أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - خالد صبيح - أصوليتان تتصارعان ضحيتهما التاريخ















المزيد.....


أصوليتان تتصارعان ضحيتهما التاريخ


خالد صبيح

الحوار المتمدن-العدد: 3546 - 2011 / 11 / 14 - 01:00
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    



تشترك الأصوليات عموما، والدينية منها بشكل خاص، فيما بينها بالكثير من الطروحات والرؤى والمواقف حد التطابق في الكثير من الأحيان، رغم أنها تختلف في الظاهر عن بعضها البعض وتتعارض.

وتزداد مشتركات الأصوليين كلما تجاوروا على أرضية اجتماعية وثقافية ووطنية واحدة تضطرم فيها الصراعات وتحتدم بالتناقضات. ومشتركات الأصوليين هي مشتركات في الرؤية ومنهاج النظر لوقائع الحياة بكل تشعباتها وتنوعها، وكذلك للتاريخ وللأفق السياسي للمجتمع. بمعنى آخر إنهم ينطلقون في تفكيرهم وتأويلهم للواقع من بنية عقلية واحدة.

عندنا في مجتمعاتنا العربية تحيا، بتصارع، وأحيانا بتعايش، أصوليات عديدة، أهمها الأصولية الدينية بحكم التنوع الديني لبعض المجتمعات العربية مثل مصر والعراق وسوية ولبنان ..الخ. تصاحبها وتتلازم معها، بعض الأحيان، أصولية أخرى، قومية واثنيه، مع التعدد الديني أو بدونه كما في مجتمعات أخرى يكون تعددها قومي واثني فقط.

الملفت أن الصراع الديني الأصولي، بين المسلمين والمسيحيين، وهو ماسيُركز عليه هنا، لايدور بين النخب بصورة مباشرة، بحكم أن للنخب أوضاعها التي تجعلها تتحفظ على الخوض في هذا الصراع علانية ومباشرة، وإنما يدار عبر وسطاء، لذا أُوكلت هذه المهمة لمتطوعين جعلوا من مسالة الصراع بين الدينين محور اهتمامهم ونشاطهم. مااريد قوله إن ابتعاد النخب عن هذا الصراع في العلن لايعني براءتها وعدم تورطها فيه.

كثيرون لايشغلهم هذا الصراع، ربما لأنه عندهم ليس سوى صراع ديكة غير مسل، لكنهم يعرفون انه موجود وسيبقى طالما بقيت الأديان، غير أن مايهم هو إبعاد تأثيرات هذا الصراع وضجيجه عن وعي عامة الناس لكي لايشغلها عن أولوياتها ويحرف وعيها عن جوهر وحقيقة صراعها الاجتماعي. وما يدفع لتناول هذا الصراع هنا هو كونه يدور داخل منبر علماني وعقلاني _ الحوار المتمدن ـ يفترض في انه يعلي من قيم العقلانية والتمدن، وأيضا لان أطراف الصراع، الديني الأصولي، لاسيما المسيحي، تريد التغطي بهذا المنبر، وبإلباس منطلقاتها الأصولية لبوس التنوير والعقلانية، لتخفي حقيقة أن ماتقوم به هو في حقيقته جهد صريح للتبشير الديني.
ينبغي التنبيه هنا إلى أن هناك فارقا مهما بين الدفاع عن حقوق أقلية دينية معينة ( مع إني أتحفظ بشدة على مفهوم الأقلية، لان الوطن المعافى، برأيي، يتشكل من مواطنين أحرار وليس من ملل)،ـ في سياق هم وطني عام ومشترك؛ وبين الانغمار في صراع ديني إقصائي بطبيعته.

ليس هناك من بين ماهو منشور، على صفحات الحوار المتمدن بشكل خاص، لا نصا محددا ولا كاتبا بعينه، يمكن اتخاذه نموذجا للارتكاز عليه والاستشهاد بكلامه لمتابعة الأفكار التي أريد الحديث عنها هنا، لكن تلك الأفكار والآراء، يغثها الكثير، مبثوثة في نصوص عديدة وفي كم كبير من التعليقات التي عبرت بصورة صريحة، وان تباينت في المستوى، عن أساسيات فكرتها الأصولية. وعلى العموم إن ما اكتبه هنا هو انطباعات وتأملات وليس دراسة... وتجدر الإشارة هنا إلى أن الكثير من النصوص المبثوثة هنا وهناك لم تعبر عن دعواها التبشيرية المسيحية مباشرة، وإنما اتخذت أسلوب (نفي ضد عكسي) بمعنى أنها ركزت على ماتعتبره سيئات عقائدية وسلوكية لدى المسلمين ونبيهم، لإثبات عكسها، بطريقة مضمرة، في البديل المقترح ضمنيا، أي في الديانة المسيحية فاعتمدت إشارات تستدعي ضدها في المخيلة، مثل:
عنف/ سلام. كراهية/ محبة. تخلف/ مدنية. أصالة/ زيف. شهوانية وفحولة/ لا اعرف في الحقيقة ماهو مضادها عندهم!.

أخذ الصراع منذ البداية طابعا هجوميا من قبل المسيحانيين، ومنحى دفاعيا تبريريا من بعض الإسلاميين. وقد اتبع الجانب المسيحي في هذا الجدل لغة عدوانية تحقيرية ومهينة انتهكت مقدس المسلمين بفظاظة، فيما لم يجرؤ المسلمون على إتيان ذات الشيء، والسبب يعود، بتقديري، إلى أن المسلمين يحترمون، حسب عقيدتهم، مقدس المسيحيين، لهذا فهم قد امتنعوا عن إهانة وتجريح الشخصيات المقدسة لدى خصومهم ،مثل عيسى وأمه مريم. واستطرادا أقول: إن هذا الوضع يذكر بأساليب الصراع السني – الشيعي، حيث يستسهل الشيعة المس بشخصيات الصحابة المقدسين لدى السنة، فيما لايستطيع هؤلاء فعل ذات الشيء مع خصومهم، لأنهم يقدسون أيضا مايقدسه غرمائهم. وهذا يجعل شروط الصراع (ألشتائمي) غير متكافئة. لكن هذا شان آخر.

ركز المسيحانيون في هجومهم على المسلمين على شخص نبي الإسلام محمد بهدف واحد وحيد هو نفي النبوة عنه. وهذا أهم دليل على نفي العقلانية والتنويرية التي حاول هؤلاء أن يتلفعوا بها في (نقدهم)، أو قل هجومهم، على المسلمين. لان أي متتبع يعرف أن العقلاني لاتشغله مسالة إثبات نبوة نبي ونفيها عن آخر، ففي المنطق العقلاني، كما افهم، شيئان؛ إما توجد نبوة أو لا توجد. فحينما تنفى نبوة محمد، أو أي نبي آخر، ينبغي منطقيا نفى النبوة عن أي نبي آخر. وهكذا. وفي هذا يكمن الفارق الجوهري بين منطق عقلاني، يرى أن للأديان بنية عقلية ومنطقية مشتركة تجمعها، وبالتالي تمكن من نقدها جميعا من هذا المنطلق، وبين دعوة دينية تبشيرية تريد نفي نبوة لإثبات أخرى.

وُصِف محمد في هذه الهجمات بأنه؛ لص، ودعي، وكذاب، وجاهل، وعنيف، وشبق وغيرها من الصفات والشتائم. ووصف قومه بأنهم متخلفون وصحراويون همج لايعرفون في الحياة غير منهج الغزو والنهب لخيرات شعوب رفيعة وذات حضارة وعقائد سامية مسالمة وخيرة.. الخ.

وكان الانشغال الثاني لهذا ( النقد) قد صب في محاولة إثبات إن كل مشاكل العقل الإسلامي والإنسان المسلم عبر التاريخ تكمن في مصدر واحد هو موروثه النصي؛ القرآن والسّنة.

وفي مناقشة هذا أقول: ليس هناك وفق المنطق الجدلي، الذي أثبتت وقائع الحياة جدارته، لا فكرة ولا عقيدة ولا مذهب أو مفهوم لايخضع لحركة التاريخ وتغيرات الواقع. ليس هناك نصا أو قيما خالدة تتخطى الزمان والمكان. كل شيء يخضع للتبدل بحسب تبدل ظروفه المحيطة والزمن الذي يوجد فيه. ويكتسب كذلك كل مفهوم أو نص أو عقيدة مفاعيل جديدة ويشحن بمعان مغايرة حسب معطيات اللحظة التاريخية التي يفعل بها. ورغم أن للأفكار العظيمة قيمة كبرى، مؤثرة في مسار التاريخ وحياة الناس، مما يضفي عليها أحيانا هالات وهمية تجعلها تبدو وكأنها فوق تاريخية، إلا أن الواقع المادي، أي الظروف الاجتماعية؛ من مستويات تطور، اقتصادية وتقنية، وكذلك مستوى التطور الحضري، وكل المؤثرات الأخرى، البيئية والثقافية مجتمعة، وفي نطاق حركة مستمرة ومتبدلة. هي من يصنع تاريخ الإنسان وكيانه الاجتماعي. وليس النص ولا العقيدة، رغم ماقد يؤديانه من دور مؤثر، يمكنهما أن ينتجا ظاهرة مادية اجتماعية أو حضارية. فحياة الناس وحركة التاريخ لاتصنعها النصوص أو العقائد.
عليه، لم تتطور أوربا لأنها مسيحية، بل لأنها أخذت بالعقل وبالعلم كمصدر لمعارفها ولطرق فهمها للكون وللحياة وللإنسان، ولم تصل إلى ماوصلت إليه إلا بعدما سحبت من الدين، وكل الغيبيات الأخرى، في سياق صراع طويل ومرير، القدرة على التحكم في وعي المجتمع أو مؤسساته. وهاهي اليابان في عالمنا الحديث قد وصلت مديات متقدمة جدا في التطور، وهذه الصين في صعود حثيث نحو التطور بدون المسيحية، وكذلك فعلت الهند، رغم الفقر، وأكثريتها الهندوسية. وهذه أمريكا اللاتينية ترزح اغلب بلدانها في حمأة التخلف رغم أنها أكثر كاثوليكية من الفاتيكان، ولم يعق الإسلام سنغافورة ولا ماليزيا من الانتظام في طابور التطور والنمو ، ولم يعرقل الإسلام ،ولا الانتماء العربي، مصر محمد علي من الإقدام على مشروع نهضوي واسع، بينما لم يشفع لا الإسلام ولا المسيحية ولا حتى الوثنية لأفريقيا.

لايمكننا أن ننفي دور العقائد والأفكار أو النصوص من التأثير في مسار المجتمعات نفيا قاطعا. إلا انه ينبغي علينا أن نفهم أن هذه العقائد والأفكار والنصوص تخضع لمؤثرات البيئة التي تنوجد فيها. لهذا فان مسيحية أوربا هي غير مسيحية إفريقيا ولا مسيحية تلك هي نفسها مسيحية أمريكا اللاتينية ولا هذه هي ذاتها مسيحية العرب. وهكذا هو الوضع في الإسلام، وكذلك الشيوعية والماركسية والوجودية، وأي مذهب فكري أو منتج ثقافي آخر، لايمكن له، وفق منطق التاريخ، أن يبقى على صورته الأصلية، ويقدم ذات النتائج في كل زمان وكل مكان. لاسيما في زمننا العولمي ذي الحداثة الشمولية. حيث اكتسبت الحداثة فيه بعدا شموليا كونيا تصل آثاره وتردداته إلى كل بقعة على هذه الأرض، ولها مفاعيلها التي تفرضها حتى على من يرفضها، وما الاعتراضات عليها وردود الفعل ضد مفاعيلها ومنتجاتها إلا حشرجات موت لمن يريد أن يقف ضد حركتها.

حسب ماتقدم ليس هناك مسيحية واحدة و لا إسلام واحد ولا ماركسية واحدة وهكذا. فكل شيء سيتضمخ، شاء أم أبى، بعطر منتجات عصره العقلية والمادية.
غير ان الأصوليين المسيحيين، في إصرارهم على اعتبار النص القرآني والحديث النبوي هما مصدر البلاء، يلتقون لقاء (عشاق) مع خصومهم الأصوليين الإسلاميين الذين يصرون بدورهم، ولكن بنوايا وأهداف أخرى، على أن النص ـ كما يفهمونه طبعا ـ هو صحيح الدين. وهكذا، وبدون وعي أو قصد، يعزز الطرفان موقفهما الغيبي الساكن المشترك ويدعمان مواقع بعضهما البعض. فالإسلاميون يريدون أن يبقى النص القرآني هو هو، مقدسا، وغير متأثر لا بالزمن ولا في حركة الحياة، وانه الخير كله، وعليه ليس هناك ضرورة، ولا حتى استعداد لإعادة النظر فيه والعمل بالتالي على تكييفه مع متطلبات الحياة الجديدة والمختلفة عن سياقات نشأته وتطوره. وعلى ذات الشيء يصر المسيحانيون معتبرين إن مفاعيل النص لاتزال باقية، وتعطي نفس النتائج، وتغطي نفس الأهداف التي أتى بها ومن اجلها، وانه قادر على أن ينتج الظواهر نفسها، وأيضا والاهم ، انه شر كله. وكلا الطرفين يتقاسمان، في النظر إلى الإسلام، موقفا واحدا؛ ميتافيزيقي سكوني ولا تاريخي. ينظر إلى العقيدة، والى النصوص، بمنظار خارق، ويعطيهما دورا مقررا في الوعي، ويضفي على بنيتهما هالة من الخلود والأزلية لاتنسجم مع مايفترضه النظر العلمي من حركية وتحولات حتمية في الأشياء والظواهر لارتباطها بحركة التاريخ. والفارق الوحيد بين الاثنين هو أن المسيحانيين يأخذون واقعنا المعاصر، في الألفية الثالثة، بمنجزاته العلمية والعقلية والثقافية والأخلاقية، ويحاكمون به نصوص عقيدة المسلمين التي جاءت في ظروف تاريخية مختلفة، مجردين بذلك هذه العقيدة من شروط الزمان والمكان، مضفين عليها صفة الخلود الأبدي. بينما يجلب الإسلاميون العقيدة ونصوصها، بعد أن يجردوها من خصوصياتها، ومن سياقها التاريخي ليسقطوها على واقعنا المعاصر بكل منجزاته وحمولاته وهمومه بدعوى أن عقيدتهم تصلح لكل زمان ولكل مكان.

وهكذا بسبب هذه النظرة السكونية وغير العقلانية تنشب حرب نصوص. يدعّي المسيحانيون فيها أن النص الإسلامي هو الذي أنتج (وحشية) المسلمين وعدوانيتهم، ويأتون بسلة وفيرة من النصوص الداعمة، ويفاضلون بصورة مباشرة أو مضمرة بين دينهم( السمح، الرقيق) وبين دين( الهمج القتلة) المسلمين. وينبري لهم من الجهة الأخرى بعض الإسلاميين بإلقاء حفنة معتبرة من النصوص مأخوذة من مصادر المسيحيين تحض هي أيضا على العنف والقتل.

الطرفان يريدان تزييف وعينا بدفعنا للظن أن العنف مصدره نص ونزعة ذاتية، عرقية أو ثقافية، وهذ هو جوهر الطروحات العنصرية في كل مكان، حينما تحيل شرور معينة، افتراضية اغلب الأحيان، إلى مصادر ثاوية في ثقافة أو عرق مجموعة من الناس. بينما العنف، بمعناه الشامل وليس الفردي، هو ظاهرة تاريخية لها دوافعها وأسبابها، ولا يمكن أن تنفرد به مجموعة دون أخرى تتسم به وتمارسه طالما هي موجودة. فالعنف لايقع إذا لم تكن هناك أسباب محرضة، غير ثقافية أو عرقية، تدفع لارتكابه. والتاريخ مليء بشواهد دموية وعنيفة كان المسيحيون، رغم كل ادعاءات التسامح والمحبة، هم أبطالها. وقد ينبري لنا معترض بالقول أن ليس هناك نصوصا في كتب المسيحيين تحث على العنف والكراهية مثلما هو الأمر في الإسلام. وهذا الادعاء، رغم وجاهته، إلا انه يمكن لنا أن نجد له تفسيرا تاريخيا، خارج إطار الجواهر الثابت والمطلقات الدينية.

أكاد اجزم لو أن عيسى قد امتد به الزمن للتبشير بدعوته، ولو كانت رقعة اهتماماته الدعوية قد اتسعت مثلما حدث لمحمد لكان قد اضطر لتغيير الكثير من منطلقات مااتى به من تعاليم. فهو قد اعدم، كما مثبت في التاريخ، بعد بداية تبشيره بدعواه بسنتين أو ثلاث، وهذه فترة زمنية قصيرة بالتأكيد، لاتتيح لدعوة أن تنضج وتنمو وتتصدى لمعضلات واقع الحياة المحيطة بها. ولو نظرنا من ناحية ثانية إلى بدايات دعوة محمد، المعبر عنها في السور المكية، التي كانت تعبير تجريدي أولي عن منطلقات الدعوة العقلية، لوجدناها هي الأخرى قد حثت في الكثير من المواضع والمناسبات على المحبة والسلام وغيرها. ولم يحدث التحول في صياغات فكر الإسلام إلا بعد هجرة محمد وأصحابه إلى المدينة. حيث أخذت تتسع هناك رقعة الدعوة بعد ان امتد بها الزمن، ولهذا طرأت عليها تحولات عديدة أخذت صيغة التشريع المتصل بوقائع حياتية، وتصدت لمعضلات اجتماعية وسياسية وعرفية وثقافية وفكرية واخلاقية أملت، برأيي، هذا التحول في اتجاهات خطاب الإسلام. ولنقف هنا وقفة مع الخيال ونطرح تصورا افتراضيا ونقول: لو إن قريش قد نجحت في الخلاص من محمد بعد سنتين أو ثلاث سنوات من بدئه التبشير بدعوته، كيف كان سيكون عليه شكل الدعوة، وما ذا كان سيكون مصيرها وما هو نوع تعاليمها؟.

أضف إلى ذلك أن المسيحية، حينما تحولت، بعد قرون ثلاثة من انطلاقتها، إلى أيدلوجية توسعية للإمبراطورية الرومانية، كانت قد أخذت منحى صريحا في عنفه. وقد قضت روما على الوثنية في بلدان أوربا وضمتها إلى إمبراطوريتها بقوة السيف وبصليب عيسى.

وهذا الواقع يتفق تماما مع الطرح الذي قدمته أعلاه بأن العقائد والأفكار تتأثر بقوة بمن يحملها وبكيفية تصرفه بها، أي إنها لا تحمل صفات ومضامين مطلقة فوق تاريخية ملاصقة لها ومتضمنة فيها. وهذا نجد له أصداء حتى داخل النص الأدبي كوحدة خطاب فالنص الأدبي، شعر مسرحية رواية، حسب نظريات النقد الأدبي الحديث هو نص لانهائي ومفتوح لأنه لايمتلك سمات ومعان ثاوية وخالدة فيه. بل هو نص منفعل مع واقع تحولات البيئة التي يقرا فيها.

هذا فضلا عن ا ن أي عقيدة أو خطاب هما نتاج لبيئة محددة، يتفاعلان بها ومعها، ويكتسبان سمات( ليست خالدة) تلون بعض من خصائصها. لذا وجدت فروق بين الأديان وبين الأفكار والعقائد، وهي فروق ناتجة عن أوضاعها التاريخية وليس لطبيعة كامنة فيها أو في منتجيها. ناهيك عن أنها لن تؤدي نفس الدور ونفس الوظيفة على مدى الزمن.

وفي نفس المنطق يواصل المسيحانيون، بإصرار ملفت، التجاوز على منطق التاريخ حينما يصورون أن محمد، وبإرادة شخصية، ورغبة واعية منه، لشر كامن فيه وبقومه (الأشرار،الجياع، والمتخلفين) قد خطط، يحركه الحسد، للاستيلاء على ثروات أهل الخير والحضارة في الجوار. هذا الكلام ،ومعناه، وان جاء بدرجات متباينة من الجدية والسفه، يعبر في النهاية على إن قائليه قد تحدثوا، في الحقيقة، عن انفسم أكثر مما كانوا يتحدثون عن محمد وشعبه، فهم عبروا في هذا الكلام، ليس فقط على لا منطقيتهم ولا عقلانيتهم وحسب، وإنما بدرجة واسعة عن نزعة استعلائية وبنفس عنصري ـ ازدراء بشر( العرب أو البدو ) لهويتهم العرقية ـ ناهيك عن انه تعبير عن عواطف حقد وليس كلاما يمكن أن يصنف، ولو بغفلة من الوعي، كـ(نقد).

ومن جديد تلتقي الأصوليتان، المسيحية والإسلامية، مع بعضهما البعض، في لامنهجيتهما ولاعقلانيتهما حول هذه النقطة. فالإسلاميون، وبسبب من فهمهم الديني الميتافيزيقي للتاريخ، هم أيضا يتصورون أن اصطفاء( الله) لمحمد وللعرب هو السبب المحرك والمنتج لهذا الدين. وانه رسالة جاءت لهداية البشرية، وان تعاليمه تصلح لكل الناس، وفي كل الأزمنة.. والى آخر هذه الأطروحة غير العقلانية.

هذه الصورة، والمنطق العقلي الذي يقبع وراءها، هما أيضا نتاج نظرة لاتاريخية وميتافيزيقية تجترأ على منطق التاريخ حين تصور الظواهر التاريخية والأحداث والتحولات الكبيرة فيه على إنها انجاز فردي للشخوص الفاعلين فيها. ومع إن للأفراد دور لاينكر في صنع التاريخ، لكن الصانع الحقيقي لهذا التاريخ هو مجمل الظروف الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المحيطة بهذا الفرد. والفرد لاتحركه أو تتحكم بأنشطته نوايا ورغبات مزاجية وانية بقدر مايكون سلوكه ودوره استجابة معقدة ومتفاعلة مع معطيات ثقافته وبيئته وظرفه التاريخي الذي يشكله ويتشكل أو يتبلور بنشاطه هو أيضا.

والإسلام لايشذ عن ظواهر التاريخ الأخرى، لذا نجد أن السياق التاريخي الذي ظهر فيه الإسلام، وعلى العكس مما صوره (نقاده)، قد جسد استجابة عقلية، في صيغة دينية، لتحولات اجتماعية اقتصادية حضرية حدثت في شبه جزيرة العرب إبان ظهور محمد ودعوته ومهدت لها؛ وفرضت صيغة مختلفة للتنظيم الاجتماعي السائد آنذاك ـ اقتصاد البداوة المبعثر ذا النزوع المشاعي ـ استوجبت هذا الشكل من التعبير العقلي عنه. وهذا التحول في بنى مجتمع الجزيرة قد استند إلى مجموعة من المتغيرات في معاش الناس، وجاء بعد سلسلة متصلة من التطورات والتغيرات على ارض الواقع انتظم فيها عرب الجزيرة، لاسيما بجانبها الغربي ( مكة والحجاز) في نمط جديد للعلاقات الاجتماعية ارتكز على قاعدة نمو حواضر زراعية، ونشاط تجاري اخذ مدى خارج حدود الجزيرة، وارتبط باقتصادات ذات طابع اشمل (وقد صحبته بالضرورة تأثيرات سياسية وثقافية) رافقه نمو في صناعة*حرفية ( تعدين وغيره) مستقلة، أي قائمة بذاتها، مما يعني قدرتها على أن تأخذ دورا في الاقتصاد وعلاقات الإنتاج الجديدة النامية. كل هذا كان مترافقا، بحكم التطور وبتأثير الاتصال بالثقافات الأخرى أيضا، مع نمو وتحول في البنى العقلية التي كان الدين احد مكوناتها الكبرى. وهكذا جاء الإسلام ليفجر بنى علاقات هذا المجتمع، المتجزئ،من داخله، بمبدأ التوحيد وليصير القاطرة العقلية والتنظيمية لانفتاح افقه التاريخي الواسع الذي اخذ لاحقا توسعا جغرافيا تأسست على خلفيته حضارة ممتدة في المكان والزمان، هي الحضارة العربية الإسلامية، لعبت دورا مميزا في مسار الحضارة البشرية.

في الختام ينبغي التأكيد على إن نقد الدين هو أمر جوهري لتعيين مواضع الفشل في واقعنا، وبغير النقد، للدين ولغيره، لايمكننا أن نتجاوز مانحن عليه من تخلف وتراجع. لكن ماعرضت له هنا لم يكن نقدا للدين وإنما كان مفاضلة بائسة بين دينين لاتخدم في محصلتها النهائية، المسعى الافتراضي لنهضة المجتمع ونقض واقعه المتردي.

ان مشكلة مجتمعاتنا ليست في الإسلام كدين بحد ذاته (وهناك مشاكل عديدة لدينا لها أسباب أخرى غير الدين) وإنما في علاقته بالمجتمع وبالدولة، وبتوظيفاته السياسية والأيدلوجية. والطريق الأمثل، برأيي، لحل مشاكلنا، من بين أشياء أخرى عديدة،، ليس بتغيير خرافة بأخرى، باستبدال المسيحية بالإسلام، كما يتوهم التبشيريون، وإنما بالعمل على إنتاج وإشاعة التفكير العقلاني لنؤسس بذلك مجتمعا مدنيا ينجح في فصل حقول السياسة والعلم وحياة الناس عن الدين.
***
هامش:
*- اخترع العرب تقنية تقطير الخمور من الفواكه، وهذا، عندي، هو واحد من أعظم اختراعات البشرية، إن لم يكن أعظمها على الإطلاق. فبفضله صفيت عقول ونفوس البشر، ونمت مخيلتهم.




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
https://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,225,172,072
- حماية الديمقراطية في بلدان الربيع العربي
- مغالطة
- المخلوعون.. ومحنة ابن صالح
- العراق... رهين المحبسين.
- الاحتجاجات العراقية
- هؤلاء مختلفون
- إرهاصات ثورة مصر
- مواقف من ثورة تونس
- احذروا التقليد
- الى الشارع سر!
- كومونة تونس
- التعليقات في الحوار المتمدن
- لمحة قصيرة عن النقد عند اليسار العربي
- العنصرية ضد الذات
- ‌أسرى في ضيافة الأنصار لشيوعيين
- ملامح من مشاكل الاندماج في السويد (3)
- ملامح من مشاكل الاندماج في السويد (2)
- ملامح من مشاكل الاندماج في السويد (1)
- هل هناك تجربة اشتراكية ناجحة؟
- مشكلة الحجاب في المجتمعات الاوربية


المزيد.....




- بين جيشي مصر وتركيا.. أيهما يحتل تصنيفات عسكرية أعلى وفق إحص ...
- بين جيشي مصر وتركيا.. أيهما يحتل تصنيفات عسكرية أعلى وفق إحص ...
- جمال مبارك يظهر للمرة الأولى بعد عام من وفاة والده
- ترامب جونيور يخضع للتحقيق
- العلماء يحددون أصحاب المهن الأكثر استهلاكا للكحول
- رئيس مجلس الدوما: على الولايات المتحدة أن تتخذ انتخابات قرغي ...
- ألمانيا.. اتهام مواطن بالتجسس لصالح روسيا‎
- أرض البركة... سلسلة وثائقية جديدة بالاولى تعنى بالجهوية
- من يقف وراء سرقة أغطية الصرف الصحي من شوارع بيروت؟
- من يقف وراء سرقة أغطية الصرف الصحي من شوارع بيروت؟


المزيد.....

- ستّ مجموعات شِعرية- الجزء الأول / مبارك وساط
- مسودات مدينة / عبداللطيف الحسيني
- اطفال الفلوجة: اللغز الطبي في خضم الحرب على العراق / قصي الصافي
- صفقة ترامب وضم الاراضى الفلسطينية لاسرائيل / جمال ابو لاشين
- “الرأسمالية التقليدية تحتضر”: كوفيد-19 والركود وعودة الدولة ... / سيد صديق
- المسار- العدد 48 / الحزب الشيوعي السوري - المكتب السياسي
- العلاقات العربية الأفريقية / ابراهيم محمد
- تاريخ الشرق الأوسط-تأليف بيتر مانسفيلد-ترجمة عبدالجواد سيد / عبدالجواد سيد
- كتاب أساطير الدين والسياسة / عبدالجواد سيد
- الكتاب الثاني- الهجرة المغاربية والعنصرية في بلدان الاتحاد ا ... / كاظم حبيب


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - خالد صبيح - أصوليتان تتصارعان ضحيتهما التاريخ