أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبد المجيد إسماعيل الشهاوي - وهل فعلاً ثورة 23 يوليو أقامت عدالة اجتماعية؟














المزيد.....

وهل فعلاً ثورة 23 يوليو أقامت عدالة اجتماعية؟


عبد المجيد إسماعيل الشهاوي

الحوار المتمدن-العدد: 4521 - 2014 / 7 / 23 - 18:39
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لا أزال أذكر جيداً أواخر السبعينات، بعد مرور نحو 25 سنة على قيام ثورة 23 يوليو المجيدة عام 1952 بقيادة جمال عبد الناصر والضباط الأحرار، حين كنت لا أزال طفل بالمرحلة الابتدائية. بعد انتهاء فترة الدرس بالمدرسة، كنت في الفترة الأخرى أرافق كبار العائلة إلى الحقل. وفي الحقل كان ثمة صورة تأبى أن تفارق خيالي لحظة واحدة: محراث الفراعنة. نحن لا نزال نستخدم نفس المحراث الخشبي بنصل صلب حاد بالمؤخرة، يجره حيوانان يقودهما فلاح قوي وغليظ من الخلف. هي نفس الصورة بالضبط الموجودة بكتاب التاريخ نقلاً عن نقوش فرعونية. وكأنني قد دفعت قهراً إلى استنتاج لا مفر منه- هل أحوال ومعيشة الفلاح لا تزال هي هي كما تجسدها النقوش الفرعونية قبل عدة آلاف السنين مضت، وحتى بعد مرور نحو ربع قرن من قيام ثورة رفعت شعار (إقامة عدالة اجتماعية) كأحد أهدافها الستة؟!

في الحقيقة، في ذلك الوقت المبكر والخصب بالرصد والتأمل التسجيلي استوقفتني فعلاً تفاصيل كثيرة في حياتي وحياة الناس حولي بالقرية، وهم يشكلون الأغلبية الساحقة من تعداد المصريين في ذلك الوقت وربما حتى اليوم. (1) البيوت: جميعها مشيدة من الطمي وعروق الخشب والبوص والقش مثلما كانت تشيد منذ آلاف السنين، من أيام الفراعنة؛ (2) الرعاية الصحية: كان الحلاق (أو الكوافير حالياً) هو بمثابة وزير الصحة (حلاق الصحة) في القرية المصرية في ذلك الوقت، تماماً كما هو حاله منذ الفراعنة. وأنا شخصياً، مثل معظم الأطفال الريفيين في ذلك الوقت وهم بالطبع الأغلبية الساحقة من أطفال مصر، قد أجرى لي عملية الختان (الطهارة)، علاوة على عمليات تضميد الجروح وإعطاء الحقن...الخ. ومقابل حلاق الصحة، كانت الداية تتولى تقديم خدمات طبية مماثلة للإناث؛ (3) التعليم: كنت في ذلك الوقت، بعد نحو 25 سنة من قيام ثورة العدالة الاجتماعية في 23 يوليو، أتلقى التعليم الحكومي في بيت عادي من الطوب اللبن وعروق الخشب والقش التي تجعل الأمطار والهوام والفئران والحشران تشاركنا المكان، تستأجره الدولة الثورية بجلالة قدرها من أحد أهالي القرية. ولم يكن في القرية كلها، وفي الأغلبية الساحقة من القرى المحيطة بها، أي مدارس ابتدائية أو اعدادية أو ثانوية أو خلافه. أثناء العطلة، كان أبي يرسلني لحفظ القرآن الكريم في الكتاب. لم أكن ألمس فرقاً جوهرياً بين المدرسة والكتاب، القائم على حاله هكذا من آلاف السنين، منذ الفراعنة ومن قبلهم أيضاً.

في الواقع، في غضون سنوات قليلة من هذا الوضع الذي لم يشهد أي تغيير جوهري جدير بالذكر من آلاف السنين، بدأت الأحوال تتغير بشكل دراماتيكي وجوهري، لدرجة كادت معها تنقلب الدنيا رأساً على عقب. فجأة رأيت بنفسي أناس كثر بالقرية يهدمون بيوتهم الطينية بأيديهم ليقيموا مكانها بيوتاً عصرية بالخرسانة والطوب الأحمر. ثم انتشرت الخرسانة والطوب الأحمر كالطاعون في جسد القرى المصرية، التي ربما تغطي نحو 80 من مساحة مصر. ولم ينتهي الأمر بعد، بل رأيت أعمدة إنارة الكهرباء وشاهدت التلفزيون والأجهزة المنزلية من أنواع كثيرة تغزو بيوتاً كثيرة. ما هذا؟! ماذا يحدث؟ الهدم والبناء في كل مكان. الكل يهدم ويبني ويسافر ويأتي ويشتري ويبيع، ولا يعرف ماذا يحدث. أغلب تفاصيل الحياة تتغير، لكن الايقاع أسرع من طاقة الجميع على الفهم. المهم تبدل الحال أخيراً غير الحال القائم منذ الفراعنة وبشكل دراماتيكي وجذري. لكن المفاجئة الصاعقة هي أن السر وراء هذا التحول الدراماتيكي والجذري في حياة المصريين لم يكن مرده إلى ثورة 23 يوليو 1952. هذا لم يحدث. هذه الثورة، إذا كانت ثورة فعلاً، لا يمكن أن تستغرق مسيرتها أكثر من ربع قرن حتى تصل نتائجها إلى الفلاحين المصريين في الأرياف. حتى لو كانت المعجزة قد تحققت أخيراً ووصلته بعد طول غياب، هل يعقل أن تصله بعد كل هذا البطء بهذه الفورة والقوة العاصفة التي تكاد تسكر المصريين وتغيبهم عن الوعي؟ وهل لم يغيبوا عن الوعي فعلاً؟

لم تكن ثورة 23 يوليو 1952 هي التي أتت للأغلبية الساحقة من المصرين بالخرسانة المسلح والطوب الأحمر وماتور المياه والمكينة الزراعية، أو بالدولار الأمريكي والجنية المصري وسلة العملات الأجنبية، أو بالسلع الاستهلاكية والقدرة الشرائية، أو بشبكات الكهرباء والطرق والسيارات الخاصة والعامة، أو بالمستشفيات والمدارس والجامعات سواء الحكومية أو الخاصة...الخ. في الحقيقة كل هذه الأشياء أتت من الشرق، من العراق ودول الخليج، ثم غرباً من ليبيا بعدما انتهج السادات ساسة الأبواب المفتوحة.






التسجيل الكامل لحفل فوز الحوار المتمدن بجائزة ابن رشد للفكر الحر 2010 في برلين - ألمانيا
الرأسمالية والصراع الطبقي، وافاق الماركسية في العالم العربي حوار مع المفكر الماركسي د.هشام غصيب


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- اللادولاتيون العرب
- ماذا يريد الفلسطينيون؟
- علوم الإنسان والأديان
- تبضيع الأنثى
- لعبة الثعبان والفأر
- سويسرا الشرق؟!
- جمهورية كردستان الديمقراطية
- آفاق الديمقراطية في البيئة الصراعية العربية
- العلمانية في الإسلام
- هل صليت على النبي اليوم؟
- المرأة والأقليات العربية بين التحرير والتمكين
- ديمقراطية التوحيد الإسلامية
- جدلية الوحي والتاريخ (10)
- جدلية الوحي والتاريخ (9)
- جدلية الوحي والتاريخ (8)
- جدلية الوحي والتاريخ (7)
- جدلية الوحي والتاريخ (6)
- جدلية الوحي والتاريخ (5)
- جدلية الوحي والتاريخ (4)
- جدلية الوحي والتاريخ (3)


المزيد.....




- تحذيرات من متطرفين في التجمعات الفلسطينية داخل الخط الأخضر و ...
- رجل أعمال ياباني يحجز مقعدا في -سويوز-
- 12 قتيلاً في انفجار مسجد في كابول في انتهاك لوقف إطلاق النا ...
- أولمبياد طوكيو: توسيع حالة الطوارئ قبل انطلاق الألعاب تزامن ...
- أولمبياد طوكيو: توسيع حالة الطوارئ قبل انطلاق الألعاب تزامن ...
- ألمانيا.. المجلس المركزي للمسلمين يدين مظاهر معاداة السامية ...
- خطيب جامع الأزهر يوجه رسالة إلى حكام العرب... فيديو
- الدبابات الإسرائيلية تطلق النيران باتجاه مجموعات دخلت من لبن ...
- مواطنون يحاولون اقتحام السياج الحدودي بين لبنان وإسرائيل... ...
- ماذا لو شنت إسرائيل عملية برية ضد قطاع غزة؟


المزيد.....

- التحليل الماركسي للعرق وتقاطعه مع الطبقة / زهير الصباغ
- البحث عن موسى في ظل فرويد / عيسى بن ضيف الله حداد
- »الحرية هي دوما حرية أصحاب الفكر المختلف« عن الثورة والحزب و ... / روزا لوكسمبورغ
- مخاطر الإستراتيجية الأمريكية بآسيا - الجزء الثاني من ثلاثة أ ... / الطاهر المعز
- في مواجهة المجهول .. الوباء والنظام العالمي / اغناسيو رامونيت / ترجمة رشيد غويلب
- سيمون فايل بين تحليل الاضطهاد وتحرير المجتمع / زهير الخويلدي
- سوريا: مستودع التناقضات الإقليمية والعالمية / سمير حسن
- إقتراح بحزمة من الحوافز الدولية لدفع عملية السلام الإسرائيلى ... / عبدالجواد سيد
- مقالات ودراسات ومحاضرات في الفكر والسياسة والاقتصاد والمجتمع ... / غازي الصوراني
- استفحال الأزمة في تونس/ جائحة كورونا وجائحة التّرويكا / الطايع الهراغي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبد المجيد إسماعيل الشهاوي - وهل فعلاً ثورة 23 يوليو أقامت عدالة اجتماعية؟