أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - زهير مبارك - مقاربة فكرية في الاستبداد الاجتماعي














المزيد.....

مقاربة فكرية في الاستبداد الاجتماعي


زهير مبارك

الحوار المتمدن-العدد: 3659 - 2012 / 3 / 6 - 19:54
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


تأتي المقولات الفكرية في رصد المجتمع ليس من باب الرفاهية، بقدر ما هي مساهمة معرفية _ رغم بساطتها_ من أجل تحديد الداء كأحد مقومات التحرر والانعتاق من الأصنام المجتمعية التي تفرض نفسها مع الإصرار المستميت بالبقاء في الكهف بما يحوي من جمود القوالب السلوكية والفكرية، وغياب الحرية المؤدية إلى القهر والقمع والاستلاب.

ترتد بذور الاستبداد المجتمعي- على مستوى الممارسة- في المجتمع العربي السلطوي على وجه الخصوص إلى الأسرة، وتنتقل العدوى المجتمعية تدريجياً إلى مستويات أخرى وتتفشى فيها: كالمدرسة تحديدا والجامعة غالبا، تمس هذه العدوى الاستبدادية كل مكونات المجتمع، وبالتحديد الطفل، فعلى المستوى الأول وهو الأسرة، فإن معاملتها الاستبدادية تحول دون تمكينه من استقلاله الذاتي، كما ينتج عن ذلك شخصية مضطربة تعاني: من عدم الثقة بالنفس، ومن ضعف الشعور بالمسؤولية، ومن الجبن إلى جانب الاتكالية على الشخصية السلطوية؛ ما ينتج عن هذا كله فرد مُغيب الإبداع الفكري والموضوعي في المجتمع، بل يغلب عليه تقبل الأحكام المسبقة والقوالب الفكرية الجاهزة.

فالتشريح السابق يقود إلى أن الأسرة في المجتمع العربي الأبوي تلعب دوراً أساسياً في تشكيل الفرد المُستبد فمنذ الطفولة تعمل على مكنونات التكيف مع المجتمع الأبوي السلطوي. يأتي ذلك انطلاقاً من الواقع الذي يعيش فيه الطفل في مجتمعنا العربي واقعاً يحاصره، ويتعامل معه من خلال قوالب جاهزة لا تفسح الطريق لرغباته الحقيقية، ولا تدع لفكره المجال كي يتنفس ويعبر عن ذاته، ولهذا؛ فإننا نقول: إنه في الوقت الذي يُعامل فيه الطفل بقسوة، وتقمع إرادته، يعطى صورة مشوهة عن الطبيعة المحيطة به، وذلك كاستمرار للموقف الاستبدادي الذي يتُخذ من الطفل. يتجلى هذا الموقف الاستبدادي من الطفل في مظاهر مختلفة أهمها لجوء الأسرة في المجتمع العربي الأبوي إلى استخدام العنف في معاملته استخداماً يجعل من العنف وسيلة إرهاب وقمع، وليس وسيلة تربوية كما يظن مستخدموها.

على ضوء ما تقدم؛ يُنتج المجتمع الاستبدادي لدينا شخصية سلطوية تعاني من القمع الذي تحاول إسقاطه إما على الذات أو على الآخرين، وهو ما يمهد لترويض الفرد وإفقاده حريته عند "الكبر"، فعند قيامه بأي فعل يغيب عنه التعبير الحر عن الإرادة والاختيار غالبا، فينفذ بما يتناسب مع نموذج السلوك الذي حدده المجتمع الأبوي سلوكاً مثاليا،ً وهو الأمر الذي يعكس غياب الحرية، ويرشح من الأفعال شخصية صفتها "المثالية" من وجهة نظر "المجتمع المثالي"، وللحقيقة نقول: كلما طبقت رغبة المجتمع الأبوي ابتعد الفرد عن ذاته، وهذا يفسر المعادلة المجتمعية الآتية: كلما رُوض "المواطن" العربي على تقبل نموذج المجتمع الاستبدادي كلما قتلت فيه روح الفكر والإبداع والشعور بالحرية، وأصبح مطبعاً ومتأقلماً مع محيطه الذي سحقه وهو طفل، بل ربما يصبح مدافعاً عن هذا النموذج الذي سَلَب منه حريته.

أما المستوى الثاني، المدرسة، وهو الشق الثاني في التربية بعد الأسرة أو المتلازم معها من حيث تحمل المسؤولية في تشويه الفرد، فالتربية الحرة لا تتحقق إلا في ظل وجود مجتمع متحرر من التسلط، وهو ما لم يتوفر بعد، فالمجتمع الأبوي ينتج معلمين أبويين غالباً، كما أنهم يسهم في إنتاج طلاب أبويين لاحقاً.
حالة التلاقح ما بين الأسرة والمدرسة متلازمة؛ بمعنى أن الأولى يغلب عليها بعض أشكال التسلط والاستبداد وهذا ما هو إلا انعكاس لواقع المجتمع العربي بشكل عام وعلى الثانية على وجه الخصوص، وهنا تجدر الإشارة، إلى أن المجتمع الحر يفرز تربية حرة، " أما المجتمع الذي يطغى عليه التسلط فغالباً ما يُنتج تربية تعمل على تقييد عقول الأفراد، وكبت حريتهم، وتكبيل تفكيرهم"، وهذا يقود الى وجود ما يمكن تسميته بوجود "نهج اغتيال العقول والنفوس"، كيف يتم ذلك وما هي أبرز أدواته؟
أبرز معالم قمع الفرد يتم من خلال التلقين بعيداً عن العصف الذهني والبحث خارج الصندوق، فكل ما يقال هو الحقيقة المطلقة يتم ذلك بصورة جامدة مجردة، وفي جو من الخوف والتهديد، ويجب أن يردد المتلقي ما يحفظ دون فهم، ودون ربط منطقي، والحق يقال: إنه لا يتوفر أبسط مقومات الربط العلائقي في داخل "جمجمة الرأس" لما تم تلقينه؛ لأن رهبة المؤسسة الرسمية تفرض نفسها من خلال أدواتها، فالمهم أن يتم تخزين ما لُقن به ضمن إطار الكهف لا خروج على النص المسلم به كحقيقة مطلقة. ما الوصف السابق الا أمية مقنعة ولا ينتظر أن يظهر إبداعاً، فالأمي لا يبدع، واليد الباردة لا تكتب، وعليه، لا بد من تجاوز التلقين والتقرب من فلسفة العلم التفكير خارج الصندوق/ الكهف ومحاولة تجاوزه، والتطوير عليه، وتطوير المفاهيم وطرائق التفكير المؤسسة لكل معرفة علمية بعيداً عن الكهنوتية في التعليم ولذا؛ يرى محمد عابد الجابري " أننا لم نتمكن بعد من إعداد التربة الصالحة لغرس شجرته، وليست هذه التربة إلا الفلسفة، فلسفة العلم بكيفية خاصة" وهنا لا بد من التنويه إلى أنه لا مكان ومنبت لما سبق إلا بحرية الفكر والتعبير بعيداً عن أصنام المجتمع الأبوي الاستبدادي وقوالبه الجاهزة التي لا تلين، والتخلص من النزعة الأبوية عبر حركة تنويرية نقدية تقوم على إعادة إنتاج البنى والهياكل الأساسية في المؤسسات المجتمعية التي تحدثنا عنها سابقاً.






اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
سعود قبيلات الشخصية الشيوعية المعروفة من الاردن في حوار حول افاق الماركسية واليسار في العالم العربي
حوار مع أحمد بهاء الدين شعبان الأمين العام للحزب الاشتراكي المصري، حول افاق اليسار في مصر والعالم العربي


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- جدليات متناثرة (لحظة العبور)
- ازمة (ال)فكر (ال)عربي مفكرون بلا فكر _فكر بلا مفكرين
- فلسفة التاريخ _ تاريخ الفلسفة
- المحرقة
- شذرات من ذاك التاريخ لهذا العصر
- قراءة نقدية لسلطة الاستبداد والمجتمع المقهور (الاستبداد المب ...
- المثقف العربي و-المستبد العادل-
- بين الثابت والمتحجر: اتحاد المغرب نموذجاً
- الخطاب السياسي العربي وثقافة الاستبداد
- مثقف السلطة ... الولاء المطلق
- النفط العراقي بين الحقيقة والوهم الأمريكي


المزيد.....




- فيديو | موجة حر أوروبية جنوبية وسكان أثينا يهجمون على الشواط ...
- مكتب التحقيقات الفدرالي: كمية نترات الأمونيوم التي انفجرت في ...
- اليمن.. الحوثيون يعلنون عن نجاحات ميدانية في البيضاء
- الهند.. التربة تنهار وتجرف الطرق الجبلية
- لحظة سقوط طائرة في إيفانو فرانكيفسك الأوكرانية
- المفوضية الأوروبية تبدأ الاستعدادات لكارثة عالمية
- فشل اختبار ثان لصاروخ أمريكي فرط الصوتي
- وزير الخارجية الجزائري يجري محادثات مع مسؤولين سودانيين بالخ ...
- مسؤول إسرائيلي: إيران مسؤولة عن الهجوم عل الناقلة ببحر عمان ...
- اكتشاف مقبرة ضخمة لمخلوقات بحرية تشبه-الكائنات الغريبة- وسط ...


المزيد.....

- عن المادية و الخيال و أشياء أخرى / احمد النغربي
- الفاعل الفلسفي في إبداع لويس عوض المسرحي / أبو الحسن سلام
- الماركسية كعلم 4 / طلال الربيعي
- (المثقف ضد المثقف(قراءات في أزمة المثقف العربي / ربيع العايب
- نحن والجان البرهان أن الشيطان لا يدخل جسد الإنسان / خالد محمد شويل
- الذات بين غرابة الآخرية وغربة الإنية / زهير الخويلدي
- مكامن الانحطاط / عبدالله محمد ابو شحاتة
- فردريك نيتشه (1844 - 1900) / غازي الصوراني
- الانسحار / السعيد عبدالغني
- التَّمَاهِي: إِيجَابِيَّاتُ التَّأْثِيلِ وَسَلْبِيَّاتُ التَ ... / غياث المرزوق


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - زهير مبارك - مقاربة فكرية في الاستبداد الاجتماعي