ، زوجها يعمل في أكبر مصنع لنجارة الخشب في المدينة الصناعية شرقي المحافظة ، يذهب صباحا ويعود ليلا ، قيل إنه أسطه ممتاز في صناعة الأبواب الخشبية ، وقيل أيضا إنه لا يعرف شيئا عن الحياة الا من خلال طبيعة عمله الشاق ، وكثيرا ما سمعناه ينتقد تشكيل الابواب والنوافذ ، حين نمشي مع مجموعة من زملاء اللجوء ، باتجاه المول او المقهى الذي يطل على محطة المترو في ساحة اتاتورك وسط الميدان ، يتمعن في الابواب ، كأي خبير ، ويعطي رأيه فيها من دون ان نفهم ما يقول ، فيما كان العديد من الزملاء يخشون محادثته ويعبرون عن سخطهم بسبب غموضه ، لايقوى على ابداء اي رأي حين يتحول الكلام عن النساء ، يفسره البعض ، نتيجة زواجه من امرأة فاتنة ، قيل انه يكرع كؤوس الخمرة الى ما بعد نهايات الليل ، كأنه يبكي حظه العاثر لزواجه من امرأة مثلها ،وذات يوم نقل لنا محيوس انه شاهدها تآوي الى البيت قبل انتصاف الليل ، لا نثق بما يقوله محيوس ، ولكن قد يفوتك من الكذاب صدق كثير ، سألناه اين يمكن قد أمضت الوقت ، لم يجب ، كان يبدو إنه يريد الانفراد بإحدنا حتى يروي عنها أخباراً ملفقة ، قال إنه شاهدها تذهب للتوقيع في الإمنيات مع إبي المحابس . كنا نتلهف لمعرفة إية معلومة عنها ، إذ غالبا ما كانت تثيرنا ، تجعل خيال الواحد منا يشطح ، هذه الأقاويل غالبا ما تجعلني صامتا بينهم ، لا يمكنني مجاراتهم في تأكيد او نفي ما يقولونه عن الناس في هذه المدينة .
ولدي علي أخذ يرمقني بطريقة لم تعجبني ، مع أبتسامة كان يريد من خلالها القول إنه على علم باعجابي بمحاسن ، خزرته ، فنكس رأسه ، وهو يكتم ضحكة ، نظرت الى زوجتي فوجدتها تتابع الخبر ، لم تبد رأياً بشأن محاسن ، فهي طالما عبرت عن تذمر من سلوكها.. كنا قد تعرفنا عليها في سوق الخميس أيام الصيف الفائت ، ترتدي بنطلوناً لاصقاً ، وبلوزة بنفسجي تُظهر أعلى صدرها ، حين سمعت حديثنا قالت لنا : أنتم عراقيين .. ؟ خفق قلبي لها بسبب طريقة كلامها ، توقعت زوجتي إنني سأجيبها فبادرت بسرعة بدون أبتسامة :
- تفضلي ..
وجهت المرأة الفاتنة كلامها لي :
- حبيت أساعدكم ، إذا كنتم بحاجة الى الترجمة أو غيرها .
مددت بصري الى إزدحام السوق بالنساء ، لم أجد أي واحدة أجمل من هذه المرأة ، ثمة أحمر شفاه صارخ ، وخيط من الكحلة على رمشيها ورأيت عينين سوداويتين يتطاير منهما الشغف ، أنبسطت روحي تهيم فوق رمال البحر ، في تلك اللحظة تصورت الأجساد المفروشة تحت الشمس تشبه وجه هذه المرأة .
زوجتي راقبت تغنجها وفهمت معنى حك سبابتي أسفل فكي وقالت : - شكرا لك !
أبتسمت المرأة وهي تغادرنا بتلك المشية المثيرة ، ولكن نظرتها وحركة شفتيها كشفت كل شيء.
قلت لإبني علي ، وأنا أراقب نظرات زوجتي الحازمة :
- متى عبروا ؟
- فجر الامس وصلوا أزمير .
- وأبو المحابس معهم ؟
ردت زوجتي بشيء من العصبية :
- مو كال الولد انه معها بعد شطولتها ؟
أنا أحترم الحزم في أراء زوجتي حين يتعلق الأمر بنساء آخريات ، نظرت إليها بمودة مفتعلة ، وأبتسمت ، ثم قلت لها :
- خطية محاسن ، هذا قشمرها .
مازالت غاضبة وهي تعقد حاجبيها :
- خطية أنت ، قلبك إنكسر عليها ، إسليِمة تطمها .
من الطبيعي لواحدة مثل محاسن أن تهاجر الى أرض الله الواسعة ، لكن ما أحزنني إنها ذهبت برفقة إبي المحابس ، وهذا الإنسان ألتقيته مرة فكرهته كرها شديداً ، كان ذلك في مكتب دلالية الارملة التركية بهار ، جالسا على يمين المنضدة ، نافخاً أوداجه ، يضع ساقا فوق الآخرى ويتحدث باقتضاب شديد ، جملته نافرة ، مع ضحكة يزفر فيها الهواء فلا تبدو طبيعية ، كان سبب زيارتي مكتب الدلالية لتجديد عقد إيجار شقتي التي لم يبق سوى شهر واحد حتى ينتهي ، كان صديقنا المترجم حازم يجلس الى جانب بهار ، لا أعرف لم غمزني حازم وأشار إلي أن أجلس بجانبه ، فلم أفكر كثيراً في طبيعة الغمزة ، ومغزاها ، لإنني أعرف أن تصرفات من هذا النوع قد لا تحمل إي فحوى ، فاذعنت الى إشارته وجلست مقابل إبي المحابس الذي كان يضع محبسا من الذهب ببنصره الأيمن وآخر ببنصره الأيسر ، كانت المرأة التركية تتحدث مع حازم وكنا نحن الجالسون لا نفقه مايقولان ، أنبرى حازم الى إبي المحابس قائلا:
- ميخالف وافقت المدام .
في الاثناء ، تركنا ابو المحابس حين شاهد امرأة عراقية مقبلة الى المكتب ، نهض بسرعة كأي خفيف ، التقى بها قبل وصولها الى مسافة قريبة من المكتب ، لبثا يتحدثان على رصيف الشارع ، ظهره لنا ، والمرأة وجهها أمام أنظارنا ، ترتدي تنورة قصيرة وتحتها جوارب سوداء ، سرح خيالي للتمتع بمشاهدة اصابع المرأة بسبب لون اظفارها ، واحالتني الى تذكر امرأة شاهدتها في الباص الذاهب من ساحة الاندلس الى باب المعظم ابان ثمانينات الحرب الطاحنة ، ، أرى هذه المرأة اول مرة ، ولا اظنها من مهجري الموصل او الانبار ، أوحت حركاتها وهي تتحدث بصوت ناعم إنها على علاقة مع عدنان ، تحججت بمنع التدخين في المكتب .. فنهضت لأدخن سيجارة خارجه حتى أشبع فضولي ، متطلعا الى جسدها عن كثب ، إضافة لشغفي بسماع أصوات النساء لاعتقادي إنها تكشف عن طريقة وضع رأسها على الوسادة جهة خدها الايسر ام الايمن او على بطنها ، واحب تخيل منام اي امرأة فاتنة على بطنها ، لانها تكشف عن نوع الحرية التي تمارسها في خيالها ، ، اشعلت سيجارتي وشنفت اسماعي لمعرفة طريقة حديث المرأة الذي كان ناعما، كان يظهر أن حرف الشين يتسيد الفاظها ، ولم اتوقع افتعالها نعومة صوتها ، لمحت حبات عرق كنمنم شفاف على رقبتها الملساء ، وهي تنظر بقلق الى ابي المحابس طويل القامة ، كانت تتحدث ، وهو صامت كاي أخرق ، يهز رأسه ، لا أدري لم تصورت إنه أخرق ، دوافعي غامضة في تحديد نوعيته من الرجال ، إذ كلما شاهدت رجلا طارئا يتحدث مع امرأة جميلة ، أتوقعه شهوانيا وتافها ، صوت المرأة أحالني الى دوش الحمام ، وتصورت المرأة القصيرة التي تقف امامنا ، كيف سيكون شكلها وهي عارية ، ثمة شجرة عملاقة يقفان تحتها ما فتئت تنثر أوراق الخريف عليهما، وعندما أجلس في مكتب بهار تغيضني أغصانها التي تتطاول الى السماء بسبب خلو بلدنا منها ، وتبدو هذه الشجرة مدللة اكثر من اللازم لأن عمال النظافة يتفقدونها كل صباح ومساء يجمعون ما تساقط من اوراقها الميته ، سرت بخطوات بطيئة لاقف خلفها على مبعدة ثلاثة امتار ، ولم أبال بظنون البعض وما سيقولونه عن حركتي للوقوف خلفها، وبعد أن حفظت تفاصيلها أطفأت سيجارتي ودخلت الى المكتب وكان ابو المحابس أنتهى من حديثه الملغز مع المرأة ، التي غادرت وهي تزيل ورقة سقطت من الشجرة التصقت بمؤخرة صاخبة سيضطرب لها القارب المطاطي إذا صعدت فيه باتجاه اليونان ..
جلس ابو المحابس بجانبي فرشقني بعطر آخاذ ، وقال عبارة مع كتم ضحكته لم اتبين معناها .. فالتفت إليه في الوقت الذي أصدر حازم ومحروس وسنان ضحكاتهم المجاملة له .. كانت نظرتي ، أستفهامية ، فلم أضحك معهم تحت ظل عدوى الضحكات المتقطع ، قال لي ، بدون أن يمهد الكشف عن نيته لمحادثتي " صدكني حجي .. كلهن خرط " .. أشمئزت نفسي منه ، واحتقرته .
قلت لابني :
- كيف عرفت إنهم ذهبوا الى أزمير ؟
صاحبة الحاجبين المعقودين ، زوجتي منذ ثلاثين عاما ، مازالت تواصل نضالها في سبيل الخروج من عنق هذا الموضوع ، الذي يثير حكة في فروة رأسها.. وأنا أبتسم لها أبتسامة تعرف معناها ، ومفادها إنني لن أغير الموضوع مهما بلغ تذمرها الزبى ، وجدتها كانت تهم بقول عبارة ، ولكنها حين أكتشفت أصراري لمعرفة أدق التفاصيل ، قالت بانشراح مفتعل :
– أجلب لك شايا ، حتى تهدأ .
من أين يأتيني الهدوء إذا كانت محاسن " فاتنة قيصري " قد هربت الى اليونان عبر البحر ، أنا أقهقه الآن على التعبير الذي أطلقته عليها ونال شهرته بجدارة بين الإعداء والإصدقاء ، كما إنه ترك أثر في نفسها حين سمعته من مهند ، الذي اسميته فيما بعد " محيوس " ، وهذا محيوس يتمتع بامكانيات وقدرات هائلة لقلب الحقائق ونقل أقوال الناس من الناس الى الناس بتحريف وتدليس وتخريف وتضخيم حسب ما يتطلبه الموقف ، وعندما أسميته بهذا الاسم شاع في الوسط العراقي مثل النار في الهشيم ، محيوس نقل إليها عبارة " فاتنة قيصري " فألقى في نفسها بذرة محبة لشخصي المتواضع ، لا تأتيني بسهولة ، في هذا العمر ، محبة تنتشل الانسان من الضياع والجنون وهلس ما تبقى من شعر الرأس ، فاخبرها أن الاصلع المثقف قال عنك هذه الجملة ، وقيل انه لاول مرة في حياة محيوس ينقل جملة بكل صدقها ودقتها ، ودلالاتها الميتافيزيقية مع وصف كامل لطريقة القول ، والمكان والزمان الذي قيلت فيه ، ، اذكر إنني قلتها وقت الغروب ، حيث الحسناوات تزدحم بها الشوارع والارصفة والاماكن العامة ، خروجا من البيوت أو إيواء إليها ، بحيث يصعب إحصاء ومتابعة كل أنواع الجمال الذي يهفهف ويتطاير على هذه الارصفة ، حتى لكأني أرى الاشجار تنحني لمتابعة رقصة المؤخرات وهي تتمايل ذات اليمين وذات الشمال على إيقاع مشي الفاتنات ، وعبارتي " فاتنة قيصري " أختلط فيها المزاح بالحسرة والتمني ، كنا نجلس في الحديقة مقابل " الفروم " او المول الكبير ، ندخن السجائر ونتابع تدفق حركة الجميلات ..ولما سمعت أحدهم قال أسم محاسن ، شعرت بنتله كهربائية ، كأنه صفعني على قفاي ، على أثرها اطلقت العبارة الشهيرة " محاسن فاتنة قيصري " .. بعد يومين ، نقل أحد الوشاة عبارتي فورا الى زوجها ،لا أعرف الاثر الذي تركته في نفسه ، ولكنني توقعت إنها لن تتسبب بتوتر علاقتنا الطيبة وانجرافها الى الخطر ، لن اخبركم ماذا جري بيني وبين زوجها ، وكيف ذهبت اليه ليلا وقد تعتعتىه الخمرة فاقنعته بتحريف العبارة ، بقيت مشكلتي قائمة مستعصية مع الناقل المنافق الذي يقول العرف الديني انه اخطر من القتل ، عرفت أسمه بعد جهد ، ولم يكن ليخطر على بالي ان ينقلها احمق لا يشغل اهتمامي قط ، الناقل ليس محيوس طبعا ، لان الاخير على خصام مع زوج محاسن ، واذا ما حاول نقل هذه العبارة فانه سيشك بدوافعه المريضة ، وهي دوافع لها علاقة بالوضع النفسي العام لدى اللاجئين العراقيين حيث هناك التباس لا يمكن تقديره ، في ايجاد معنى نوع العلاقات بين بعضهم البعض وهم بانتظار ما تسفر عنه نتائج مقابلاتهم في مكاتب الامم المتحدة ، الكثير منهم لا يشعر بتأنيب الضمير عن الاغلاط والاخطاء والهفوات الشفاهية التي تجرى خلال الاحاديث الكثيرة بينهم، ولا احد يمكنه ان يصفح عن الاخر اذا ارتكبت تلك الاغلاط ، علاقات غير متوازنة بين انواع شتى من البشر بينهم الفقير والغني والمثقف والسطحي والاصيل والساذج والطيب والغبي والبعض ممن لا يعرف من الحياة سوى الاكل والجنس ، هناك تشوهات في الاخلاق وعدم معرفة عميقة بفن الحياة ، المهم ان سبب الخلاف بين محيوس ورائد زوج محاسن يعود الى سوء الفهم وقد جرى نقاشا بين الاثنين تطور الى لطم رائد محيوس صفعة مباغتة لم يتمكن من ردها ، .
لم تنته قصة العبارة التي اطلقتها على محاسن عند هذا الحد ، فقد تطورت الى مستويات اخرى ، اذ سألت محاسن امرأة عراقية تعمل في محل كوافير ، هذه المرأة طفحت في نفسها كل مجاري النفاق والاكاذيب وتلفيق الحكايات ، وتبللت روحها بمكائد الوشاية فلم تكذب نفسها حين تركت زبونة كانت تحت يديها وهرعت الى التلفون لتخبر زوجتي بسؤال محاسن عني ، ( تعرفين محاسن ام الدروب مو خيتي ) لكن الحكمة التي تتمتع بها الزوجة قطعت الطريق امام تأويلات تخوض فيها المرأة الناقلة .
في الليل تحول كلام الناقلة الى عبوات صوتية وانفلاقات ناقمة لدى زوجتي وهي تحاول ان تعرف ما الذي قلته بحق ( ام الدروب ) !!، انتهينا الى مراضاتها بطريقتي الخاصة .
لكن في وقت آخر فتح زوج المرأة الناقلة كل التقرحات العاطفية في قلبي حين أخبرني كيف وقعت عبارتي بقلب محاسن وقعا مؤثرا ، اضطررت على اثرها ان اعزمه في مطعم متخصص بالباجة ، ومن ثم ذهبنا الى المقهى ، حيث استمر يمتص سيجارة بعد اخرى من علبتي ، وبين دقيقة واخرى يبعث على النادل ليجلب شراب القره توت ، اخذنا زاوية بعيدة عن عيون العراقيين ونحن نطل على موقف للمترو يزدحم بالفاتنات في شارع تتقاطع فيه ثلاثة فروع متقاربة ، زوج الناقلة واسمه رعد قال لي ان محاسن اخبرت زوجته التي تعمل كوافيره في محل امرأة تركية أن عبارتي وقعت في نفسها وقعا على اثرها لم تنم ليلتها ، كانت تنظر الى وجهها في المرآة وتتحسس خدها الايمن التي تشوهه لطخة جرح قديم ، وكل حين ، تخلع ملابسها ، ثم ترتديها ، ثم تخلعها لتدس جسدها لصق زوجها حتى يستيقظ عصفوره ، لكن زوجها المثقل بيوم شديد التعب كان من النادر ان يستجيب للاثارة " ماذا اقول لك يا ام رعودي ، لم استطع النوم ، تمنيت في تلك الساعة أن اكون بجانبه كي يسمعني مثل هذا الكلام ، صحيح هو اكبر من زوجي بعشر سنوات ، لكن كلماته تحفر بالضلع ، لما سمعتها احببت مشاهدته كيف ينطقها ، بعض الرجال يعرفون كيف يخدرون النسوان بالكلام الحلو ، هنيالها زوجته ، يمكن ما شبعت منه ، ثم التفت محاسن الى باب المحل تراقب دخول زبونة تركية سريعة الحركة ، رطنت بكلمات لصاحبة المحل وهي تنظر الى محاسن باشمئزاز ونفور ولم تقابلها الاخيرة بنفس المشاعر ، بل ابتسمت حين سمعت رطانة التركية ، فاخذت تصغي اليها وهي تتدفق بكلامها السريع ، شاعرة بمتعة المتابعة ، ذلك لان محاسن في مثل هذه المواقف ، تفهم مايقوله الاتراك ، وهم يشتمون العراقيين والسوريين والايرانيين لوجودهم بكثافة في مدينة صغيرة مثل قيصري ، كانت السنتان التي امضتهما محاسن كافية لمعرفة لغتهم ، فتحدثت سريعة الحركة عن الرجال الاتراك الذين تعتبرهم مخصيين لانهم لا يجدون المتعة الا في الاجنبيات مثل العراقيات والايرانيات ولا يتفرغون للزواج من بنات بلدهم ، وقالت لها ان نسبة العونسة بين التركيات اصبحت لا تطاق وعلى اللجان الحكومية ان تجد حلا لذلك ، فليس من المعقول ان نصف الشابات فقدن الامل بالزواج بسبب عزوف الشبان الاتراك عنهن ورغبتهم المنحطة بالجنس فقط ، في اثناء تلك الرطانة المستمرة توقفت محاسن عن التحدث مع أم رعد مما اثار انتباه صاحبة المحل ، فنصحت المتحدثة سريعة الحركة ان تتوقف لانها ترى ان هذه العراقية قد تكون على معرفة بلغتهم ، لكن سريعة الحركة استمرت غير آبهة ، فهمست محاسن لام رعد الاستمرار في الحديث لتعطي انطباعا انها لا تفهم رطانتهم ، فطلبت ام رعد منها ترجمة ما تقولانه ، ولم يكن صعبا على محاسن تلفيق اقوالا لم تقلها التركية فقد اتقنت هذه الصنعة ، أخبرت سريعة الحركة صاحبة المحل بأن ابنتها اقلقت حياتها وسوف يطلقها زوجها لضعف في مراقبتها وهي تذهب كل يوم مع صديقها تاركة مدرستها الثانوية لتنام معه في شقته كل الليل ، أخذت محاسن تتحدث ببطء لان عقلها بقي مشغولا في تفاصيل قصة التركية مع إبنتها ، لديها أمكانية لا تتمتع بها اي امرأة آخرى في الاصغاء الى اثنين وتتكلم بالوقت نفسه الى ثالثة ، أسلوب اعتراضات أم رعد لا ترتاح إليه محاسن ، لأنه يمنعها من الإصغاء الى حديث التركية ذات الوجه المضحك ، فداعبت محاسن فخذ ام رعد مع إشارة التوقف عن الكلام لافهامها بأنها تريد الاستماع الى تفاصيل حياة التركية ، وهذه بدورها مازالت تروي بعض تفاصيل حياتها مع زوجها وكيف إنه بات يشك بفقدان كمية من الليرات متهما اياها ، وعندما يصحو من السكر في اليوم التالي يخبرها بوجود المبلغ ويأسف لاتهامها بالسرقة ، لم تستطع محاسن كتم ضحكتها تحت مراقبة صاحبة المحل ، فنهرت زميلتها التركية بالتوقف لان هذه العراقية تفهم كلامها ، عادت محاسن الى المراوغة ، وطلبت من ام رعد الصمت لانها تريد الاطلاع على غرابة حياة هذه التركية سريعة الحركة ، عرفت محاسن ، وهي تصغي الى صاحبة الوجه المضحك ، انها تعمل في محال ملابس رجالية ، وفي نهاية عملها يبوخها المدير لفقدانها التركيز في اجتذاب الزبائن ، فتقول له ان السوق كاسد والعملة تتردى والناس لا تتمكن من الشراء ،
أصبح حديث التركية مملا ، فالتفت محاسن الى صديقتها وقالت لها " لو تعلمين شكد احب استمع الى كلمات هذا المثقف الاصلع " .






قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
نحو يسار عربي جديد حوار مع الباحث الماركسي اللبناني د. محمد علي مقلد
واقع ومستقبل اليسار العالمي والعربي حوار مع المفكر الماركسي الفلسطيني غازي الصوراني


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بحر ايجه
- ليست قصيدة
- قصة قصيرة جدا
- الجارة
- قراءة في رواية شاكر نوري ..- جحيم الراهب - .. التجديف خارج ا ...
- اعتراف بالحب
- المفوهون العرب
- دولة الاحزاب ام دولة المؤسسات
- قصة قصيرة
- الثقافة العراقية والتسييس المهمش
- رد على نقد
- الناشر والبوكر وحارس التبغ لعلي بدر
- صحراء نيسابور
- نجيب محفوظ .. الصانع الامهر
- كيف ينبغي قراءة نجيب محفوظ


المزيد.....




- لأول مرة.. بلاسيدو دومينغو يشارك في أوبرا ينتجها مسرح -البول ...
- خبراء أمريكيون يؤكدون وجاهة الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحرا ...
- تسوية قضية الصحراء محور مباحثات بين نائب وزير الخارجية الروس ...
- المغرب يؤكد ضرورة جعل المكافحة العالمية للمخدرات أولوية ضمن ...
- المخرج السوري الليث حجو يعلق على مسلسل -قيد مجهول-
- روح ديفيد لينش المُعذّبة معروضة في أولتن
- إعداد الدفاع يؤخر ملف الكوميدي الجزائري بوهليل
- الشاعر مراد القادري للجزيرة نت: التحديات الكثيرة التي تواجه ...
- هُوَ في عُرفِ الصابرينَ مَسِيحُ - - - - 11-4-2021 ...
- جلالة الملك يترأس حفل إطلاق مشروع تعميم الحماية الاجتماعية و ...


المزيد.....

- القصة المايكرو / محمد نجيب السعد
- رجل من الشمال وقصص أخرى / مراد سليمان علو
- مدونة الصمت / أحمد الشطري
- رواية القاهرة تولوز / محمد الفقي
- كما رواه شاهد عيان: الباب السابع / دلور ميقري
- الأعمال الشعرية / محمد رشو
- ديوان شعر 22 ( صلاة العاشق ) / منصور الريكان
- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- في رثاء عامودا / عبداللطيف الحسيني
- ظلال الاسم الجريح / عبداللطيف الحسيني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد مزيد - رواية ( الغرق )