أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - خالد أبو شرخ - معاداة اليهود (3-4) .. الهولوكوست















المزيد.....



معاداة اليهود (3-4) .. الهولوكوست


خالد أبو شرخ

الحوار المتمدن-العدد: 3546 - 2011 / 11 / 14 - 08:09
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


الإبادة النازية ليهود أوربا

يستخدم مصطلح "الإبادة" في العصر الحديث, ليدل على محاولة القضاء على أقلية, أو طائفة أو شعب قضاء كاملاً. ويُطلَق مصطلح "إبادة اليهود", في الخطاب السياسي الغربي, على محاولة النازية, التخلص أساساً من أعضاء الجماعات اليهودية في ألمانيا, وفي البلاد الأوربية, التي وقعت في دائرة نفوذ الألمان, عن طريق تصفيتهم جسدياً, من خلال أفران الغاز, وتستخدم أيضاً عبارة "الحل النهائي", للإشارة إلى المخطط, الذي وضعه النازيون, لحل المسألة اليهودية بشكل جذري ونهائي ومنهجي وشامل, عن طريق إبادة اليهود، أي تصفيتهم جسدياً, ويشار إلى الإبادة في معظم الأحيان, بكلمة "هولوكوست", وهي كلمة يونانية تعني "حرق القربان بالكامل", وتُترجم إلى العبرية بكلمة "شواه"، وتُترجم إلى العربية بكلمة "المحرقة" .
ومن المعروف أن هناك عدة شعوب, قامت من قبل بإبادة شعوب أخرى, أو على الأقل بإبادة أعداد كبيرة منها, لكن ما يميز تجربة الإبادة النازية, عن التجارب السابقة, أنها تمت بشكل واع ومخطط ومنظَّم وشامل ومنهجي ومحايد، عن طريق استخدام أحدث الوسائل التكنولوجية, وأسـاليب الإدارة الحديثـة, فهـناك فارق ضـخم, بين الإبادة الحـديثة, وبين المذابح في المجتمعات التقليدية، إذ كانت المذابح تتم عادةً بشكل تلقائي, غير منظم وغير منهجي وغير مخطط.
ويمكن في هذا المضمار, أن نذكر "ليلة الزجاج المحطم", حينما قامت الجماهير الألمانية, في العديد من مدن ألمانيا, بالهجوم على أعضاء الجماعة اليهودية, ويُقال إن الغضب الشعبي, لم يكن تلقائياً, وإنما تم بتخطيط من القيادات النازية, التي كانت مجتمعة في ميونخ, كما أن إلقاء القبض على أعداد من اليهود بعد الحادث, يدل على أن الأمر لم يكن تلقائياً تماماً.
ويصف بعض الدارسين ليلة الزجاج المحطم, بأنها هجوم شعبي شبه منظم على اليهود، ولكن نظراً لضآلة عدد الضحايا، لم يكن بوسع الدولة النازية, أن تتخلص من ملايين اليهود, باستخدام هـذه الآلية البدائية التقليدية, التي تعتمـد على إثارة غضـب الجماهير, ولذا كان لابد من اللجوء إلى آليات أخرى أكثر حداثة، ووجد النازيون ضالتهم في مؤسسات الدولة الحديثة, مثل التكنولوجيا المتقدمة التي تمتلكها، وأجهزة الإعلام التابعة لها، وأساليب الإدارة الحديثة الرشيدة, ويذهب هؤلاء الباحثون إلى أن الدولة النازية, ما كان بوسعها أن تحقق غرضها بهذه السرعة وبهذه الكفاءة, بدون هذه الآليات المتقدمة .

السياق السياسي والاجتماعـي الألماني للإبــادة

من أهم الحقائق التي تصف عملية التحديث أو التصنيع في ألمانيا، أنها بدأت في وقت متأخر قليلاً, بالنسبة لغرب أوربا, فالجهود الرامية لتحديث ألمانيا, ظلت متعثرة, ولم تحرز تقدماً إلا في سبعينيات القرن التاسع عشر, بعد الحرب البروسية الفرنسية, نظراً لعدم وجود سلطة مركزية, ولكن الوضع تغير بعد أن أحرزت بروسيا انتصارها الساحق على فرنسا، وبعد أن ضمت الألزاس واللورين، إذ قامت بتوحيد ألمانيا، ثم حققت عملية التحديث, من خلال قفزات هائلة, في فترة وجيزة نسبياً، بحيث أصبحت ألمانيا, من كبريات الدول الصناعية, لا يفوقها سوى إنجلترا.
وعادة ما يؤدي التحديث السريع, إلى اضطرابات اجتماعية، لأنه لا يتيح الفرصة أمام أعضاء كثير من الجماعات والأقليات الإثنية والدينية, للتأقلم مع الوضع الجديد، بحيث يمكنهم إعادة تحديد ولائهم, وإعـادة صيـاغة هويتهم, بما يتفـق مـع متطلبات الولاء للدولـة القومية الحديثة, وقد ظـهر هـذا الوضع، أول ما ظهر، حينما سـعت الدولة الألمانية الجديدة، ذات التوجه البروتستانتي الواضح أو ذات التوجهات البروتستانتية، إلى وضع كل النشاطات الاقتصادية والثقافية تحت سيطرتها، وعلى سبيل المثال، حاولت الدولة الجديدة السيطرة على النظام التعليمي بأكمله، ومن ثم تدخلت في عملية تعيين وفصل المدرسين في المدارس الكاثوليكية, حتى يمتثلوا لأوامرها هي, ولا يخضعوا لسلطان الكنيسة، وحتى تتحول الأقلية الكاثوليكية, من جماعة شبه ألمانية, لها سماتها الخاصة, يتوزع ولاؤها بين القيم الدينية المطلقة والقيم القومية, إلى جماعة ألمانية خالصة تدين بالولاء للدولة وحدها, وقد أدى هذا إلى صدام بين الدولة, والكتلة الكاثوليكية الضخمة .
وأدى التحديث السريع, إلى اقتلاع أعداد كبيرة من الجماهير الريفية, من مجتمعاتهم المترابطة, والإلقاء بهم في المدن الضخمة, التي تسود فيها العلاقات التعاقدية, وتزايـدت درجـة الاغـتراب, بين أعضاء الطبقة الوسـطى, وغيرها من الطبقات، حيث تغير أسلوب حياتهم, نتيجةً لازدياد حجم المدن بسرعة مذهلة, وظهور مؤسسات قومية رأسمالية ضخمة لم يألفوها, وفي مثل هذه الظروف، يبحث أعضاء المجتمع في العادة, عن عقيدة متكاملة, تجيب عن أسئلتهم, وتمنحهم الطمأنينة, التي يفتقـدونها في المجتمـع الجديد, وتحميهم من وحـشية وتائر التغير السريع. وحيث إن العقائد الشمولية, تقوم بهذه المهمة على أكمل وجه، فقد وجدت تربة خصبة في ألمانيا, ويقف هذا الوضع على الطرف النقيض, من التحديث التدريجي البطيء, في غرب أوربا, الذي سمح بترسيخ قيم الفردية والليبرالية, ثم بهيمنة البورجوازية في نهاية الأمر, على المجتمع ككل بمختلف أعضائه ومؤسساته.
تم التحديث في ألمانيا, تحت ظروف خاصة, حيث تزامن مع توحيد ألمانيا, وقد نجح بسمارك في التوصل إلى صيغة عقائدية, تسمح باستغلال قضية الوحدة, في تصفية العناصر الليبرالية والثورية, مثلما يحدث في الدول النامية في الوقت الحاضر, عندما تطرح قضايا قومية, يُقال لها "مصيرية " للتحكم في الجبهة الداخلية, ولتصفية أية جيوب معارضة باسم الإجماع القومى, وانطلاقا من هذا، تبنت القوى والطبقات المحافظة والأرستقراطية، بقيادة بسمارك، قضية توحيد ألمانيا, وضرورة قيام سلطة مركزية، بعد أن أصبحت موضع إجماع قومي، ثم أنجزت هذا الهدف التاريخي في نهاية الأمر, ولذا كان بوسع هذه القوى, أن تبرم هدنة بينها وبين البورجوازية, بحيث تحتفظ هي بالقيادة السياسية لألمانيا, على أن تستفيد البورجوازية, من النتائج الاقتصادية لعملية التوحيد، أي أن عملية التحديث في ألمانيا, تمت تحت مظلة القوى التقليدية المحافظة, ومن ثم ظهر مجتمع حديث, يدار بشكل حديث, من قبل طبقة تقليدية, ذات مثل تسلطية شمولية، وهذا مغاير تماماً لنمط التحديث في كل من فرنسا وإنجلترا.
ومن الحقائق الأساسية, التي كثيراً ما نغفل عنها، أن التحديث في العالم الغربي، في أوربا الغربية خاصة، ارتبط ارتباطاً كاملاً وعضوياً بالمشروع الاستعماري الغربي, ولا يمكن رؤية عملية التحديث, والتراكم الرأسمالي المرتبط به, في فرنسا وإنجلترا وهولندا وبلجيكا وأمثالها، خارج إطار التوسع الاستعماري, ومما لا شك فيه، أن التوسع الاستعماري, يساهم في التخفيف من حدة كثير من المشاكل الناجمة عن التحديث, مثل الأزمات الاقتصادية والانفجارات السكانية، وذلك عن طريق تصديرها إلى المستعمرات, ولكن ألمانيا لم يكن لها مشروع استعماري مستقل نظراً لانقسامها، وقد مرت عليها مرحلة الاسـتعمار التجـاري في القرنين السادس عشر والسابع عشر، كما مرت عليها مرحلة الاستعمار, في إطار المنافسة الحرة, في القرن الثامن عشر, ولم تدخل ألمانيا الحلبة الاستعمارية, إلا في مرحلة الرأسمالية الاحتكارية (الإمبريالية), بعد أن كانت إنجلترا وفرنسا قد التهمتا معـظم أنحاء العالم, وبطبيعة الحال سعت ألمانيا، بعد أن تسارعت وتيرة التحديث داخلها، إلى بسط نفوذها على بعض مناطق العالم، فأنشأت علاقـات وثيـقة مع الدولة العثمانية, وحلت محل بريطانيا وفرنسـا كحليفة كبرى، كما احتلت بعض المناطق في أفريقيا, بل في أوربا ذاتها, وقد تحطم المشروع الاستعماري لألمانيا تماماً, في الحرب العالمية الأولى، إذ اقتسم الحلفاء المنتصرون مستعمراتها فيما بينهم, ولم يعد لها مجال استعماري حيوي, تقوم بتصدير مشاكلها إليه.
ويمكن القول بأن معاهدة فرساي, لم تحطم المشروع الاستعماري الألماني وحسب، بل حطمت المشروع التحديثي الألماني، وحولت ألمانيا نفسـها إلى ما يشـبه المسـتعمرة, وقد منعـت ألمانيا من الاتحاد مع النمسا، مع أن ذلك كان مطلباً للشعبين الألماني والنمساوي, كما تم استقطاع أجزاء كبيرة منها, ضمت إلى كل من الدنمارك وبولندا وفرنسا وبلجيكا وليتوانيا, ووضعت المناطق الغنية بالفحم، تحت إشراف عصـبة الأمم لمدة خمسـة عـشر عاماً, أديرت مناجمها أثناءها عن طريق فرنسا, وعلاوة على هذا، تم تحديد حجم الجيش الألماني, الذي سلم كميات هائلة من الزاد والعتـاد الحربي للحلفاء، وخفضت كمية الذخيرة المسموح بإنتاجها، وخفضـت قوة السـلاح البحري, ولم يسمح بوجود قوات جوية بتاتا، كما فرضت غرامة مالية كبيرة على ألمانيا, وفضلاً عن ذلك، تقرر أن تحتل قوات الحلفاء الضفة اليسرى للراين لمدة خمسة عشر عاماً, للتأكد من تنفيذ شروط المعاهدة, وألغى الحلفاء المنتصرون المعاهدات التجارية المبرمة بين ألمانيـا والدول الأخـرى، وصودرت الودائـع المالية الألمانيـة في الخارج، وأُنقص حجم البحرية التجارية الألمانية إلى عشر حجمها, وكل هذه الإجراءات تذكر المرء, بما حدث لمحمد علي، صاحب أول تجربة تحديث في الشرق العربي، والذي هدد ظهوره الخطط الغربية للاستيلاء على تركة الدولة العثمانية، رجل أوربا المريض, وفي نهاية الأمر، كان على ألمانيا أن تدفع غرامة عينية قدرها 20 مليار مارك ذهبي، على أن تدفع جزءاً منها فوراً, وجزءاً منها بعد حين, وتم تحديد الغرامة في نهاية الأمر، في أبريل 1921، بمقدار 132 مليار مارك ذهبي, وبرغم معارضة جميع الأحزاب الألمانية لتلك الشـروط، اضـطرت جمهـورية "وايمار" في النهـاية إلى أن ترضخ, وكما هـو الحـال في مثل هذه المواقف، حينما تجرح الكبرياء الوطنية لشعب ما، ذاع بين الألمان الاعتقاد بأن ألمانيا لم تهزم, وإنما طعنهـا الثـوريون والليـبراليون واليهـود من الخلف.
واحتلت فرنسا منطقة الروهر عام 1923م, بحجة فشل ألمانيا في إرسال شحنة من الخشب على سبيل التعويض العيني، ثم قامت القوات الفرنسية والبلجيكية, بإلقاء القبض على العمال الألمان الذين رفضوا العمل في المناجم، وفُرض حصار اقتصادي, تم بمقتضاه فصل منطقة الروهر, وكذلك وادي الراين المحتلين عن ألمانيا، الأمر الذي كان يشكل ضربة اقتصادية هائلة لألمانيا، خصوصاً بعد أن تم استقطاع منطقة سيلزيا العليا الغنية بالفحم.
ولأن جمهورية "وايمار" لم تضع أية قيود على حرية رأس المال، فقد استفاد كثير من الرأسماليين (ومنهم أعداد كبيرة من أعضاء الجماعات اليهودية), من هذا الوضع، وحققوا أرباحاً هائلة, وراكموا الثروات, في وقت كانت فيه معظم طبقات الشعب الألماني, تعاني من الفقر والهوان.
وبذلت حكومة ألمانيا, قصارى جهدها لإصلاح هذا الوضع, وبالفعل تم تحديد ديون ألمانيا وطرق دفعها، وبدأت قوات الحلفاء في الانسحاب مع أوائل الثلاثينيات، ثم عقدت الجمهورية بعض القروض, لاستثمارها في الاقتصاد الألماني, حتى ظهرت بعض علامات التحسن والاستقرار, ولكن هـذا الاسـتقرار كان يعتمـد بالدرجـة الأولى, على القروض الخارجية، ومن ثم، أدَت أزمة الرأسمالية العالمية عام 1929م, وانهيار البورصة في نيويورك, إلى انهيار الوضع في ألمانيا، فوصل عدد العاطلين فيها عن العمل, إلى ما يزيد على ستة ملايين (أي نحو ثلث مجموع القوى العاملة في الفترة 1930 ـ 1932)، وانخفض الدخل بنسبة 43%، وفقدت الطبقة الوسطى ما تبقى لديها من مدخرات.
هذا هو السياق الاجتماعي والسياسي العام, الذي أدى إلى احتدام التناقضات, والثورات داخل المجتمع الألماني, والذي أدى في نهاية الأمر, إلى تفجر الوضع الداخلي, وظهور الأفكار الشمولية الاستبعادية, وإلى ظهور إمبريالية تتجه نحو الداخل الأوربي, بعد أن حرمت من الخارج الآسيوي والإفريقي العالمي, فقد اتجه المشروع الاستعماري الألماني بكل قوته، حينما استعادها نحو الداخل، أي نحو الشعوب السلافية المجاورة, والأقليات المختلفة, مثل الغجر واليهود، حيث اعتبر المناطق التي تعيش فيها, مجاله الحيوي الذي لابد من تفريغه, من تلك العناصر التي لا تنتمي إلى الفولك (الشعب), والتي تعوق تحقيقه لمصلحته وأهدافه.

السـياق السـياسي والاجتماعي الألمانـي اليهـودي للإبادة

لم يكن للجماعة اليهودية في ألمانيا وزن عددي يذكر, فمن الناحية الكمية المحضة، لم يكن أعضاؤها, يشكلون أي تحد خاص, للأغلبية الألمانية الساحقة, حيث أن الجماعة اليهودية في ألمانيا, لم تكن آخذة في التزايد, بالرغم من الانفجار السكاني, في أوربا, في القرن التاسع عشر, كما أن نسبة يهود ألمانيا, إلى عدد السكان, كانت آخذة في التناقص، وقد تزايد هذا الاتجاه عام 1910م, بسبب التنصر والزواج المختلط, الذي بلغت نسبته بين عامي 1921م و1927 نحو 44.5% من جملة الزيجات اليهودية.
ولذا لم تكن المسألة اليهودية في ألمانيا, كامنة في الكم, كما كان الوضع في شرق أوربا، وإنما في الكيف، وعلى وجه التحديد, في الوضع الوظيفي المتميز لأعضاء الجماعة اليهودية, الذي تأثر تأثراً عميقاً بعملية التحديث في ألمانيا, فقد كان أعضاء الجماعة، حتى نهاية القرن الثامن عشر، يعيشون أساساً في الريف والمدن الصغيرة, ولكن مع بدايات القرن التاسع عشر, وظهور الاقتصاد الجديد، هاجرت أعداد هائلة منهم إلى المدن الكبرى, ومع نهاية القرن، كانت أغلبيتهم تقيم في المدن الكبرى, مثل "براسـلاو" و"لايبزغ" و"كولونيا"، بالإضـافة إلى "هامبـورج" و"فرانكفورت"، وكانت "برلين" تضم ثلث يهود ألمانيا.
وأدى تركز يهود ألمانيا في المدن, إلى وضوح تمايزهم الوظيفي والمهني، وهي ظاهرة موغلة في القدم, في دول وسط أوربا، وخصوصاً في ألمانيا, فلقد كان أعضاء الجماعة اليهودية, في الإمارات الألمانية يشكلون، في العصور الوسطى، جماعة وظيفية وسيطة, تضطلع بدور التاجر والصيرفي والمرابي، ثم تم طردهم من عدة مدن وإمارات ألمانية، فهاجروا منها إلى مدن وإمارات ألمانية أخرى, ولكن مع حلول القرن السادس عشر، سمح لليهود بالاستقرار في كثير من المدن والإمارات, التي كانوا قد طردوا منها، وتم استقدامهم كعنصر تجاري نشط, لديه رأس المال اللازم, والاتصالات الدولية, وكان يهـود "المارانـو" الذين طردوا من شبه جزيرة أيبريا, من أهم هذه العناصر, وعادة ما كان يتم استقدام اليهود في العصور الوسطى، بأمر من الإمبراطور أو الأمير أو النخبة الحاكمة، فكان أعضاء الجماعات اليهودية, يتبعون النخبة الحاكمة (أو أحد أعضائها) بشكل مباشر, ويشكلون مصدر دخل كبير لها، وكان الممولون اليهود, يقومون باعتصار الجماهير من خلال الفوائد الضخمة التي يحصلونها على قروضهم, ولكن النخبة الحاكمة, كانت تستولي على نسبة ضخمة من الأرباح, في نهاية الأمر, عن طريق الضرائب التي تفرضها, على أعضاء الجماعات اليهودية, وفي القرن السادس عشر ظهرت مهنة يهودي البلاط, الذي يدير الخزانة الملكية, ويعقد الصفقات والقروض, بالنيابة عن الأمراء, ويمول الحروب, ويدير الاتصالات التجارية اللازمة، أي أن أعضاء الجماعة اليهودية في ألمانيا, كانوا مرتبطين بالحاكم, ملتصقين به, ومتميزين طبقياً ومهنياً, عن بقية أفراد الشعب، وهو وضع ازداد تبلوراً في القرن التاسع عشر .
وكان وجود بعض أعضاء الجماعة اليهودية, كوسطاء أمراً واضحاً جداً، فقد تركزوا في صناعة الأثاث والملابس الجاهزة, وارتبطوا بالصيرفة والمحال التجارية، الأمر الذي حولهم إلى شخصيات مكروهة, من الطبقة الوسطى، خصوصاً في ظروف الأزمة, واتضح كذلك, وجود اليهود في مهنة الإقراض, وتحصيل ريع الملكيات الزراعية, بالنيابة عن أصحاب الأمـلاك، كما عملـوا تجار مواشي، الأمر الذي جعلهم مكروهين من الفلاحين, وقبل الحرب العالمية الثانية، كان عدد يهود ألمانيا لا يزيد على 1% , وكان يهود برلين يشكلون 5% من سكانها، لكنهم كانوا يدفعون 30% من جملة الضرائب، وكان يهود فرانكفورت, الذين يشكلون 7% من سكانها يدفعون 28% من ضرائبها، كما بلغت نسبة أصحاب الأعمال, ومديري البنوك, من اليهود في برلين 55.15% في عام 1882م، ثم هبطت إلى 32.6% في عام 1925م (وهي أيضاً نسبة عالية), لكن الهبوط في النسبة المئوية, لم يصاحبه هبوط في النفوذ، إذ كان اليهود، في بعـض السـنوات، يديرون أهـم ثلاثة بنوك, تتحكم في 60% , من نسبة الإقراض, وكانوا يديرون نحو ثلاثة أرباع القروض الأجنبية, التي منحت لألمانيا, من عام 1924م إلى عام 1929م, كما سيطر اليهود على 57.32% من صناعة المعادن في عام 1930م, وهكذا ارتبط اليهود في العقل الألماني, بالمشروع الحر, والمضاربات والسياسات الليبرالية, ومن جهة أخرى كان "والتر راتناو" (وزير التعمير ثم وزير الخزانة في حكومة وايمار) يهودياً، كما كان واضـع دسـتور هـذه الجمـهورية (التي استمرت فترة قصيرة) يهودياً أيضاً.
وكانت هذه الجمهورية, ترمز في العقل الألماني, لليبرالية المتخاذلة المتهالكة, أمام هجوم أعداء ألمانيا, ومن قبيل المفارقات, أن أعضاء الجماعة اليهودية, ارتبطوا بالمثل الليبرالية, في وقت كان فيه المجتمع الألماني ككل يتخلى عنها، بعد تعثر التحديث، ليبحث عن طرق أخرى شمولية لحل مشاكله, ولعل في هذا الارتباط الوثيق, بين الرأسمالية الألمانية ويهود ألمانيا, ما يفسر النقد الاشتراكي الثوري العنيف, لليهود باعتبارهم ممثلين للرأسمالية، ولليهودية باعتبارها دين الاقتصاد الجديد, ولعل هذا يفسر أيضاً السبب, في أن "ماركس" يقرن اليهودية بروح التجـارة, ويوحد بينهما، ويرى أن إله إسرائيل الطماع هو المال, وهذا التراث الاشتراكي, في نقد الشخصية اليهودية, نابع من تربة ألمانية أساساً، حيث كان اليهود ممثلين بشكل واضح, في الطبقات الرأسمالية, ولا ينطبق هذا بأية حال، على شرق أوربا, حيث تحولت البورجوازية الصغيرة, والجماعات اليهودية, إلى بروليتاريا تعاني من ويلات الفقر.
وبرغم هذا الربط, بين الجماعات اليهودية, والرأسمالية في ألمانيا، فقد انضم عدد كبير من المثقفين اليهود, إلى الحركات الثورية فيها، وكان ارتباطهم بها, على المستوى الفردي, واضحاً وضوح الارتباط الجماعي لليهود بالرأسمالية, فكان رئيس حكومة بافاريا الثورية يهودياً، وكان كثير من قيادات الحركة الثورية مثل "روزا لوكسمبرج" من اليهود، وكان هناك شبح "ماركس" يرفرف على الجميع, ثم اتضح عام 1917م الوجود اليهودي الملحوظ في الثورة البلشفية .
وهكذا ارتبط اليهودي, بالصناعة والاستغلال والمشروع الحر، وكذلك بالثورة الاشتراكية والحركات الثورية، أي أن اليهودي, أصبح رمزاً جيـداً لهذا المجتمـع الحديث, المبني على التعاقد والتنافـس، والذي قوض دعائم المجتمع الألماني المترابط، وأصبح بؤرة تتجمع فيها مخاوف الطبقة الوسطى, التي كانت آخذة في التدهور الاجتماعي والطبقي, بسبب التضخم والبطالة, بل أصبح رمزاً لكل تلك القوى، من اليمين واليسار، التي أودت بألمانيا وفرضت عليها أن تذعن للحلفاء.
وحينما استأنفت ألمانيا عملية التحديث بعد الحرب، تمت هذه العملية بقروض أجنبية, وتحت رعاية الدولة، أي أن النمط الاقتصادي السائد في ألمانيـا, لم يكن فيه مجـال للرأسـمال الحـر تماماً, ولا للنمط الاشتراكي الجمعي, وارتطمت الدولة النازية, بكل من الرأسمال الحر, الذي ارتبط به اليهود, واليسار المتطرف, الذي وجد فيه اليهود بشكل ملحوظ.
وساهمت العوامل السابقة جميعاً، بشكلٍ أو بآخر، في عزل أعضـاء الجماعة اليهوديـة, عن بقية التشـكيل السياسي الحضاري الألماني, ولكن أمورا أخرى كان لها أيضا تأثيرا واضحا في عزل الجماعة اليهودية ومنها :

1: العلاقة الخاصة, بين أعضاء الجماعة اليهودية, والمشروع الاستعماري الألماني, والتي تعود إلى منتصف القرن التاسع عشر، وتعتبَر امتداداً لظاهرة يهود البلاط, ولارتباط أعضاء الجماعة بالحاكم, وتعد عائلة "روتشـيلد" مثلاً جيـداً على ذلك، حيث كانت آخر أسرة من أسر يهود البلاط, وهي أيضاً أول أسرة يهودية ثرية, تتولى مشاريع الاستيطان الصهيوني, حيث كان بتم التعامل مع اليهود, باعتبارهم جزءاً من المشروع الاستعماري الألماني, في المشرق العربي, ويعتبر هذا في جوهره, تهميشاً لهم, من منظور المشروع القومي الألماني، فهو يعطيهم حقوقاً للاستيطان في فلسـطين، كما يمنحـهم الحـق في التمـتع برعاية الحكومـة الألمانيـة خارج ألمانيـا، الأمر الذي يعني ضمناً إنـكار حقـوقهم داخلها, فقد كان الاستعمار الاستيطاني, هو الإطار الذي يتم من خلاله تصدير الفائض البشري, غير المرغوب فيه إلى الشرق, ولكن القيادة الصهيونية، بقبولها هذا الإطار، رضيت بالتعريف الضمني الكامن لليهود كعنصر غريب, غير منتم يجب أن يتم تصديره, عن طريق التهجير, وهذا على كل حال، هو التعريف الصهيوني الواضح لليهود.
2: تسببت الهجرة الكثيفة, ليهود اليديشية, في أعقاب تعثر التحديث في شرق أوربا, في تهميش اليهود, وفصلهم عن التشكيل القومي الألماني, ومن الجدير بالذكر أن الهجرة اليهودية الحديثة, اتسمت بأنها هجرة داخلية, في أوربا (أي من بلد أوربي إلى آخر) حتى عام 1880م, ولم تبدأ الهجرة عبر الأطلسي بشكل مكثف, إلا بعد ذلك التاريخ, وقد هاجر في المرحلة الأولى, بصفة خاصة مئات الألوف، ووصلت أعداد كبيرة منهم إلى إنجلترا, وتسببوا في استصدار "وعد بلفور", لتحويل سيل الهجرة عنها، كما وصلت أعداد لا بأس بها إلى ألمانيا.
3: قيام ألمانيا في نهاية القرن الثامن عشر، بضم بولندا التي كانت تضم يهوداً من المتحدثين باليديشية، وهو ما كان يعني أن يهاجر هؤلاء إلى المدن الألمانية الكبرى, وبالفعل انتقل معظم يهود "بوزنان" إلى ألمانيا، وكذا أعداد كبيرة من يهود "جاليشيا", ولا شك في أن ظهور هذه الكتلة الضخمة, من يهود شرق أوربا, ذوي الطابع الجيتوي المنغلق، والذين لا يوجد لديهم التزام قوي بالمعايير الأخلاقية المحلية, أو بالقيم الغربية، كما يفتقرون إلى الكفاءات المطلوبة, في التعامل مع أوربا الحديثة, والاقتصاد الجديد، كان يمثل تهديداً للموقع الطبقي لليهود, ولمكانتهم الاجتماعية, وبوجه عام كان يهود ألمانيا يختفون، بينما كان يهود الشرق, يحلون محلهم، أي أن الطابع العام للجماعة اليهودية, كان آخذاً في التغير, وفي اكتساب طابع غير ألماني .
4: تحولت ألمانيا، بعد الحرب العالمية الأولى، إلى مركز للثقافة العبرية, نتيجـةً لهرب عديد من الكتاب اليهود, من روسـيا، فتم تأسـيس دار نشر عبرية، كما أسست الحركة الصهيونية, كثيراً من المدارس لتعليم العبرية, وهو اتجاه أيده النازيون فيما بعد, ودعموه لأنهم كانوا يرون ضرورة عبرنة اليهود, باعتبارهم شعبا مستقلاً, عن الشعب الألماني, ولنا أن نلاحظ أن الدولة النازية, سبقت الدولة الصهيونية, في تبني كثير من مشارع العبرنة, وكان من شأن هذا كله, أن أصبح العنصر اليهودي مرة أخرى, عنصراً عضوياً متماسكاً غريباً, يقف خارج المجتمع, أو على هامشه, ولذا، كان أحد المطالب الأساسية, لأعداء اليهود وقف الهجرة من شرق أوربا, لأنها تأتي بالغرباء, وكانت حقوق اليهود الأجانب, مثار نقاش حتى في عهد جمهورية "وايمار" الليبرالي، ولهذا نجد بعض الألمان، ممن لا يمكن اتهامهم بمعادة اليهود، يطالبون بعدم السماح ليهود الشرق, بامتلاك عقارات باعتبارهم أجانب, لا باعتبارهم يهوداً.
وقد طرحت القضية نفسها داخل المنظمات اليهودية ذاتها, هل يمنح اليهود الأجانب، الذين كانوا يشكلون أحياناً الأغلبية, في بعض المجتمعات، حق التصويت في الانتخابات؟ ... وبالفعل قرر كثير من هذه التجمعات, السماح ليهود الشرق, بالانضمام إليها بدون ممارسة حق التصويت .
5: ظهرت في هذه المرحلة جمعيات يهودية، مثل التنظيم المركزي للمواطنين الألمان, من أتباع العقيدة اليهودية, وهي جمعية يهودية, تدعو إلى الاندماج، وغير ذلك من جمعيات دينية وثقافية, وتم تأسيس اتحاد عام لهذه الجمعيات في أواخر العشرينيات, ولكن الأمر الذي يجدر ذكره، هو تأسيس فرع للمنظمة الصهيونية في ألمانيا (بل أصبح المقر الرئيسي داخل ألمانيا منذ عام 1904), وترأس فرع ألمانيا "كورت بلومنفلد" الذي طرح شعارات قومية كانت تسبب الكثير من الحرج لأعضاء الجماعة, الذين كانوا يحاولون الاندماج, وتُوجت جهوده باستصدار قرار بوزنان الصهيوني عام 1912م, الذي جعل من الهجرة إلى فلسطين, هدفاً أساسياً لكل يهودي, وظل الصهاينة ومعظمهم من أصل شرق أوربي، يتقبلون مختلف المنطلقات القومية المتطرفه, فدافع "مارتن بوبر" عن علاقـة التربة بالدم، كما دافـع عن أن اليهود شـعب آسـيوي أساساً, وتحدث "ناحوم جولدمان" عن اليهود كعنصر هدام, في كل المجتمعات لأنهم غرباء، وتحدث "جيكوب كلاتسكين" عن ازدواج الولاء عند اليهود، وتحدث "حاييم وايزمان" عن اليهود, باعتبارهم عنصراً فائضاً, يقف في حلق الأمة الألمانية، وهي شعارات تعود كلها لـ "تيودور هرتزل" و"ماكس نوردو", اللذين وضعا أساس الصهيونية الألمانية, وأشاعت هذه الدعاية, صورة سلبية للغاية, عن أعضاء الجماعة اليهودية, وعن عدم إمكان دمجهم في الشعب الألماني.

وفي هذا المناخ ظهر هتلر, وظهرت النازية, وأثناء محاكمات "نورمبرج"، أصر الزعماء النازيون، الواحد تلو الآخر، على أنهم تعلمـوا ما تعلمـوه عن المسألة اليهودية, من أدبيات الصهيونية.

ورغم هذا الجو الهستيري الصهيوني النازي، ظلت الجماعة اليهودية, رافضة للمنطق الصهيوني, واستمرت في مقاومة المنطق النازي, ومع وصول هتلر للحكم، استولى الصهاينة على قيادة الجماعة اليهودية, وطرحوا برنامجاً عام 1933م, لإعادة صياغة الجماعة اليهودية في ألمانيا, وتعليم اليهود, ما يتفق مع التقاليد الصهيونية، وذلك عن طريق مزج القومية بالدين, بهدف تهجيرهم خارج ألمانيا.
وقد وصفت جمعية التنظيم المركزي للمواطنين الألمان, هذا الموقف من قبل الصهاينة, بأنه طعنة في الخلف, أما النازيون، فوافقوا على الطرح الصهيوني للقضية, وقدموا التأييد والدعم للأنشطة والمؤسسات الصهيونية.
وكانت كل هذه الأسباب النابعة من الملابسات التاريخية والسياسية والحضارية العامة، والخاصة, هي التي أدت إلى ارتطامهم بالنظام النازي, وإلى إبادة أعداد كبيرة منهم, من خلال الإبادة بالتجويع والسخرة والتهجير والإبادة من خلال التصفية الجسدية.

توظيــف الإبـــــادة

تتسم المجتمعات الغربية الحديثة, بمقدرتها الفائقة على توظيف كل شـيء، دون أي اعتبار لقداسة أو محرمات، ويحدث الشيء نفسه بالنسبة للإبادة, وتبدأ عمـلية توظـيف الإبادة من قبل الصهيونية, بمحاولتهم فرض معنى صهيوني ضيق علىها, باعتبارهـا جريمة العصـر, التي ارتكبها الألمان, والأغيار ضد اليهود فقط, ثم تعطي واقعة الإبادة, مكانة محورية في تاريخ أوربا, وتاريخ العالم, ولذا صدرت عشرات الأفلام, والدراسات والأعمال الفنية, لحفر الإبادة في الذاكرة, باعتبارها واقعة حدثت لليهود وحدهم، لا باعتبارها جريمة أُرتكبت ضد قطاعـات كبيرة من البشر, وقد دخلت دراسة "الهولوكوست" عشرات الجامعات والكليات الأمريكية، وأُقيمت نصب تذكارية للإبادة بالعبرية والإنجليزية في واشنطن ونيويورك ولوس أنجلوس وغيرها, وأنشأت الحكومة الأمريكية المجلس الأمريكي للتذكير بالإبادة، وتم إنشاء متحف تخلد فيه ذكرى الإبادة النازية في واشنطن, بجوار المتاحف القومية الأمريكية, وباسم الإبادة حاولت المؤسسة الصهيونية التدخل (دون نجاح كبير), في انتخابات الرئاسة في النمسا عام 1986م، واعترضت بشدة (دون نجاح مرة أخرى), على زيارة الرئيس الأمريكي "ريجان" لمقبرة "بتبرج" الألمانية التذكارية, لمجرد أن بعض المدفونين فيها, من رجال قوات الصاعقة النازية.
ومن أهم أشكال توظيف الإبادة, لصالح الصهيونية, هو استخدامها كسحابة كثيفة, لتبرير الفظائع التي ارتكبتها وترتكبها الدولة الصهوينة ضد الشعب الفلسطيني, كما توظَّف الإبادة في جمع التعويضات, التي تمول الكيان الاستيطاني الصهيوني (بلغ حجم التعويضات الألمانية وحدها 70 بليوناً من الدولارات في 35 عاماً), ومن المعروف أن هذه التعويضات التي تلقتها الدولة الصهيونية, انعشت الاقتصـاد الإسـرائيلي، ومكنت الدولة الصهيونية, من شراء مزيد من الأسلحة وبناء الكثير من المستوطنات .
والتعويضات تعني، في واقع الأمر، حصول إسرائيل (وبعض أعضاء الجماعات اليهودية), على مقابل مالي تعويضاً عن الآلام التي لحقت بهم, وهذا يخفف من البعد الأخلاقي للقضية، إن لم يكن يلغيه, ففي موقف مماثل رفضت الصين, أن تتقاضى تعويضات مالية من اليابان, على جرائمها ضد الصينيين, باعتبار أن قبول التعويضات فيه تنازل عن الحق الأدبي، وفيه تخل عن المنظور الأخلاقي, حيث تتحول القضية إلى ما يشبه المقايضة.
ومن الواضح أن عملية توظيف الإبادة, تتم من منظور نفعي مادي انتقائي محض، لا علاقة له بالقيم الأخلاقية, وفي هذا الإطار, يثير بعض الدارسين قضية علاقة الدولة الصهيونية, مع بعض الشخصيات والدول, التي كانت لها علاقة بالنظام النازي, إذ لا تمانع إسرائيل البتة, في توثيق علاقتها مع بعض حكومات دول أمريكا اللاتينية, التي تأوي مجرمي الحرب النازيين (الذين تزعم إسرائيل أنها تطاردهم في كل زمان ومكان), وقد تعاونت إسرائيل مع حكومة جنوب أفريقيا العنصرية, التي كانت معروفة بتعاطفها الكامل مع النظام النازي, وقامت باستضافة رئيس وزراء جنوب أفريقيا السابق "بلثازا فورستر"، وهو جنرال سابق في الحركة الوطنية في جنوب أفريقيا, الموالية للنازية, والتي كانت تقاوم المجهود الحربي للحلفاء، وقد اعتقل لمدة عشرين شهراً, بسبب اشتراكه في المقاومة, ورغم مرور عشرات السنين, إلا أنه لم ينكر موقفه الموالي للنازية, وقد سمحت له الحكومة الصهيونية, بوضع إكليل من الزهور على ياد فاشيم (النصب التذكاري), المقام لضحايا الإبادة النازية لليهود، الأمر الذي دفع جريدة الجيروساليم بوست (الصهيونية), إلى الاحتجاج, وإلى الإشارة إلى الحقيقة البديهية, التي تجاهلتها إسرائيل, وهي أن اليهود ينبغي عليهم, ألا يرتبطوا بأحد المؤيدين السابقين للنازية.
وفي مجال توظيف الإبادة, تلجأ الصهيونية لاختلاق القصص, أو تزييف الحقائق, كما حدث في حادثة "آن فرانك" (1929 ـ 1945)، وهي فتاة ألمانية هاجرت إلى هولندا, مع أسرتها بعد وصول هتلر إلى السلطة في عام 1933م, وحينما قرر النازيون, إرسال أختها إلى معسكرات العمل، اضطرت هي وأسرتها إلى الاختباء، فعاشوا في مخبئهم ما يزيد على عام، ثم أُلقي القبض عليهم, ورحلوا إلى معسكرات الاعتقال, حيث لقيت آن وأختها حتفهما, بسبب المرض, ويقال إن آن "فرانك" كتبت، أثناء فترة اختبائها، مذكراتها التي نشرت بعد الحرب, وتُرجمت إلى الإنجليزية, وهناك الكثير من الشكوك التي تحيط بهذه المذكرات, إذ يُقال إنها لم تكتبها بنفسها, بل كتبها أبوها (أو بعـض من حوله), بعـد موتها بطريقة مثيرة, ليـحقق من ورائها ربحاً مالياً, ولهذا فهي لا تُعتبَر وثيقة تاريخية, يُعتد بها.
ومع أنها ليست ذات قيمة أدبية كبيرة، إلا أنها أصبحت مصدراً لعدة أفلام ومسرحيات, كما غدت "آن فرانك" إحدى الأساطير, التي تستخدَم لتحويل الإبادة النازية, من جريمة غربية, ضد قطاعات بشرية عديدة, تضم السـلاف والغـجر والجماعات اليهودية, إلى جريمة ألمانية ضـد اليهـود وحسب, وأصبح المنزل الذي اختبأت فيه أسرة" فرانك" متحفاً.
وتحاول الدعاية الصهيونية, توظيف واقعة الإبادة, في تعبئة أعضاء الجماعات اليهودية (باعتبارهم الضحية الوحيدة), وراء الأهداف الصهيونية, ولتحقيق هذا يحاول الصهاينة, أن يجعلوا من الإبادة, حجر الزاوية, الذي تستند إليه الوحدة بين يهود العالم في إسرائيل وخارجها, فالإبادة بعد فرض المعنى الصهيوني عليها، تنهض دليلاً على رفض العالم لليهود، وعلى أن الأغيار يتربصون دائماً بالضحية اليهودية, الذين يقدمون قرباناً على المحرقة, وهذا تأكيد للمقولة الصهيونية الخاصة, بأزلية معاداة الأغيار لليهـود وحتميتها، ومن ثم يتـعين على يهـود العالم الهجرة إلى الوطن القومي .
وتحاول الصهيونية تقديم قراءة كاملة, لما يسمونه "التاريخ اليهودي", بحيث تصبح الإبادة, أهم معلم فيه، فيقال "قبل الإبادة" و"بعد الإبادة"، تماماً مثل "قبل هدم الهيكل" و"بعد هدم الهيكل", ويشار للإبادة بأنها "حربان" وهي كلمة عبرية تستخدم للإشارة, إلى "هدم الهيكل", والإبادة هي إذن هدم الهيكل للمرة الثالثة، الأمر الذي يدخلها دورة التاريخ اليهودي المقدَس, بل يذهب بعض المفكرين الدينيين اليهود, إلى أن الإبادة غيرت من النسق الديني اليهودي ذاته, ولذا فإن من الضروري، حسب رأيهم، الحديث عن "لاهوت ما بعد أوشفيتس"، أو "لاهوت الإبادة" الذي يرى حادثة الإبادة, باعتبارها حادثة مطلقة لا يمكن فهمها، وهي أكثر الحوادث أهمية وقداسة، ويصبح الشعب اليهودي هو المسيح المصلوب, وينادي هؤلاء المفكرون, بحتمية أن تصبح الإبادة هي المرجعية الأساسية لليهود، ومن ثم ضرورة مناقشة مدى عدالة الرب، وهل هو رب خير أم شرير، وهل يتدخل في التاريخ بمنحه الغرض والغاية أم يترك التاريخ في حالة فوضى كاملة؟ ... و أن بقاء الشعب اليهودي, يصبح هو المطلق الوحيد, الذي يحجب سائر الاعتبارات الأخلاقية الأخرى .
وقد جعلت المؤسسة العسكرية, الخوف من الإبادة, أحد أسس الإستراتيجية الصهيونية، فقد أشار كل من "أبا إيبان" و"رابين" إلى حدود إسرائيل قبل عام 1967م, بأنها "حدود أوشفيتس", وهناك قدر كبير من الادعاء في هذه التشبيهات, وصل إلى قمته, حينما قال "مناحيم بيجين" أن "ياسر عرفات", حينما كان مُحاصَراً في بيروت, يشبه هتلر في مخبئه، فالقائد الفلسطيني المحاصر, والذي اغتُصبت أرض شعبه, يشبه القائد النازي المُحاصر, الذي جيش جيوشه, وأرسلها إلى الشعوب المجاورة, ليستولي على أراضيها, ويستعبدهم أو يبيد أعداداً منهم, وفي هذا تزييف كامل للحقائق، ولكن هذه هي عقلية العنصرية الفاشية, الذي يرى أنه عضو في الشعب المختار، ولذا فهو دائماً مضطهد، حتى حينما يقوم بتدمير الآخرين.
وقد نجحت الصهيونية, في ترسيخ واقعة الإبادة النازية, ليهود أوربا, في وجدان الأغلبية العظمى من الإسرائيليين, فالصحف لا تكف عن الكتابة عنها, وهناك يوم محدد لإحياء ذكرى الإبادة, يُسمى "يوم الذكرى (يوم هازكرون)" ويقع في يوم 4 ايار، أي قبل عيد الاستقلال, وهو اليوم الذي يحتفل فيه المستوطنون, بإنشاء الدولة الصهيونية, على أرض فلسطين بعد طرد سكانها منها, ويبدأ اليوم بإطلاق صفارة إنذار في كل أنحاء الدولة, في مغرب اليوم السابق, فتُنكس الأعلام، وتُغلَق دور اللهو, بأمر القانون، وتُقام الصلوات في المعابد اليهودية, وتُوقد الشموع فيها، كما تُعلن صفارات الإنذار في الصباح, عن دقيقـتين حـداداً, يتوقـف فيهما النشاط تماماً في الدولة الصهيونية بكاملها, ثم تُطلَق صفارة إنذار أخرى, للإعلان عن انتهاء اليوم, وبداية عيد الاستقلال, وقد لاحظ الفيلسوف الديني الإسرائيلي اليهودي "يشياهو لابيوفيتش", أن الاحتفال بيوم الذكرى, يزداد حدة عاماً بعد عام, لأن قائمة أسماء الضحايا تزداد يوماً بعد يوم, بل تؤكد بعض الأبحاث الإسرائيلية, أن شبح الكارثة لا يزال منعكساً وجاثماً على عقل الإسرائيليين, من الجيل الثاني ويرى واحد وستون بالمائة من الإسرائيليين, أن الكارثة كانت عنصراً أساسياً, من عناصر قيام الدولة الإسرائيلية, والمسوغ الأساسي له, ويعتقد اثنان وستون بالمائة, أن قيام الدولة الإسرائيلية, يمنع حدوث كارثة مماثلة في المستقبل.
ومما لا شك فيه, أن الإحساس بخطر الإبادة, إحساس حقيقي, متجذر في الوجدان الإسرائيلي, ولكننا نذهب إلى أن أساسه الحقيقي, ليس خطر الإبادة على يد النازيين، وإنما هو الطبيعة الاستيطانية للتجمع الصهيوني, الذي لم يضرب بجذوره في المنطقة، وبخاصة أن أصحاب الأرض الأصليين لم تتم إبادتهم، بل لم يكفوا عن المقاومة، الأمر الذي يخلق عند الإسرائيليين, ما يسمى "عقدة الشرعية", والخوف الدائم, من عودة صاحب الأرض, الذي يؤكد حضوره كذبهم (أرض بلا شعب).
وقد لاحظ بعض التربويين, أن هذا التركيز على فكرة الإبادة، كفكرة رئيسية في وجدان أعضاء الجماعات اليهودية, داخل وخارج إسرائيل، يسبب لهم مشاكل نفسية عميقة، إذ لا يمكن أن يعيش الإنسان حياة نفسية سوية، وسط بلاد العالم أو بين أحد الشعوب، وهو يعتقد أنهم قد يبيدونه تماماً في أية لحظة, وأنه الضحية الوحيدة, ولذا بدأت ترتفع أصوات للتحذير من خطورة هذا الاتجاه, ولكن الصهيونية عقيدة تستند شرعيتها إلى الكوارث, التي حاقت باليهود في الماضي, والتي قد تحيق بهم في المستقبل، ومن ثم فإن أية رؤية أخرى للتاريخ تسحب هذه الشرعية منها, وعلى هذا، فليس من المتوقع أن يتغير هذا الاتجاه في القريب.

احتكــار الإبــادة

تحاول الصهيونية احتكار دور الضحية لليهود وحدهم, دون غيرهم من الجماعات أو الأقليات أو الشعوب، بحيث تُصور الإبادة النازية, باعتبارها جريمة موجهة ضد اليهود وحدهم, ولهذا يرفض الصهاينة والمدافعون عن الموقف الصهيوني, أية محاولة لرؤية الإبادة النازية, باعتبارها تعبيراً عن نمط تاريخي عام, يتجاوز الحالة النازية, والحالة اليهودية, كما يرفض الصهاينة تماماً, محاولة مقارنة ما حدث لليهود, على يد النازيين, بما حدث للغجر أو البولنديين على سبيل المثال، أو بما حدث لسكان أمريكا الأصليين, على يد الإنسان الأبيض, أو ما يحدث للفلسطينيين على أيديهم.
وتثبت الدراسات التاريخية, أن الإبادة النازية, لم تكن موجهة ضد اليهود وحسب، فعدد ضحايا الحرب العـالمية الثانية, من جميع الشعوب الأوربية, يتراوح ما بين خمسة وثلاثين وخمسين مليوناً, وأظهر معرض لحكومة بولندا, كان يطوف أمريكا عام 1986م, أن أكبر في معسكرات الاعتقال هو "أوشفيتس", كان التركيز النازي أساساً على البولنديين والاشتراكيين واليهود والغجر بهذا الترتيب, لتفريغ بولندا جزئياً وتوطين الألمان فيها.
وتوحي الأدبيات الصهيونية, بأن العالم كله تجاهل اليهود, وتركهم يلاقون حتفهم ومصيرهم وحدهم, ولكن من الواضح أن المسألة لم تكن كذلك, فصحيح أن بعض الشعوب ساعدت النازيين، كما حدث في النمسا، ولكن البعض الآخر ساعد اليهود, وآواهم كما حدث في بلغاريا (خصوصاً بين أعضاء الجماعة الإسلامية), وفي الدنمارك وفنلندا ورومانيا وإيطاليا وهولندا, وفي فرنسا تم تسليم خمسة وسبعين ألف يهودي للقوات النازية، ولكن تم في الوقت نفسه،حماية أضعاف هذا العدد, كما رفض السلطان "محمد الخامس" تطبيق القوانين النازية, على يهود المغرب, رغم مطالبة حكومة فيشي الفرنسية بذلك, ولا يمكن أيضاً تجاهل جهود الحكومة السوفيتية, في نقل مئات الآلاف من اليهود, بعيداً عن المناطق التي احتلها النازيون, وتتجاهل التواريخ الصهيونية, كل هذا تماماً, مثلما تتجاهل العلاقة الفكرية والفعلية, بين النازية والصهيونية والزعامات الصهيونية التي تعاونت مع النازية.
هناك من يتحدى هذا الاحتكار الصهيوني للإبادة، وقد بدأت الكنيسة الكاثوليكية المواجهة, حين قامت بتنصيب الأخت "تريزا بنديكتا" قديسةً, والأخت "تريزا" هي "إيديث شتاين" سكرتيرة الفيلسوف الألماني "مارتن هايدجر"، وكانت يهودية, وعندما قرأت قصة حياة القديسة "تريزا", شعرت بإحساس ديني غامر, وتنصرت ثم ترهبنت، وقام النازيون باعتقالها وقتلها, ويُصر الصهاينة على أن سبب قتلها هو كونها يهودية, بينما ترى الكنيسة أنها راهبة كاثوليكية, استُشهدت من أجل عقيدتها, والحادثة الثانية هي الخاصة بدير الراهبات "الكرمليات" في "أوشفيتس"، الذي طالب اليهود بإزالته, وتمسكت المؤسسة الكاثوليكية في بولندا بالإبقاء عليه, وقد قامت معركة إعلامية ساخنة بين الطرفين, وكتب "باتريك بيوكانان" (الصحفي والمرشح الجمهوري في انتخابات الرئاسة الأمريكية) خير احتجاج, على هذا الموقف في مقال بعنوان "الكاثوليك ليـسوا بحاجة إلى محاضرات في الأخلاق من سـفاح عصابة شـتيرن السـابق" جـاء فيه:
"وفي متحف المذبحة النازية، هناك ثلاثة ملايين يهودي بولندي, سيظلون في الذاكرة، ولكن ماذا عن ثلاثة ملايين تقريباً من الأوكرانيين والصرب والليتوانيين والمجريين واللاتفيين والإستونيين، نحروا في ساحات القتل, على أيدي الوثنيين العنصريين في برلين, فــإذا كـانت ذكــرى الضبـاط اليهــود الذيـن ماتــوا إلى جـانب إخــوانهم الكاثوليك في كاتين قد خُلدت بنجمة داود، فلمـاذا لا يتم تخليد ذكرى المليون كاثوليكي الذين أفنُوا في أوشفيتس بصليب؟ وإذا كان التذكار حيوياً، فلماذا يُستثنى المسيحيون؟".
الإبادة لم تكن موجهة ضد اليهود وحسب، وإنما ضد سائر العناصر التي اعتبرت، من منظور النازية غير نافعة، ولو انتصرت قوات "روميل" في "العلمين", لامتدت آلة الفتك النازية, إلى أعراق يعتبرها النازيون متدنية (مثل العرب), ومن ثم فإن احتكار الصهاينة واقعة الإبادة, ليس له ما يبرره في الواقع التاريخي.

عدد ضحايا الإبادة النازية ليهـود أوربا

يرد في وسائل الإعلام الغربية, رقم "ستة ملايين", باعتباره عدد ضحايا الإبادة النازية لليهود, وقد استقر الرقم تماماً, حتى أصبح من البدهيات، ولكن هناك رفضاً مبدئياً للرقم, في الأوساط العلمية اليهودية وغير اليهودية, فعلى سبيل المثال قام "راؤول هيلبرج" في كتابه تدمير يهود أوربا (1985) بتخفيض العدد من ستة إلى خمسة ملايين, وذكر "سيسيل روث" في موسوعته اليهودية، أن "الهولوكوست" نفذ بطريقة يصعب معها التحقق من دقة الأرقام، وأن العدد يتراوح بين أربعة ملايين ونصف المليون وستة ملايين يهودي, ويميل المؤرخ الأمريكي اليهودي(صهيوني النزعـة) "هوارد ساخار" إلى الأخذ برقم أربعة ملايين ونصف مليون, وهناك من الأدلة الإحصـائية, ما يرجح الأخذ برأي "ساخار"، ومؤخراً ذكر المؤرخ الإسرائيلي "يهودا باور"، مدير قسم دراسات "الهولوكوست" في معهد دراسات اليهود في العصر الحديث, التابع للجامعة العبرية، أن الرقم ستة ملايين لا أساس له من الصحة، وأن الرقم الحقيقي أقل من ذلك, وبينت بحوث المؤرخ الفرنسي "جورج ويلير" أن العدد الإجمالي, لمن أبيدوا في "أوشفيتس" من اليهود وغير اليهود, ليس أربعة ملايين, وإنما هو 1.6 مليون وحسب، وأن هؤلاء لم يقضوا حتفهم من خلال أفران الغاز وحسب, وإنما أيضاً بسبب الجوع والمرض, والموت أثناء التعذيب والانتحار, ومما يجدر ذكره أن من يتبنون رقم ستة ملايين وغيره, من الأرقام لا يشيرون من قريب أو بعيد, إلى ظاهرة تناقص اليهود من خلال عوامل طبيعية, مثل الزواج المختلط, وسوء التغذية والغازات والأوبئة, التي تتزايد بسبب ظروف الحرب.
وبغض النظر عن الرقم مليون أو الأربعة أو الستة ملايين، فإن ثمة خللاً أساسياً في المنطق الصهيوني, يمكن تلخيص بعض جوانبه فيما يلي:

1 ـ التركيز على اليهود بالذات, دون الجماعات الأخرى, فمع أن اليهود عانوا، مثلهم في ذلك مثل غيرهم من ضحايا النازية، إلا أن سياسة هتلر في الإبادة, كانت موجهة أيضاً نحو الغجر والكاثوليك والمعارضين السياسيين والمرضى والمتخلفين عقلياً والسلاف عامة والبولنديين والروس على وجه الخصـوص, وقد بلغ عـدد ضحـايا الحرب ما بين خمسـة وثلاثين مليوناً وخمسين مليون، وخسر الاتحاد السوفيتي في الحرب العالمية الثانية, ما بين سبعة عشر وعشرين مليوناً, بين مدنيين وعسكريين، وخسر البولنديون نحو خمسة ملايين بعضهم من اليهود, وخسر الصينيون ما يزيد على عشرة ملايين, ماتوا جوعاً أو قتلاً على يد الاحتلال الياباني.
2 ـ التركيز على المدنيين دون العسكريين, ومع ذلك، فإنه من بين العشرين مليون سوفيتي, الذين قتلوا في الحرب، كان هناك أربعة ملايين ونصف مليون مدني, والباقون من العسكريين، ناهيك عن عدة ملايين من الألمان, أرسلهم هتلر للموت في ساحة القتال, كما كان هناك كثيرون من جنود الحلفاء, ضمن من قتلوا في الحرب, ويجب ألا ننسى الجنود من الأفارقة والآسيويين الذين جنـدوا رغـم أنفهم، ليشتركوا في حروب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، حيث كانوا يوضعون في الصفوف الأمامية, باعتبارهم مادة بشرية رخيصة.
3 ـ التركيز على الماضي دون الحاضر، وعلى ملايين اليهود الذين هلكوا قـبل نحـو نصـف قرن، دون اهتمـام مماثل بالملايين التي أُبيدت بعد ذلك, فقد فقدت "كمبوتشيا" منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية, نحو مليوني شخص، وفَقَدت الجزائر أكثر من مليون ونصف المليون إنسان، وفقدت أفغانستان منذ عام 1978م أكثر من مليون قتيل، فضلاً عن مليوني مهاجر داخل البلد, وخمسة ملايين مهاجر إلى خارجها, حتى صاروا يمثلون نصف مجموع اللاجئين في العالم.
4 ـ وهناك، بطبيعة الحال مشكلة ملايين الفلسطينيين, الذين طردوا من ديارهم, والذين يخضعون لظروف إرهابية شبه دائمة.

لكن التشكيك في مدى دقة الرقم (الستة ملايين), لا يعني بحال من الأحوال التشكيك في الجريمة النازية ذاتها، فالجريمة النازية, هي إحدى جرائم الإمبريالية الغربية والهدف من مناقشة هذه الإشكالية, هو تصحيح الرقـم, ووضع الإبادة في سياق إنساني عام, ومنظور تاريخي شامل، بحيث نُحدد هويتها, باعتبارها جريمة غربية محددة, ضد قطاعات بشرية عديدة, بدلاً من أن تكون جريمة ألمانية ضيقة, أو جريمة عـالمية غير محـددة ضـد اليهود فقط،, لإنقاذ واقعة الإبادة, من سخافات الإعلام الغربي والصهيوني، ولعبة الأرقام الطفولية, التي تخبئ الأبعاد التاريخية والأخلاقية والإنسانية للواقعة.

ملاحظة
مقالة سابقة عن توظيف الإبادة في إغتصاب فلسطين
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=274683
مقالة سابقة عن التعاون النازي الصهيوني
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=271010







إطلاق البث التجريبي لقناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
واقع المرأة في المشرق والمهجرمقابلة مع د. إلهام مانع
في الثامن من مارس لانريد وردا ولامدحا - مقابلة مع د.امال قرامي


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,248,809,030
- معاداة اليهود (2-4)
- معاداة اليهود (1-4)
- -وعد بلفور-.. العقد الإمبريالي الصهيوني
- مقتل القذافي بين اللاشعور والمؤامرة
- المطلق والنسبي في التاريخ التوراتي
- مخاطر التطبيع مع إسرائيل
- التاريخ اليهودي
- الصهيونية المسيحية (2 - 2)
- الدولة المدنية والقوميات بين الواقع والطموح
- الصهيونية المسيحية (1-2)
- لماذا نرفض يهودية إسرائيل
- الصهيونية (34) .. الدور الوظيفي الجديد
- الصهيونية (33) .. الدعاية المراوغة
- الصهيونية (32) .. إسرائيل العظمى إقتصاديا
- الصهيونية (31) .. المفهوم الصهيوني - الإسرائيلي للسلام
- الصهيونية (30) .. عسكرة المجتمع الإسرائيلي
- الصهيونية (29) .. نظرية الأمن الإسرائيلية (2)
- الصهيونية (28) .. نظرية الأمن الإسرائيلية (1)
- الصهيونية (27) .. الديموقراطية الإسرائيلية
- الصهيونية (26)..الإرهاب الصهيوني من عام 1967م وحتى إعلان الم ...


المزيد.....




- الحبتور: لبنان يمر بأسوأ الظروف في تاريخه والسبب حزب الله
- واشنطن تمنح الراغبين بدخول البلاد فرصة جديدة بعد رفضهم في -ع ...
- كاراكاس- باراباس: جو بايدن لن يتخلى عن الضغط على فنزويلا
- أمريكا: يمكن لمن رفضت طلباتهم للحصول على تأشيرات بسبب قرار ت ...
- فتاة لم تقص شعرها منذ 15 عاما...صور
- التحالف العربي يعلن عن اعتراض طائرة مسيرة أطلقها الحوثيون نح ...
- بايدن يلغي قرار ترامب بشأن إعفاء رجل أعمال إسرائيلي أهدر ملي ...
- أمير سعودي يرد على تغريدة لسفارة أمريكا بالرياض تدين فيها هج ...
- هل يمكن للفيزياء إثبات وجود إله؟
- 100 ألف وفاة كل 35 يوما.. كورونا تحصد أرواح 700 ألف شخص في أ ...


المزيد.....

- تشكُّل العربية وحركات الإعراب / محمد علي عبد الجليل
- (ما لا تقوله كتب الاقتصاد) تحرير: د.غادة موسى، أستاذ العلوم ... / محمد عادل زكى
- حقيقة بنات النبى محمد / هشام حتاته
- كيف ومتى ظهرت العربية بصورتها الحالية / عزيزو عبد الرحمان
- الحلقة المفرغة لتداول السلطة في بلدان الوطن العربي و العالم ... / محمد عبد الشفيع عيسى
- دور الزمن في تكوين القيمة / محمد عادل زكى
- مستقبل اللغات / صلاح الدين محسن
- ألدكتور إميل توما وتاريخ الشعوب العربية -توطيد العلاقات الاج ... / سعيد مضيه
- نقد الاقتصاد السياسي، الطبعة السادسة / محمد عادل زكى
- التاريخ المقارن / محسن ريري


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - خالد أبو شرخ - معاداة اليهود (3-4) .. الهولوكوست