أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حمودي زيارة - رواية - هيكل هبوط القمر (13)















المزيد.....

رواية - هيكل هبوط القمر (13)


حمودي زيارة

الحوار المتمدن-العدد: 4918 - 2015 / 9 / 7 - 20:42
المحور: الادب والفن
    


أنضم بيمان الى الجيش بعد العفو الذي أصدرته الدولة. وقتما ذهب الى زيارة طالب، في اليوم التالي. وما أن تعانقت نظراتهم .
أخبره طالب:
- بأنه سوف يرسل الى الجيش، لأنهم أكتشفوا بهروبه، لكن لحسن الحظ، لم يعرفوا بهروبي من السجن .
كان طالب مضطراً للالتحاق، لأنه وقتها كان يقضي ليلته في مركز للشرطة. أُحتجز نتيجة مشادة مع شرطي له علاقة مع بيدار، يتحين الفرصة، لزجه في السجن. بيمان كان يراقب كل ما حدث. أقتادوا طالب الى المركز. وفي الحال سلم بيمان نفسه الى مركز الشرطة وأخبرهم بأنه هارب من الجيش. وبعد الأجراءات المملة، أرسلا الى الجيش على الحدود الجنوبية في مسارب الصحراء، حرصا أن يكون في نفس الوحدة العسكرية، حتى لا يفترقا. قرية البقرة كما أتفق على تسميتها أولاً وبعدها سميت بقرية الملاك، الأسماء تولد بعد مخاض لاهوتي أو من عاطفة شعبية. منذ البدء نشأت من الناس الهاربين من الدولة، فلهذا ترى الكثيرين مرتهن الى قصته، يوارب يومه في أحتراس شديد. هرولت بهم العربة الكاكية في متاهات الفيافي، الا أن وصلا الى كثبان رملية تحاذي الحدود. علاقتهما كأنها، غصن يحمل ثماره. غار طالب بعناء بخندقه المخبأة في الرمل، توشم عينيه دوائر سوداء محتقنة، دون أن يحفل بما حوله، تظنه قد تملكه العدم لما تنضح به الحياة من نزوات سمجة، وتشدقات ما برحت تكتنف دخان الحرب. أنكب يقتفي أثر بيمان الذي ولج قبله الى الخندق. وقبل أن يكور نفسه، ليحشرها في ثقب الخندق، تباطأ بأمتعاض عاقداً خطوته الى الخلف، أثر صرخة حزينة ندت من خندق يجانبه، كأنها ترث نزيف الأيام في وحدة الرمل، سمع بعدها بأن أحد الجنود قتل نفسه. دلف بأرتباك، بعد أن أجال بنظره الموغل بالياس نحوه، وفي زوايا جسده رغبة للألم، في خندق متكور يلوذ بخوف في متاهات الصحراء، ألقى عذابات جسده كالجرذ، يشاطر بطانيته الدفئ محدقاً من ثقب كهفه، لقدوم تدفق الليل من وراء الشمس وهو ينشر لون حلكته ماحقاً بصمات الأشياء بسحبه القاتمة. أنفق الليل يوارب الجوع، وهاجس حلم ملح بالهروب. فوثبت دمعة لاسعة كاشفة ما يمور في جنباته. وبينما بيمان أنصرف يرتب أحجار حلمه من أجل أن يتسكع مع أحجية القدر في سواحل بعيدة توخزها شقوق الجدران المحشورة بالحب مع نسرين، أميرته التي تجول في مملكته التي خلقها لأجلها، والموشاة بحنين الطفولة. تسلل بيمان بخطوات مكبلة من الجوع مع أتقاد الفجر يبحث في قساوة الرمل عن شئ طري يدرك رمقه. فقد أضناه دبيب الجوع المقيت، فلم يتذوق شئ بعد منذ زمن يخاله بعيد لحظة قدومه الى وحدته في شرود الصحراء مع طالب. بدأ يتخلل طيات الرمل، متفرساً الثقوب، بأمل مجنون كيما يجد شيئاً ما يسترد به حيويته. أثناء دورته لمح حشرة غادرت قفيرها، أمسك بها بأضطراب وحرص، تأملها فأدناها الى فمه المتيبس لطعها بلسانه، فأوشك أن يتقيأ ، فحاول مراراً أن يضعها في فمه، ولكن دون جدوى، فعمد الى نزع الرأس والأرجل، فدسها في فمه بعد أن تناول قليل من الملح ليغيب ذائقته. فلم يستطع أيضاً، فأبصقها بأسف.
************

مع تقارب المساء ترأى جمل من بعيد، يترنح حاملاً سنامه بخجل، فشمل الجنود فرح طافح. فأخذ الجمل يقترب منهم بأقدامه الفارعة المدنفة بالرمل، وبرقبة طويلة نائدة تنتهي برأس تنيني. نشأ الجنود يتطلعون اليه بخيار رغبة ماكرة. وضع أحدهم أصبعه المتورم على زناد بندقيته بعد أن أشار بقطع ساق واحدة فقط. تناشزت الأصوات قلقة ومشفقة، وأخرى ضجرة. تمهل دعنا، وبصرخة مشحونة بالألم تبددت مع أثارة وقحة لأعيرة نارية، أنتزعت ساق الجمل، خار متسائلاً ، فحاول أن يهرب سقط فقد شعر تحته هناك فراغ عميق. برك بوهن، وبدموع تمتاح فاجعة من أهدابه الكثة. أشعلوا النار، تعالت الأصوات، عندها أوقدوا طباخ نفطي. تناولوا القدم المقطوعة بمرآى من الجمل، فكان ينظر الى جهة ماتحسبه يستنجد. نهش الجنود القدم بلذة شرهة. جعر رامياً رأسه المستطيل بعيداً وترآت الدموع منه، بمآتم حزين تثير اللعاب، بحركات ناعسة من شفته السفلى. أستوقف مثبتاً رأسه في تجاويف الظلام القاتمة تحسبه يرتل بأخر قداس للفقر في معابد الألم. تحادث الجنود بنبرة تعج بنثيث الفرح، فلاحت من الجمل حركة من رأسه التنيني زعق بألم بعد أن أرتطمت ساقه المقطوعة بصخرة تسارع معها الدم، فراح يلعقه. فأنسل الجنود في الخنادق مسرعين أثر أستئناف القصف من جديد، وعند الفجر رأوا الجمل يتعكز بأعياء موغلاً الى نهايات العدو.
************

تهامس طالب بهدوء وكأن رأسه حشر في فوهة المدفع، مع بيمان:
- علينا أن نخبأ الليل خطواتنا ونترك هذه الأقبية التي لا أظنها ستدرأ موجات الموت عنا، دعنا نصارع الخوف في شقوق جدران الطين، أفضل من تحنيط أنفاسنا في تجاويف القبور هنا.
في ليلة شديدة الظلمة، هربا من الوحدة العسكرية مع قافلة للبدو التي تمر في الجانب الثاني. أمتزجوا مع البدو لئلا تراهم طائرات العدو التي ترصد كل شئ. ألقوا بأسلحتهم في الطريق فقد أبقوا على مسدس مع طالب الذي سرقه من ضابط قتل نفسه بالقرب من خندقه، زعم قائد الوحدة بأنه قتل برصاصة من قناص، يغرس نفسه في تراب الأفق الذي يواجه وحدتهم. كمنوا في الكثبان بحيث دفنوا أنفسهم في الرمل. كلاهما يلبس دشداشة، أعارها من بعض الجنود، من أجل أن ينسجموا مع البدو، سكان التشرد. أظهروا فقط مساحة الوجه. أنتظروا الى أن مرت قافلة بدوية مع مجموعة جمال كثيرة، الطائرات العائمة في الفضاء لا تقصف البدو، حسب ما أشاع في أعراف الرمل، لأنه ليسوا بعسكريين ، فهم مجموعة من الأقوام ليس لهم خارطة ينتمون الى أرضها. ظهرا من ركام الرمل. شرعا بالركض الحذر، صوب القافلة. عندما أقتربا من القافلة أنبرى لهم رجل طاعن في السن كث الشارب، في خاصرته بان خنجر بنهايته مدببة، في يده بندقية.
بادره طالب:
- بأنهم هربا من وحدتهم العسكرية، ويريدون أن يكونوا معهم في القافلة حتى أقرب بلدة.
فرت من ذوائب شارب البدوي، كلمة ، أعنت الموافقة لطالب. رحلا مع القافلة لمدة أربعة أيام كاملة في الكثبان والمناظر التي لم تخطر في بالهم في يوماً قط. السماء أجلى مما تكون فأنها ترأت كأنها باحة قصر روماني. دبيب خطواتهم على الرمل كأنها خطوات البطاريق متعبة ومتشابه. تعلما بعض التقاليد بأن لا يتقدما القافلة إلا قائدها الرجل الكبير، وكيفية جعل الجمال تجلس، وحلبها. حياة البداوة أنستهما قساوة الخنادق الذين غرسوا في شرودها كالنحل في ثقوب خلاياه. طلب منهم كبيرهم أن يمشيا بجانبه حتى لا يضطرا للحديث مع بقية القافلة. لا أحد يعترض القافلة أبداً وكأنها في كوكب آخر غير مأهول. أستمر الصمت يشد قبضته على إنهيال الرمال، ناشراً فراغه في الأخاديد. وفي اليوم الرابع ظهرت اشباح مدينة بعيدة من جهة المقابلة للشمس. أشار الرجل اليهما، أن يغذا السير الى المدينة، قبل أن يدرك الليل لمعان الدروب. دلفا الى مقهى، يقع في مدخل المدينة التي تهادن حنق الرمل، بشئٍ من حنو. طلبا الشاي، ولكن الخوف كان القرين الثالث لهما. قررا، قبل أن يكشف ضوء النهار قسماتهما، الذهاب الى القرية الملاك. المسافة كانت طويلة كقدر مخيف. كان طالب يلصق بيمان الى صدره، ويتظاهر بأنه مريض، يخاتله الموت، ويأخذ يندي فمه ببصاق من الحليب الذي أبتاعوه لهذا الغرض. حيث يشرب قليل من الحليب، ما أن يرزم جوف الباص ضابط التفتيش. الخديعة كانت الهوية التي حملت صورة الحظ خلال مخاوف المعابر. الى أن وصلا الى مشارف القرية، عند بداية النهار.






قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
واقع ومستقبل اليسار العالمي والعربي حوار مع المفكر الماركسي الفلسطيني غازي الصوراني
حول آفاق ومكانة اليسار ، حوار مع الرفيق تاج السر عثمان عضو المكتب السياسي - الحزب الشيوعي السوداني


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رواية - هيكل هبوط القمر (12)
- رواية - هيكل هبوط القمر (11)
- رواية - هيكل هبوط القمر (10)
- رواية - هيكل هبوط القمر (9)
- رواية - هيكل هبوط القمر (8)
- رواية - هيكل هبوط القمر (7)
- هيكل هبوط القمر – رواية (6)
- هيكل هبوط القمر – رواية (5)
- هيكل هبوط القمر – رواية (4)
- هيكل هبوط القمر – رواية (3)
- هيكل هبوط القمر – رواية (2)
- هيكل هبوط القمر – رواية (1)
- رواية اقفاص الرمل (22) الجزء الأخير
- رواية - اقفاص الرمل (21)
- رواية – أقفاص الرمل (20)
- رواية – أقفاص الرمل (19)
- رواية – أقفاص الرمل (18)
- رواية - اقفاص الرمل (17)
- رواية - اقفاص الرمل (16)
- رواية – أقفاص الرمل (15)


المزيد.....




- المعارضة تطالب العثماني بتجديد ثقة البرلمان
- ثقافة العناية بالنص التراثي.. جماليات المخطوط في زمن التكنول ...
- إلغاء تصوير فيلم ويل سميث الجديد -التحرر- في جورجيا بسبب قوا ...
- أرقام قياسية لمشاهدات برومو برنامج رامز جلال والكشف عن موعد ...
- الإنجليزية كلغة مشتركة في سويسرا.. فائدة إضافية أم ظاهرة إشك ...
- العثماني: الوضعية مقلقة وقرار الإغلاق صعيب وأنا حاس بكم
- الفن يزيح الغبار عن أصحاب المعاناة.. الفنان المغربي نعمان لح ...
- الطمأنينة الوجودية في -رحلة اتراكسيا- للكاتب سليمان الباهلي ...
- الجزائر والعقدة المغربية المزمنة
- شاهد: باريس وآخر ابتكارات كورونا.. -ابقوا في منازلكم وحفلات ...


المزيد.....

- رجل من الشمال وقصص أخرى / مراد سليمان علو
- مدونة الصمت / أحمد الشطري
- رواية القاهرة تولوز / محمد الفقي
- كما رواه شاهد عيان: الباب السابع / دلور ميقري
- الأعمال الشعرية / محمد رشو
- ديوان شعر 22 ( صلاة العاشق ) / منصور الريكان
- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- في رثاء عامودا / عبداللطيف الحسيني
- ظلال الاسم الجريح / عبداللطيف الحسيني
- أسأم / لا أسأم... / محمد الحنفي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حمودي زيارة - رواية - هيكل هبوط القمر (13)