أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمود شقير - القدس كما هي في الشهادات2














المزيد.....

القدس كما هي في الشهادات2


محمود شقير

الحوار المتمدن-العدد: 4884 - 2015 / 8 / 1 - 12:18
المحور: الادب والفن
    


شتات العائلة

تبدو عائلتي من بعض الوجوه، نموذجاً ملائماً لعائلات فلسطينية أخرى كثيرة، حيث تتعدّد المصائر وأماكن الإقامة، وحيث تحتمل الهوية الواحدة عدداً غير قليل من الروافد ومن احتمالات التشظّي والانقسامات والتداخلات.
فها هي ذي قبور جدّي وأبي وثلاثة من أعمامي تجثم في مقبرة أحمد الساحوري التي تقع جنوبي المسجد الأقصى في القدس. عمّي الرابع، سافر منذ ستينيات القرن الماضي إلى الكويت سعياً وراء الرزق، ثم عاش بقيّة عمره في مدينة الزرقاء في الأردن ومات فيها ودفن هناك.
زوجتي ولدت في السواحرة الشرقية المتاخمة للقدس، وعاشت مع أهلها سنة في حيفا، ثم هاجرت معهم إلى الأردن إثر النكبة، وعاشت معهم إلى أن تزوجتها في العام 1961. أبنائي الثلاثة وابنتاي ولدوا هنا، ثم عاشوا معي في المنفى، وعادوا أخيراً لمواصلة حياتهم في القدس. اثنتان من أخواتي الأربع نزحتا إلى الأردن إثر هزيمة حزيران في العام 1967، وهما تقيمان هناك مع زوجيهما، وتجيئان لزيارتنا مرّة كل سنتين. ولهما عشرة أولاد تربّوا كلهم في الأردن، ولم يزر أحد منهم هذه البلاد.
أختاي الأخريان تقيمان هنا في القدس. الكبيرة لها ابن طبيب، سافر إلى هيوستن للتخصّص في الطب، ولم يتمكّن من الاستمرار في دراسته الجامعية، ولم تعد لديه إقامة في الولايات المتّحدة الأمريكية وهو عالق هناك في انتظار الحصول على إقامة، بعد زواجه بطبيبة أمريكيّة من أصل فيلبّيني كانت تدرس معه في الجامعة. وهو لم يتمكّن من العودة إلى القدس، لأنه فقد حقّ العودة إليها، بسبب غيابه عنها أكثر من سبع سنوات (هذا النصّ في القانون الإسرائيلي لا يسري على اليهود المقيمين في القدس، في حالة السفر والإقامة في الخارج. يسري فقط على الفلسطينيين المقدسيين).
وكانت أختي الصغرى تعيش هي وزوجها وأولادها في ضائقة سكنية، ولم تتمكّن من الحصول على ترخيص لبناء جديد، فأضافت غرفتين إلى بيتها الصغير الواقع في حي الصلعة جنوبي القدس، ثم جاءت جرّافات الاحتلال في صيف العام 1995 تحميها قوّة من الجيش الإسرائيلي، وشرعت في هدم الغرفتين. استنجدت أختي بي على أمل أن أفعل شيئاً بحكم اشتغالي في الصحافة. استنفرت عدداً من الصحافيّين والمصوّرين وذهبنا إلى موقع البيت، ولم نستطع أن نفعل شيئاً.
ولأختي الصغرى ولد دخل السجون غير مرّة لأسباب لا علاقة لها بمقاومة الاحتلال. ضبطته السلطات الإسرائيلية ذات يوم، وهو ينقل عمّالاً من الضفّة الغربية في سيارته، للعمل داخل إسرائيل، ولم تكن معهم تصاريح تجيز لهم الدخول إلى هناك. حجزت السلطات سيّارته ورخصة القيادة الخاصّة به، وسجنته ثلاثة أشهر مع غرامة ماليّة، ثم أفرجت عنه وعن سيارته بعد انتهاء مدة محكوميّته. ثم عاد إلى السجن مرّة أخرى، لأنه لم يوقف سيّارته حينما أمره الجنود الإسرائيليون بالتوقّف. وهو لم يتوقّف لأنّ رخصة القيادة الخاصّة به ما زالت محجوزة لدى الإسرائيليين، فأطلقوا النار على عجلات السيارة، وأخضعوه للتحقيق المصحوب بالضرب والإهانات، ثم حكمت المحكمة عليه بالسجن ثلاث سنوات.
ولي خال كاتب ورسّام، اسمه محمود شاهين، مقيم في دمشق. كان واحداً من فدائيي حركة فتح وهو في سنّ الشباب. الآن هو متفرّغ لكتابة القصص والروايات وللرسم، ولنشر مقالات ونصوص في موقع الملحدين العرب على الإنترنت. وهو يرسل لي رسائل على بريدي الإلكتروني بين الحين والآخر، ويسألني باستمرار: هل مات أحد من الأقارب؟ قل لي ولا تخفِ عني شيئاً. ثم يمعن في السؤال عن أخته التي هي أمي.
لي خال آخر مقيم خلف جدار الفصل، استشهد واحد من أبنائه، اسمه عزيز، في الانتفاضة الأولى. خالي هذا متديّن حتى الثمالة، غير أنه لا يتعاطف مع الحركات الإسلامية في فلسطين، لأنه يراها غير واقعيّة في السياسة كما ينبغي لها أن تكون. وهو حاصل على شهادة التوجيهية، ولم تمكّنه ظروفه من الدراسة في الجامعة. عمل سنوات طويلة في تنظيف أدراج البنايات لدى الأسر اليهودية في القدس الغربية، ما تسبّب في إصابته بآلام في ركبتيه وساقيه، بسبب القرفصة الدائمة. وهو الآن عاطل من العمل، ولم يأخذ مكافأة عن خدماته الطويلة، ولم ينل راتباً تقاعدياً، لأنّه كان يعمل بالمياومة التي لا تترتّب عليها حقوق أو مكافآت.
وهو مضطرّ بين الحين والآخر إلى دفع مئات الشواقل للحصول على تصريح من السلطات الإسرائيلية، لكي يتمكّن من الدخول إلى القدس، للصلاة في المسجد الأقصى، ولزيارة أمّي وأقاربه الآخرين.
أحد أبناء عمومتي تزوّج أثناء دراسته للطب في الاتحاد السوفيتي، فتاة روسية، وأنجبا طفلة اسمها ريما، كبرت وتعلّمت في الجامعة وتخرّجت طبيبة، ولما انفصل أبوها عن أمّها، بقيت تعيش مع أمّها. وهي تحمل الجنسية الروسيّة وتعمل في أحد المستشفيات هناك، ولم تزر بيت أبيها خلف الجدار سوى مرّة واحدة.
واحد آخر من أبناء عمومتي تزوّج فتاة يهودية مقيمة في القدس الغربية، ثم أنجبا طفلاً، اسمه غابي. كنت أراه وهو يأتي إلى حيّنا قبل سنوات. الآن أصبح غابي شاباً، ولم يعد يأتي إلى الحيّ بعد انفصال أبيه عن أمّه. وهو يهوديّ بحسب ديانة أمّه، وربما هو الآن جندي في الجيش الإسرائيلي، وأنا لا أعرفه بعد أن أصبح شاباً لأنني لم أعد أراه، وهو لا يعرفني. وقد ألتقيه عند أحد الحواجز العسكرية ذات يوم، فأنظر إليه باعتباره عدوّاً وينظر هو إليّ باعتباري عدوّاً، ونحن في واقع الأمر قريبان!



#محمود_شقير (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- القدس كما هي في الشهادات1
- القدس كما هي في المشهد اليومي26
- القدس كما هي في المشهد اليومي25
- القدس كما هي في المشهد اليومي24
- القدس كما هي في المشهد اليومي23
- القدس كما هي في المشهد اليومي22
- القدس كما هي في المشهد اليومي21
- القدس كما هي في المشهد اليومي20
- القدس كما هي في المشهد اليومي19
- القدس كما هي في المشهد اليومي18
- القدس كما هي في المشهد اليومي17
- القدس كما هي في المشهد اليومي 17
- القدس كما هي في المشهد اليومي16
- القدس كما هي في المشهد اليومي15
- القدس كما هي في المشهد اليومي 14
- القدس كما هي في المشهد اليومي 13
- القدس كما هي في المشهد اليومي12
- القدس كما هي في المشهد اليومي11
- القدس كما هي في المشهد اليومي10
- القدس كما هي في المشهد اليومي9


المزيد.....




- سطو جريء في فيينا.. سرقة -عقد الملكة نازلي- التاريخي في وضح ...
- الممثلة التونسية سوسن معالج: -السينما والصورة والكلمة الحرة ...
- بوق الجلاد لن يمثل الضحية.. -أبو أصيل- يحاكم فناني نظام الأس ...
- الفنانة السورية فايا يونان تعلن خطوبتها: -أجمل من أي صورة رس ...
- زاخاروفا تعليقا على حفل كاني ويست: أبواب روسيا مفتوحة لجميع ...
- التربية السورية توضح آلية تدريس اللغة الكردية.. تفاعل متباين ...
- من ساحات الحرب إلى عامه الـ105.. حكاية بطل روسي شهد قرنا من ...
- -كأن شيئاً لم يكن-.. قراءة في تجربة مسرحية مصرية تمزج بين تش ...
- السعودية حاضرة بقوة.. 10 آلاف شاب من 191 دولة يشاركون في مهر ...
- المجري بيتر ناداس.. رحيل كاتب جعل الذاكرة جسداً والتاريخ حيا ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمود شقير - القدس كما هي في الشهادات2