أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حمودي زيارة - هيكل هبوط القمر – رواية (5)















المزيد.....

هيكل هبوط القمر – رواية (5)


حمودي زيارة

الحوار المتمدن-العدد: 4886 - 2015 / 8 / 3 - 03:23
المحور: الادب والفن
    


نشأ يسخر من العبيد كلما مر من أمام الهيكل، حيث أذاع في أوقات أخرى، برؤية مخالفة عن ما يذيعه في السابق، ليحقن زعاف سم الشك في أخاليد فكرهم. بأن الملاك هبط الى القرية، لأنه طرد من الملكوت، وهبط الى القرية ليشرب من النهر، وصادف أن وجد البقرة في ألتياع حاد، توشك أن تموت، فلهذا مرر ضوئه على جسدها، لأنه مازال يمتلك قليلاً من روحه الكريمة، ثم غادر الى حيث صومعته. مع كل مكائده ومحاولاته لكسر مرآة الملاك الناشبة في قناعتهم، أستمرت المعاول رازحة في النشاط، تنخر الطين من أجل أن تبني هيكل المهبط، الكوخ الذي أنتحل حيطان طينه، مباخر للبركة في مهبط الملاك، تجلى حينئذ بوابة صقيلة تتعفر بها الأصابع والوجوه، حيث قذف في خاصرته، متجر يضم خوابي البول، ومطال السرجين. إفرازات يوم الأثنين، زمن وقت هبوط الملاك كانت الأغلى ثمناً، التي كانت بدورها تضع في خوابي خضراء. أعتاد أهل القرية، بعد زيارة الملاك، بأعطاء المواليد الجدد حليب البقرة لمدة شهر كيما تمكث روح الملاك قلوبهم. أزداد الطلب عليهما بنحو غريب، حتى من القرى البعيدة، عن طريق الباعة المتجولين، ذوي الثياب الزاهية الألوان، الذين يتماثلون كأعشاب الطرقات في نواحي القرية على ظهور البغال، ونواصي الأسواق. الأرباح وأغراء الأموال، حثا أطماع العبيد أن يطاردوا البقرة في كل مكان للحصول على إفرازات فضلاتها، وبعض العبيد ذهب بعيداً في التنسك، حيث أشاروا أن يضعوا كيس حول إستها لضمان الحصول على كل الفضلات والتقليل من الهدر والضياع. وذاك كان سبب أخر يضاف الى أعمال نسكهم، بحيث دفعهم أن يغالوا في تغذيتها للحد من الرائحة الزنخة، فعليه أخذوا بعناية فائقة، إختيار أفضل العشب، وجلب الماء من الينابيع التي تنتشر في صخور الجبل. الأموال أستدرجت عقولهم الى حيز الأيمان بالملاك بشكل أقوى. لهذا ظهرت قبضة العبيد أكثر صلابة، يرفعوها في وجه كل من ينكره أو يجدف بوجوده، وروحه الكريمة العائمة في قرارة البقرة. وكون طالب الشخص الذي يحمل راية الحرب ضد الملاك والبقرة. بحيث بدأ يغير أفكار بعض من أهل القرية. لذا شرعوا بكشط التراب بحوافرهم كالثيران بغية طلب الثأر منه. أخذوا يتوعدونه، ويتحينون الفرصة للقصاص منه. فعليه شمر العبيد عن سواعدهم بشن حملة شرسة عليه، وصار تحركهم أكثر جدية، فأخذوا ينتشرون في نواصي الدروب يتحدثون حول سرقاته من المدافن الآثرية وبيعها بأسعار زهيدة دون الأعتبار لتاريخ حضارة الأجداد. وفي نهار أحد الأيام، بعد الغضب الذي أصابهم، فقد شاهد أحد أهل القرية، بيدار كبير العبيد، في المدينة، وهو يدخل الى مركز الشرطة..
*******

تعلم من خلال قربه من مستر نيكول شتى الأساليب، لتهريب الآثار الى تخوم الحدود والأماكن البعيدة التي تستلقي على أطراف الصحراء. عندها تألف مع تجار الأثا ، وأمسى معروفاً في وسطهم. في معظم رحلاته المضنية كان يخبأ مسدسه الماكوروف الذي أبتاعه من بيدار قبل هبوط الملاك بالطبع، في سرواله الفضفاض. وقبيل تبني خطواته الطريق، كان يضع قليل من مكياج الصرامة في وجهه، ويعلق على عنقه طلاسم الجرأة. تركله الرحلة بعيداً، سالكاً الطرق الوعرة والنائية عن عيون العساكر. تحمله تارة على اكتاف البغال، وتارة في السيارات، هذا إن كانت المسافة بعيدة. كانت رحلاته متعبة حيث تستغرق وقت طويل، بالأضافة الى أعباء القطع الأثرية التي تحاول أن تجهز على أنفاسه. كان على دراية حصيفة، في المواربة، لأن الطرق الدمثة، ترقد في خارطتها بغرابة، تخال من عفويتها بأنها تتوق لخطوات شاردة او ربما خائفة، هذا من أجل أن تخربش أخاديدها. تجار الآثار في الواقع، يبحثون بهوس على آواصر تربطهم بالماضي بغية أن يكون لهم امتداد تاريخي، لأن حسب أعتقاد طالب بأن هنالك قسط من مدن الرمل تفتقر الى أوراق صفراء في سفر التاريخ التي بالتالي تحتاج بشكل قاطع، أن ترفع أعلامها على سارية تاريخ قطع الآثار، لتبقى ترفرف على مساند التاريخ. الأثار التي كان يبيعها، يغلفها بقماش سميك، ويكتب عليه عبارات أنكليزية، تشير الى المعلومات التي تتضمنها القطعة. ألف أن يدفعها بفرح تام، وبآنتشاء سادر، دون تأنيب من ضمير لتراث أسلافه .
- التاريخ صدى أنين بائس، لحشد من سجناء، إغتيلت حياتهم، بوحشية من خلف رايات للأموات، هناك في تخوم السجون ينكأه شوق اصفادهم أن يعودوا الى ظلال نخيلهم. إنه تاريخ إقتناء العبيد مرة أخرى وقطيع ذئابهم التي غارت تنهش جلود القرى دون رحمة (هذا ما صرخ به طالب) قبل أن يقول: أنا أكره التاريخ وحروبه، لأنه سيف تتري سادر يشحذ مضاربه في رقاب الفقراء..
كان في العادة، يلتقي بالتجار في المناطق والمدن القريبة من الحدود الجنوبية. التجار يشرأبون من سراب الرمال بسياراتهم كومضة دقيقة ثم تكبر كلما قربت المسافة. يتجاذبها خيط النظرات حتى يطبق على تفاصيلها أفق الجفون، فتبدو فارهة ومتماسكة لها القدرة أن تجتاز البرية بخفة خارقة، وتستمر السيارات في أثر أعقاب الرحيل، تتمرغ في كثبان الرمل تحمل الأثار، تبتعد في غوائل سراب اتون الصحراء، دون خوف من زوابع وحماقات الرمل. الإتصال بالتجار يتم من خلال بعض المعلومات التي تصل من فاضل مهرب الأغنام الذي كان بدوره يقطع الفلوات في بدايات هبوط الليل، الشأن الذي يستطيع بسواده أن يتفادى نقاط الحراسة التي تنتشر في الإفق البعيد، المتكأة على تلال الحدود. فاضل كان يمت له بصلة القربى من أمه. قصد طالب قرية أمه مرة حيث يستوطن خواله، كان يرتدي وجه أمه ويكتنز حليبها في لحمه. الأستياء والمقت بدت كلماتهم تقذف الى مسامعه. لم يتناول شيئاً بالمرة. خرج رازماً غضبه بثوبه البالي، عندها جذبت أعقابه خطوات فاضل، ركض خلفه، أعطاه ما أدخر من النقود. منذ تلك الزيارة، لم يعاود بالرجوع. لكنه يعرف كيف يلتقي بفاضل إن أحتاجه. تظهر بفترات متباينة على لسان طالب مفاهيم فيها مداهنة سياسية، عندما قال يوماً لصديقه بيمان:
- أكاد أن أنفذ من جدار الحياة، لكي أتحرى في سلالة الطين، عن نبرة أنسانية، وجلوة هناء، تفضح دوران السنين في أيامنا .
هذا عندما شعر بالخطر الذي يحيق به ومطاردة كتيبة العبيد له ومحاولتهم لأخبار السلطات عنه. كتيبة بيدار كما كان يسميها، مسخت الهيولى الربانية التى تعطر القرية بنفحاتها، فقد أوغلت الكتيبة في الأحتيال والقمع، نتيجة الطمع الذي أفرغ ما ترسب في أذهانهم من طيبة، وعلى ضوء هذه الممارسات الفجة تفاقمت المصائب والمنادب. كانت الأخبار تصل له عن طريق بيمان وبدوره ينالها من ابن عمه الذي كان ينتمي الى كتيبة العبيد. لذا واظب أن يداهن حزنه في متاهات البرية، لحين أنجلاء الغمامة، ويبقى يشد على جراحه في هشاشة الأمل. يساوم أوقات عمره الغض في سذاجة قدره. وبعض الأحيان يحتضن عشقه الشفيف لقريته التي تستلقي في حافات السفح عند ظلال الجبل. يتسلل بجوانحه الواهنة من شدة الشوق الى هناك، يدس قوامه في غلالة سواد الليل بخفاء. يختال في ظلام الهدوء خطواته، يستوفز جنونه كيما يستنشق ذات النسمة عندما يلتقي ببيمان:
- في جوانحك قلب أمراة، يذرف الدمع إن مس شغافه الحزن .
هذا ماقاله العبيد عنك، أول ما نبس به بيمان عندما رسم بوجهه بسمة مدهشة. ضحك بهستيرية مزقت كثافة الظلمة. وحذف عود أخضر من يده بعيد نحو ضوء القمر.
طالب يتميز بالطيبة وصعوبة المراس، منذ نعومة طفولته وهذا كان واضح وجلي من خلال ألوان أفعاله. قاوم كنمر جريح حبالة فخاخ الحياة. وعلى الرغم من الجراح والكدمات، كان يحمل بصيص أمل في أعماقه، ربما كان من شأنه أن يغريه بأحتساء رشفة من كروم الحياة. نشأ جل حياته بأضطراب في بيت عمه، بعدما تزوجت أمه عندما كان في السابعة من عمره، وغادرت الى بيت زوجها الجديد الذي يسكن في مدينة نائية تستلقي على الحدود الايرانية. عومل بفظاظة قاسية في معظم مدارج طفولته، جرحت كبريائه منذ طلاوته إيهابه، يلتقط وجع رجولته، كما خصائل العشب لخيوط الشمس. عُرف من قبل أهل المدينة، بالطريد لأنه أدرج أن يرقد بجسده النحيف في أفياء الظلال أوقات الصيف القائظة، وفي كوخ صغير متداعٍ ينتصب كمرتفع الخنازير عند مدخل مدينته، في البراري. في تلك الليلة التي رأى فيها بيمان، وبعدما ألتقط المكان حكاياتهم. أتفقا أن يقوضوا هيكل العبيد، وكسر الخوابي، وحرق مطال السرجين. ضجت المدينة بهذه الكارثة في اليوم التالي، عندما علت أصوات العبيد بالصراخ. أستبد بهم الغضب في تباشير أشعة صباح ذلك اليوم، كأنهم أسد دنس عرينه، وفي نفس الوقت ساورتهم الخيبة والأنهيار. بعدما تمزقت ورقة توت إيمانهم، فأمسوا مثار سخرية وتندر لأهل المدينة، ولكن العبيد أعتكفوا كراهب في جوف الليل، وكأنهم في إنتظار فنطازي لقدرة الملاك بأن ينزل بلائه على العابثين بسلافات روحه الكريمة. لكن لم يتجل ضوء من السماء على الأطلاق، الا إنهم واصلوا في مناسكهم لأيام عديدة. ومن ذلك اليوم، شوهد العبيد يتناوبون على حراسة الهيكل وهم يتقمصون أشكالهم الأدمية، وأستمر بيدار التردد على مركز الشرطة.
*******

غمر خياله الغرير بالمعرفة بسرعة مذهلة، وكأنه خصوبة شجيرة تحتضن غرين الجرف. وعليه أكتسب قدرة فائقة، وجذوة ذكاء، أعطته غزارة في فك رموز وألغاز تاريخ الآثار، أضافة لاستيعابه أبجدية اللغة الانكليزية. وبينما راح يستظل أفياء مستر نيكول ونهل المعرفة منه. حرص أن يعرف تاريخ أجداده بنفسه من دون الإعتماد على الغرباء، والتعرف على أحلامهم، واسلوب حياتهم، من أجل أن يشاطرهم معاناتهم، ومعرفة طريقة أفكارهم. وكم كان يتمنى أن تكون مختلفة عن ممارسة هذه الحشود المحشورة في هذا الكوكب، التي تمارس وجودها بعبث وسخرية، بكل ما أوتيت من رغبات جامحة. تتابع طالب بكسب المعرفة من خلال دأبه الحريص بفهم كل ما تشتمل عليه الألواح واللُقى الأثرية. وكذلك أصراره بالعمل مع الخبراء الأنكليز الذي يعرفون كل شئ عن حضارات الأجداد وحياتهم...






قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
واقع ومستقبل اليسار العالمي والعربي حوار مع المفكر الماركسي الفلسطيني غازي الصوراني
حول آفاق ومكانة اليسار ، حوار مع الرفيق تاج السر عثمان عضو المكتب السياسي - الحزب الشيوعي السوداني


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هيكل هبوط القمر – رواية (4)
- هيكل هبوط القمر – رواية (3)
- هيكل هبوط القمر – رواية (2)
- هيكل هبوط القمر – رواية (1)
- رواية اقفاص الرمل (22) الجزء الأخير
- رواية - اقفاص الرمل (21)
- رواية – أقفاص الرمل (20)
- رواية – أقفاص الرمل (19)
- رواية – أقفاص الرمل (18)
- رواية - اقفاص الرمل (17)
- رواية - اقفاص الرمل (16)
- رواية – أقفاص الرمل (15)
- رواية – أقفاص الرمل (14)
- رواية - اقفاص الرمل (13)
- رواية – أقفاص الرمل (12)
- رواية – أقفاص الرمل (11)
- رواية – اقفاص الرمل (10)
- رواية – أقفاص الرمل (9)
- رواية- اقفاص الرمل (8)
- رواية- اقفاص الرمل (7)


المزيد.....




- المعارضة تطالب العثماني بتجديد ثقة البرلمان
- ثقافة العناية بالنص التراثي.. جماليات المخطوط في زمن التكنول ...
- إلغاء تصوير فيلم ويل سميث الجديد -التحرر- في جورجيا بسبب قوا ...
- أرقام قياسية لمشاهدات برومو برنامج رامز جلال والكشف عن موعد ...
- الإنجليزية كلغة مشتركة في سويسرا.. فائدة إضافية أم ظاهرة إشك ...
- العثماني: الوضعية مقلقة وقرار الإغلاق صعيب وأنا حاس بكم
- الفن يزيح الغبار عن أصحاب المعاناة.. الفنان المغربي نعمان لح ...
- الطمأنينة الوجودية في -رحلة اتراكسيا- للكاتب سليمان الباهلي ...
- الجزائر والعقدة المغربية المزمنة
- شاهد: باريس وآخر ابتكارات كورونا.. -ابقوا في منازلكم وحفلات ...


المزيد.....

- رجل من الشمال وقصص أخرى / مراد سليمان علو
- مدونة الصمت / أحمد الشطري
- رواية القاهرة تولوز / محمد الفقي
- كما رواه شاهد عيان: الباب السابع / دلور ميقري
- الأعمال الشعرية / محمد رشو
- ديوان شعر 22 ( صلاة العاشق ) / منصور الريكان
- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- في رثاء عامودا / عبداللطيف الحسيني
- ظلال الاسم الجريح / عبداللطيف الحسيني
- أسأم / لا أسأم... / محمد الحنفي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حمودي زيارة - هيكل هبوط القمر – رواية (5)