أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - وليد مهدي - إشكالات في النظرية الماركسية 2-2















المزيد.....

إشكالات في النظرية الماركسية 2-2


وليد مهدي

الحوار المتمدن-العدد: 4189 - 2013 / 8 / 19 - 20:31
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    


ثالثاً : الماركسية والإشكال الطبقي

" ان رقي الصناعة الذي ليست البرجوازية الا خادماً منفعلا له و مقسوراً على خدمته يستعيض عن انعزال العمال الناتج عن تزاحمهم، باتحاد ثوري بواسطة الجمعيات. وهكذا ينتزع تقدم الصناعة الكبرى من تحت اقدام البرجوازية نفس الاسس التي شادت عليها نظام انتاجها وتملكها. ان البرجوازية تنتج قبل كل شيء حفاري قبرها، فسقوطها وانتصار البروليتاريا كلاهما امر محتوم لا مناص منه... وليس بين جميع الطبقات التي تقف الآن امام البرجوازية وجهاً لوجه الا طبقة واحدة ثورية حقاً، هي البروليتاريا. فان جميع الطبقات الاخرى تنحط وتهلك مع نمو الصناعة الكبرى، اما البروليتاريا فهي، على العكس من ذلك، اخص منتجات هذه الصناعة. ان الفئات المتوسطة، من صغار الصناعيين والباعة بالمفرق والحرفيين والفلاحين، تحارب البرجوازية من اجل الحفاظ على وجودها بوصفها فئات متوسطة. فهي ليست اذن ثورية، بل محافظة، واكثر من محافظة ايضاً، انها رجعية ، فهي تطلب ان يرجع التاريخ القهقري ويسير دولاب التطور إلى الوراء "
(كارل ماركس وفريدريك انجلز. " بيان الحزب الشيوعي " ، لندن ، 1848)

النص اعلاه من ذلك البيان المشترك في لندن قبل نحو مئة وستين سنة ، مختصر فيما ذكره ماركس في " رأس المال " :
" العلاقة بين رأس المال والعمل هي المحور الذي يرتكز عليه كامل نظامنا الراهن "

" العمل هو مصدر كل أنواع الثروات ومقياس كل القيم .. إن قيمة أي سلعة تقاس بالعمل اللازم لإنتاجها "

فمن هذا العمل استخلص ماركس عموم النظرية عبر متابعة تحول العمل الى قيمة كما ناقشنا هذا في المقال السابق ، لكن ماركس لم يجعله عملاً " مجرداً " بما هو عمل ...
هو فقط ، العمل البشري ....!!
ويصبح ماركس اكثر تطرفاً في انحيازه للإنسان الكادح العامل الشقي بليله ونهاره حين يقرر بان " الفئات المتوسطة " كما وصفهم من حرفيين وصناعيين صغار وباعة بالمفرق ( بالمفرد ) ما هم إلا رجعيين يريدون عودة التاريخ للوراء او على الاقل المحافظة على واقع التطور الراهن ، وهو محق بجوانب كثيرة في تصوره هذا انطلاقاً من قراءة شاملة لواقع التطور التاريخي كونهم ولما يتمتعون به من رخاء نسبي وتميز اجتماعي لا " يحتاجون " لتقدم التاريخ اكثر ليعيد انتاج اشكال جديدة من الصراع الطبقي هم في غنى عنها ( لكنه اغفل ضمن تصوره جانباً آخر مهما نناقشه بعد قليل )..

وما يثير استغرابي ودهشتي حقيقة هو تصوير الماركسية من قبل الكثيرين على انها لا انسانية كما يفعل مثلا لويس التوسير ، فما نقلته اعلاه من نصوص في كتابات ماركس هو " جوهر " النظرية و ثوابتها الاساسية التي يبنى على نصلها عموم البناء النظري العملاق ، وكما هو واضح ، فيه انحياز بل وخروج عن الموضوعية من قبل ماركس لصالح العمال وباقي الكادحين الذين هم فقط ، حسب رأيه ، يصدر منهم العمل " الحقيقي " الذي يعطي لأي شيء منتج قيمته ...!
وكما رأينا بأمس القرن العشرين ونرى اليوم في القرن الحادي والعشرين ، فإن التصور – التوقع الماركسي :

((جميع الطبقات الاخرى تنحط وتهلك مع نمو الصناعة الكبرى، اما البروليتاريا فهي ، على العكس من ذلك ))

هو توقع خاطئ لأنه نابع من إنسانية مفرطة وانحيازية للمحرومين الكادحين العاملين الذين على اكتافهم نهضت الحضارات والتاريخ ، فالبروليتاريا باتت الاضعف اليوم ..
التصور الماركسي هاهنا ، وفي جوهر النظرية لم ينطلق من " تجريد Abstraction " حقيقي للعمل بكونه عمل ، بل رسمه ماركس على إنه " جهد بشري مبذول " وليس جهداً مجرداً مبذولاً يمكن مكافئته ومعادلته بمقدار من الطاقة في الفيزياء ( علم الطبيعة ) ... الام لكل العلوم ، فالطبيعة بوجودها اسبق من الإنسان الذي هو غصنٌ غضٌ من اغصانها الممتدة العظيمة ..!

( تزخر كتابات ماركس و الماركسيين بمفردة " الوقت اللازم للعمل " في حالة من دمج الجهد مع الوقت المطلوب لإنجاز عمل ما كمعادل للقيمة )

التجريد Abstraction هو الذي يتقدم باتجاهه التأريخ ، لانه غاية العلم القصوى ..

وكما نلحظ هذه الايام ، تتعالى الدعوات يوماً بعد يوم في اوبك وخارجها بتحويل القيمة السعرية لإنتاج الطاقة عبر العالم سواء من النفط او الغاز إلى قيمة موحدة بالوحدة الحرارية Thermal أو السعرة Calorie unit ، وهي التي ستقود بشكل " محتوم " الى معادلتها بالجهد البشري المبذول بالسعرات الحرارية ذاتها .. حينها سيصبح العمل مجرداً كمفهوم ويتوزع الى عدة انواع منها " الجهد الطبيعي " المخزون كوحدات حرارية في باطن الارض او على سطحها في الفحم والبترول الباطني او الرملي او الصخري ، أو طاقة الضوء الطبيعية من الشمس او " كجهد صناعي " تبذله " الآلة " لاستخراج هذه الطاقة او انتاجها ليصبح الإنسان مجرد مشارك في هذه العمليات عبر جهده الخاص " الجهد البشري " ، لتكون قيمة اي سلعة منتجة محددة بثلاثة ابعاد للعمل هي : الطبيعية والصناعية والبشرية ...

النظرية الماركسية ابطلت سلفاً البعد الطبيعي للعمل وخرجت عن " الموضوعية العامة " المتعارفة في ذلك العصر ، ونحت لتأسيس علم جديد في الاقتصاد قائم على " عمل الإنسان " هو الاقتصاد الماركسي ..
(( وهنا ، لا اقول انها ليست موضوعية بالكامل ، لكنها وعلى مسار تاريخي تناقض الغاية القصوى للعلم في التجريد ، وهو ما يدفعني للقول في غير مناسبة إن المادية التاريخية بحاجة الى تصحيحات لكي تصبح علماً حقيقياً للتأريخ ...))

الماركسية ابطلت الجهد الصناعي ايضاً ( الذي تؤديه وسائل الانتاج مجردة ) التي يملكها الرأسماليين و وصفت العمل ، بصورة غير مباشرة ، بانه فقط ( الجهد العضلي والوقت الذي يبذله البشر ) وليس اقوى من البروليتاريا من طبقة يمكنها ان تحرره وتمتلكه خالصاً مع وسائل الانتاج ..

والحق ، لا الوم ماركس في قصور تصوره هذا لان واقع التطور التاريخي قبل مئة وستين سنة للصناعة والثقافة البشرية العامة لم يكن يحفز على استشراف تحول الآلات إلى " كائنات " صنعها العمل البشري ( اي الطبقة العاملة ) وهندستها الطبقة المتوسطة التي تمتلك الخبرة والخيال الخلاق .. الذي لن تستطيع الطبقة العاملة امتلاكه بفعل تطور التعليم وتعقيده بعد مئة عام ..

فحسب الماركسية ، العمل المجرد الذي تؤديه وسائل الانتاج من روبوتات اليوم ، والذي سيصبح اكثر تجرداً من جهد العضلات البشرية مع تقدم الزمن ، إنما تعود ملكيته للعمل الذي خلق هذه الآلات بشطب التخطيط والخبرة التي اوعزت بذلك ( عائديتها للرأسماليين والبرجوازيين والطبقة المتوسطة ) وهو ما يعني بان الماركسية ستنتهي الى طريقها المسدود " الحتمي " حين تتمكن الآلات من صناعة ألات أخرى كما تفعل روبوتات المصانع الكبرى اليوم التي تصنع الاجزاء الاساسية والمعقدة للطائرات والسيارات والسفن ..

بالرغم من ان بديهيات النظرية لا ترى مشكلة في ذلك ، لأنها تنطلق من الانسان وتنتهي به ، حيث ستبقى هذه الروبوتات مجرد وسائل انتاج تمتلكها الطبقة العاملة والمجتمع ...
إلا ان التأمل العلمي المعرفي المجرد لاستشراف المستقبل وما يمكن ان نستشف بعض ملامحه منذ اليوم يخبرنا بأشياء اخرى كثيرة ..

مشكلة العلم الماركسي هي إنه يبدأ بالإنسان " الفرد " وينتهي به .. مع إن النظرية الماركسية في جوهرها ترى بان العلاقة بين تطور العلاقة بين وسائل الانتاج والإنسان هي التي تحرك التأريخ ، سأقوم بتحليل اشكالية الفلسفة الماركسية في هذه الجزئية في الفقرة الثانية من مقال اليوم " الماركسية والاشكال الثقافي " ..

ان عصر النانو تكنولوجي ، فاتحة عصر الروبوت ، ابتدأ بتزاوج العمل مع الابداع في صراع توافقي بين الطبقة العاملة والمتوسطة وليس بصراع تناحري ، ليس ادلُ وضوحاً على ما اقول هو التعايش والتناغم بين الطبقة العاملة والمتوسطة في اوربا والولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية وخلال حقبة الحرب الباردة ..

فاليوم ، توسعت " الفئات المتوسطة " كما سماها ماركس واصبحت " طبقة متوسطة " ، واتساع الطبقة الوسطى في مجتمع يتناسب طردياً مع ارتفاع مستوى التعليم فيه ..

إذ لم تتحطم هذه الطبقة وتتلاشى ذاويه في مهب ثورات البروليتاريا عبر العالم كما توقع ماركس و انجلز في البيان الشيوعي السابق ، بل حدث العكس ، العمال هم الذين في طريقهم للتحول إلى فئات ( ربما بعد مئتي عام ) لا بسبب هيمنة الرأسماليين و وحشيتهم ، بل بسبب تطور وسائل الانتاج والتعليم لدرجة ان وسائل الانتاج باتت اكثر تطوراً وتسير نحو اتمتة وتعقيد يتيح لها انتاجاً اكبر ونفقات إدامة و خلق اقل ( بفضل النانو تكنولوجي ) و ازدياد حاجتها لكوادر بشرية متعلمة من اصحاب الشهادات , تجتمع بمنظومة المؤسسات والشركات الكبرى من إداريين وخبراء تسويق و مهندسين وباحثين محترفين في التطوير و فنيين ذوي مهارات وخبرة والعمال في الصف الاخير ، وهو ما لم يدر بخلد ماركس و انجلز على الاطلاق ..!!!
فليست البروليتاريا هي التي دخلت في الصراع التناحري المصيري مع الرأسمالية اليوم ، بل هي طبقة سياسية – صناعية جديدة توشك ان تولد من رحم الطبقة المتوسطة :
" التكنوقراط "
تتضح بأجلى صورها في اليابان وكوريا الجنوبية و الصين والمانيا ، وما ثراء بيل جيتس وستيف جوبز ( اصحاب شركات مايكروسوفت وآبل ) إلا نموذج اولي بدئي يرسم مستقبل الصراع التناحري القادم بين الرأسمال والتكنوقراط بفعل تطور وسائل الانتاج وحلول الروبوت محل العمال .. التي يعرف التقنيين - الصناعيين فقط أسرار آلية التحكم بها والسيطرة عليها وتخليقها ..!!

لا اقول ان هذا الصراع حادٌ اليوم ، لكنه في المستقبل سيتحول الى تصادم تأريخي وفق منهج الجدل الماركسي في الصراع الطبقي ، بدليل ان التاريخ يتقدم في آسيا بوتيرة اسرع من تقدمه في اوربا والولايات المتحدة رغم ان آسيا لا تزال متخلفة عن اوربا واميركا لان الاخيرتين كانتا الاسرع تقدماً طيلة ثلاثة قرون مضت ، لكن ، التاريخ يتباطأ في الغرب ويتسارع في الشرق اليوم ويجعل من لحاق الشرق بالغرب بالمستوى الحضاري امراً محتوماً ، بل ، سيتجاوز الشرق الغرب في المستقبل اذا ما استمر التغير بهذه الوتيرة بظهور التكنوقراط كشكل جديد من القوى السياسية الاقتصادية التي تزيح الرأسمالية من التاريخ كما ازيح الاقطاعيين و النبلاء وذوي الامتيازات الاجتماعية ...
وهو ما يعني ان اتساع الطبقة المتوسطة من ذوي الياقات البيضاء في اوربا والعالم المتحضر النامي بسرعة على حساب العمال ذوي الياقات الزرقاء هو توسع طبيعي ضمن حركة التاريخ بتطور العلاقة بين الانسان الفرد ووسائل الانتاج ، وهذا لا يعني ان الماركسية خاطئة بالجوهر ومنهج الجدل ، لكنها فيما يبدو استعجلت في طرح مضامينها المتعلقة بارتباط العمل بالعمال واعتبار الطبقة العاملة نهاية التاريخ ، بعد ان رصدت ارتباط العمل تاريخياً بالأقنان والعبيد قبل الثورة الصناعية ، فعلت الماركسية هذا دون تقدير واقع التطور الذي يمكن ان تصل اليه " الآلة " ..
فالصراع الطبقي التناحري واقع فعلا اليوم ، وعبر فحص الواقع ، نجد بان منهج الاستقراء سليم للنظرية ، بل حتى مفردات استقراء هذا الصراع من طبقة عاملة ومتوسطة و رأسمالية ..
الإشكالية فقط هي " العلاقات " الانتاجية التي لم يدخل فيها البعد الطبيعي والصناعي للقيمة الذي سيكون له الدور الاكبر في اقتصاد المستقبل الكوني العولمي والذي بدأ دوره في الظهور اليوم لعموم الهيكل الاقتصادي الكوني فقدم الطبقة المتوسطة التي ستنجب " التكنوقراط " كواجهة ثورية جديدة في التاريخ لتحل محل الطبقة الرأسمالية كما حلت الاخيرة محل الاقطاعيين في السابق ..

رابعاً : الماركسية والإشكال الثقافي

سبق وقلت بان الطبيعة سابقة لوجود الانسان ، وعمل الانسان وكدحه فيها هو جزء منها ، فحتى وان كانت الثقافة هي انعكاس للعلاقة بين وسائل الانتاج والانسان حسب فلسفة ماركس والتي لا اختلف معها ، لكن للثقافة هي الاخرى تراكمات كمية تقود بالضرورة لتغيرات نوعية لم تحسبها الماركسية وشارحيها ..
فالثقافة تتحول الى ممارسة تأثير " طبيعي " عبر ادواتها اللغوية والفنية بسبب التراكم والتقادم الزمني ..
التغيرات الثقافية محسوبة حسب الماركسية كقيمة كمية متغيرة مع تغير العلاقات الانتاجية ولم تعر قط اي اهتمام كونها تتغير ايضاً في معزل عن التغيرات الانتاجية ضمن دائرة مستقلة هي الوعي الثقافي الجمعي ، كما تؤكد على هذا علوم الاجتماع والانثروبولوجيا الحديثة ..
الماركسية حين لم تجرد العلم من " الوعي " الانساني واعتبرت الانسان هو البداية والنهاية ، خالفت هذه القاعدة حين جردت التأريخ من " الوعي الجمعي " المتعلق بالهوية والثقافة و تأثيرها التراكمي النوعي الذي يعمل كمنظومة لا وعي خفية فيما يسميه يونج الحافظة الجمعية ..

ولعل " اللغة " هي اهم حافظة جمعية للشعوب والثقافات كما يرى علماء اللسانيات ، منهم السويسري فردنان دي سوسير Ferdinand de Saussure حيث لم تعد اللغة اليوم الا فرعاً لعلم اشمل هو السيمولوجيا semiology..
حينما يكون للغة شعب تأثير تاريخي يعود لثلاثة الاف سنة مثلاً ، مثل اللغة الصينية ، علينا ان نتوقف ونسأل عن الكم والكيفية التي تؤثر فيها اللغة الصينية و التي هي بمثابة " جينات " ثقافية في تطور المجتمع الصيني الحديث ، الذي يمكن فيه لأي مواطن يعرف القراءة والكتابة ان يقرأ الحروف التي كتبها الصينيون على درع سلحفاة قبل ثلاثة الاف سنة ..

فاين هو تطور وسائل الانتاج من تطوير اللغة ( اهم اركان الثقافة ) في مجتمع انتاجي متميز مثل الحضارة الصينية ؟
وكذا الحال بالنسبة للغة العبرية والعربية واللاتينية ، حيث تحتوي في تكوينها تراكيب حية قابلة للتغير عبر الزمن والتفاعل مع تأثير تطور وسائل الانتاج وليس الانفعال بتأثير هذا التطور كاملاً كما ترسم هذا الماركسية ..
بالتالي تأثير اللغة ممتد وهو جزء اساسي من الثقافة التي لها اسهام كبير في حركة التاريخ وان كانت بالأساس تمثل تراكمات بنيوية لتأثير تطور وسائل الانتاج والعلاقات الانتاجية و تأثير البيئة الطبيعية ..
وبنظرة فاحصة شاملة على خريطة العالم ، نرى ان اهم الثقافات العالمية الكبرى إنما تقوم على لغة فريدة متفردة متميزة بمقاطعها الصوتية الخاصة ورسم حروفها الخاص ..

فاللغة العربية لها حروف متميزة كتابة ونطقاً ، وهي لغة مركزية ، تحمل على كاهلها ثقافة عالمية مركزية استوحتها عموم الشعوب الاسلامية الاخرى غير الناطقة بالعربية بالحروف على الاقل ، مثل الامة التركية ايام العثمانيين والفرس والجزء الاسلامي من الهند ..
نفس الحال ينطبق على السلافية الروسية لغة منطوقة وحرفاً ، اذ هي حافظة ثقافة مركزية لكثير من الشعوب , كذا اللاتينية ، هي اللغة المركزية والثقافة المركزية الجوهرية للغرب ومنها ولدت كل الثقافة الغربية واستوحت الانجليزية والفرنسية والالمانية حروفها ..
والصينية هي لغة مركزية تحمل ثقافة مركزية لشعوب كوريا واليابان وفيتنام والفلبين وتايلاند ..وايضا اللغة الهندية هي لغة لثقافة مركزية ..
السؤال هو :

ما علاقة وسائل الانتاج بــــ " تعضي " الحضارات ، اي تحولها الى كيانات عضوية متميزة متفردة في التاريخ ..؟

الماركسية لم تقدم لنا في اي شرح معاصر هذه الآلية التي جعلت الامم السلافية الروسية مثلا تبني لنفسها هذا النمط الحضاري الفريد الذي تفرد حتى بمسيحيته الارثوذوكسية ليميز نفسه عن اوربا ...؟؟
اخترت مثال الامم السلافية الروسية لان الماركسية جربت نظريتها فيها على امتداد اربعة وسبعين سنة ..
لكن الحزب الشيوعي السوفييتي باتساع كوادره وتنوع كفاءاته لم يخبرنا ولم يكن يبالي بالأسس الثقافية التي اشاد عليها دولته وطبق في نظريته ..
لم يكن يبال بالثقافة لان الثقافة حسب الماركسية مثل زبد البحر ، رغوة مؤقتة منعكسة من عملية الانتاج وتفاعل الانسان مع البيئة ..

لكن الثقافة ليست رغوة زائلة ، بدليل ان النظرية طبقت لأربعة وسبعين سنة وكانت النتيجة انهيار الاتحاد السوفييتي وعودة روسيا " بوتن " للنهوض كأمة سلافية روسية تناطح اميركا كما كان يفعل السوفييت ايام ستالين وخروتشوف ..!!
فتطبيق الاشتراكية ورغم الجهود الجبارة العظيمة التي بذلت لتطبيع ثقافة اممية في روسيا وما حولها طيلة تلك الفترة لم يفلح في اجتثاث الثقافة السلافية من جذورها ، لأنها كامنة جينياً في اللغة ..!!
وهو ما اسميته في مقالات سابقة بفلسفة الجذع المقطوع ، حيث نمت البراعم من الجذور العميقة الكامنة في اللغة ولم تتمكن الايديولوجيا الشيوعية من الاستمرار في وعي وضمير الجماهير ..
فيما ادرك الحزب الشيوعي الصيني هذه الحقيقة وهادن الثقافة الصينية بكل تلوناتها ، خصوصا الكونفوشيوسية ، كانت النتيجة استمرار الدولة الصينية الحديثة وتزايد قوتها عكس الاتحاد السوفييتي ..
فالإشكال الماركسي الاساسي ليس بإهمال الثقافة وقابليتها الطبيعية في التأثير بالتاريخ كقيمة نوعية مجردة عن عملية الانتاج فقط ، إنما هو إشكال جوهري في فلسفة النظرية التي تنطلق من الانسان الفرد وتنتهي بالجماعة او المجتمع الاشتراكي والشيوعي دون ان تتطرق لعلاقة هذا الفرد بالكيان الحضاري الثقافي الذي ينتمي اليه ..

فالإنسان الفرد ليس فرداً مجرداً ، بل هو حامل لموروث اسلاف راكموا من القيم والاعراف آلافاً من السنين ، ومهما تنصل هذا الفرد من انتمائه الثقافي يبقى فاعلاً ضمن دائرته سلباً او ايجاباً ما دام حاملا لموروث اللغة ..!!

الخاتمة :

في النهاية ، اعود لأقول إننا بحاجة الى مادية تاريخية محدثة ، تعيد موضعة الثقافة وقيمة العمل وإعادة رسم صورة جديدة لمراحل الصراع الطبقي ، و رسم رؤية عامة لهيكل الاقتصاد العالمي وإعادة النظر بمفهوم الهيكل التبادلي المالي للاقتصاد الكوني العولمي ، كتطوير للماركسية وجعلها علم حقيقي للتاريخ البشري ..



#وليد_مهدي (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إشكالات في النظرية الماركسية 1-2
- مراجعات في الماركسية (2)
- مراجعات في الماركسية (1)
- الإمام المهدي والحرب العقائدية الامبريالية !!
- الوعي السياسي العربي بين قبول التسلط الاسرائيلي ورفض السلطة ...
- الوعي السياسي العربي بين قبول التسلط الاسرائيلي ورفض السلطة ...
- الكعبة , الرمز والدلالة
- شيء عن الحب
- شرقاً عبر المحيط ..
- نحن والهوية : مقارنة في سيمولوجيا البناء الثقافي بين العرب و ...
- التقمص و الذاكرة The Reincarnation and Memory
- ذاتَ مساءٍ في تشرينْ
- اجنحةُ الفراشةْ
- رسالة للسيد هنري كيسنجر : العقلانية و مراحل التضاد الخمس
- الشيعة و السنة قراءة ديالكتيكية – عقلانية (2)
- الشيعة و السنة قراءة ديالكتيكية – عقلانية (1)
- ذاكرة الفرد وذاكرة الامة : المعنى الميتافيزيقي للحضارة والتا ...
- الثقافة البشرية – رد على مالوم أبو رغيف
- مع الله في ملكوته (5)
- مع الله في ملكوته (4)


المزيد.....




- على طريقة البوعزيزي.. وفاة شاب تونسي في القيروان
- المؤتمر السادس للحزب الشيوعي العمالي الكردستاني ينهي أعماله ...
- ما بعد السابع من أكتوبر.. المسافة صفر (الجزء الثاني)
- هل تدق غزة المسمار الأخير في نعش الاحتلال والأنظمة المتواطئة ...
- ستيلانتيس (فيات سابقا).. تحليل طبقي
- -بوعزيزي جديد-.. شاب تونسي يحرق نفسه ويلقى حتفه
- كالينينغراد الروسية تقيم معرضا بمناسبة الذكرى الـ300 لميلاد ...
- حزب إسباني يساري يطالب باستبعاد إسرائيل من الألعاب الأولمبية ...
- النهج الديمقراطي العمالي بجهة الرباط يدين الهجوم الطبقي وسيا ...
- «دولة فلسطين» بين تصفية القضية ومواصلة النضال


المزيد.....

- مساهمة في تقييم التجربة الاشتراكية السوفياتية (حوصلة كتاب صا ... / جيلاني الهمامي
- كراسات شيوعية:الفاشية منذ النشأة إلى تأسيس النظام (الذراع ال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- lمواجهة الشيوعيّين الحقيقيّين عالميّا الإنقلاب التحريفي و إع ... / شادي الشماوي
- حول الجوهري والثانوي في دراسة الدين / مالك ابوعليا
- بيان الأممية الشيوعية الثورية / التيار الماركسي الأممي
- بمناسبة الذكرى المئوية لوفاة ف. آي. لينين (النص كاملا) / مرتضى العبيدي
- من خيمة النزوح ، حديث حول مفهوم الأخلاق وتطوره الفلسفي والتا ... / غازي الصوراني
- لينين، الشيوعية وتحرر النساء / ماري فريدريكسن
- تحديد اضطهادي: النيوليبرالية ومطالب الضحية / تشي-تشي شي
- مقالات بوب أفاكيان 2022 – الجزء الأوّل من كتاب : مقالات بوب ... / شادي الشماوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - وليد مهدي - إشكالات في النظرية الماركسية 2-2