أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - أيمن بكر - من يقامر بمصر















المزيد.....

من يقامر بمصر


أيمن بكر

الحوار المتمدن-العدد: 3402 - 2011 / 6 / 20 - 22:52
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


"المقامرة هي الرهان بالمال أو بأية مادة قيمة حول حدث نتائجه غير مؤكده بهدف كسب المزيد من المال أو البضائع. وتتضح نتيجة هذا الرهان في فترة قصيرة"( )
إذا أردنا أن نفكر بمنهج علمي يساعدنا على كشف العماء الذي يزداد حولنا يوما بعد يوم، فلابد أن نطرح سؤالا لا يجد إجابته حتى الآن: من الذي وضع المسار الذي تتخذه مصر الآن؟ من الذي حدد أن يكون هناك استفتاء صوري غير منطقي ينتهكه واضعوه في اليوم التالي لصدور نتائجه؟ أقول إن الاستفتاء كان صوريا وغير منطقي، ومرجعي في ذلك أساتذة القانون وفقهاء الدساتير الذين قالوا إن الاستفتاء قد بطل بمجرد صدور الإعلان الدستوري الذي لم يستفت عليه الناس، وكذلك بتعديل بعض المواد التي تم عليها الاستفتاء بعد صدور النتائج. الاستفتاء إذن صوري. وهو غير منطقي لأنه يسأل الناس عن دستور سقط بحكم قيام ثورة اعترف بها العالم كله وعلى رأسهم المجلس العسكري الذي يعد شريكا أساسيا فيها. غير أننا حين نناقش مستقبل وطن عانى طويلا من القهر واستبداد العسكر يحق لنا أن نشك فيمن يديرون المرحلة ونتساءل حول وعيهم بما يقودون إليه مصر، خاصة حين تظهر في الأفق علامات تعزز هذا القلق. وقبل أن أستمر في التحليل أحب أن أوضح موقفي من المجلس العسكري والقوات المسلحة ككل؛ حتى لا يكون غامضا بحاجة إلى التأويل.
لم أشك يوما في وطنية رجال القوات المسلحة وإخلاصهم لوطنهم فهذا ما تنبني عليه عقيدتهم، لم أشك يوما في صدق ما يقوله رجال القوات المسلحة فالكذب أبعد ما يكون عن شرفهم الرفيع. لكنني في المقابل لم أثق يوما في العقلية العسكرية كعقلية حاكمة، أو كعقلية قادرة على استيعاب الاختلافات ومراجعة الذات والتراجع عن الأخطاء إذا ثبت بالدليل القاطع أنها أخطاء. التاريخ يؤيد عدم ثقتي في العقلية العسكرية التي تنظر دوما في حدود أضيق مما يمكن للمفكر المختص في مجاله أن ينظر، العقلية العسكرية أدخلت العالم في حربين عالميتين، وأدخلت مصر في نفق مظلم لم نر نهايته المحتملة إلا بثورة 25 يناير. من هنا أكرر أنني أشك كثيرا في سعة صدر القوات المسلحة أيا كان نبل أفرادها وشرفهم الذي يرتفع عن الشك. أشك أيضا في الأفق الفكري الذي يمكن للعقلية العسكرية أن تجترحه.
أقول هذا الكلام لأنني أحب أن يكون اختلافي واضحا وكلمتي جلية، فنحن في حضرة مستقبل مصر، والتخطيط لسنوات قادمة، وسيكلفنا الخطأ في التخطيط أو ترتيب الأولويات الآن سنوات أخرى من المعاناة والنزيف، وربما احتجنا إلى ثورة أخرى بعد أن ظهرت بوادر الانقسام والعودة للماضي البغيض تحت أقنعة كثير من القوى السياسية الموجودة. لا مجال إذن للحسابات فالموضوع هو مصر، ولا مجال للخوف من بطش المجلس العسكري المستتر، والذي يظهر في غضبه المكتوم وعدم تحمله للنقد؛ وهو ما يعبر عنه من حين لآخر انفعال أحد أعضاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وتلقينه لكل المخالفين درسا في أصول الاختلاف وآدابه، والتلويح بالمحاكمات العسكرية التي أصبحت انتقائية لا منطق لها سوى الاستضعاف الذي ميز عصر مبارك. لا مجال للمساومة ولا خوف من البطش. أقول كلمتي دون مواربة وليكن ما يكون.
أعود مرة أخرى لسؤال من الذي رسم المسار؟ أتصور أن المسار الذي نحن فيه تم تحديده في لقاء بين مجموعة من الناس باستخدام تفكير استراتيجي محدد يفترض أن يحقق أهدافا بعينها يراها الأصلح للوطن ككل. لم أحدد هنا من هؤلاء الذين اجتمعوا، كما لم أشكك في إخلاصهم النية في البحث عن أفضل المسارات. لكني أتساءل عن مؤهلات هؤلاء الذين حددوا المسار التي جعلتهم يقررون دون رجوع للمختصين من قانونيين واساتذة دستور يحترمهم العالم ويستعين بهم، ونكتفي نحن بظهورهم في البرامج الحوارية يصرخون دون مجيب؟ من الذي رسم المسار دون الاستعانة بأساتذة التاريخ والسياسة، ودون الاستعانة كذلك بتجارب الأمم الأخرى؟ أفترض هنا أن كل (وليس معظم) من كان جزءا في النظام السابق كان خارج هذا الاجتماع الذي حدد مصير الوطن، لأن أي شخص ارتضى أن يكون جزءا من النظام السابق حتى سقوطه هو جزء من الكارثة التي عشناها لثلاثين عاما ونعيش آثارها الآن، فإن كان هناك أحد من الماضي الأسود قد شارك في رسم خارطة المستقبل فهذه مهزلة لا أستطيع أن أتحمل مجرد افتراض حدوثها. وبوصفنا شركاء في الوطن يحق لنا أن نعرف بالتحديد: من هؤلاء الأشخاص الذين رسموا المسار الحالي فردا فردا؟ من اختارهم؟ ومن أعطاهم الشرعية؟ ومتى تم هذا الاجتماع؟ وكيف تم تفضيل هذا المسار: الانتخابات البرلمانية أولا ثم لجنة الدستور ثم الانتخابات الرئاسية؟ ما أخطار هذا المسار؟ لماذا استبعد من هذا التخطيط أهم عقول مصر؟ يحق لنا أن يتم إعلان هذه التفاصيل على الملأ وقبل أية خطوة أخرى، حتى لا نشعر أننا مساقون كالقطيع بالأمر العسكري نحو مصير غير واضح.
الأسئلة السابقة تفرض العودة إلى الوراء قليلا للتساؤل حول أساس الاستفتاء الذي يستخدمه كل من المجلس العسكري والقوى الدينية (وللأسف اجتمعا حيث يجب أن يفترقا) مبررا للمسار المفروض علينا فرضا؛ من الذي أطلق مبادرة الاستفتاء على بعض مواد الدستور؟ أنا لا أعرف سوى أفراد نظام فاسد على رأسه شخص من التاريخ يسمى محمد حسني مبارك هو الآن رهن الحبس بتهمة قتل أبنائنا وبناتنا. إضافة لما هو متوقع من سرقة أموالنا وإفساد حياتنا كلها وتقديمنا لقمة سائغة لألد أعدائنا. من الذي حدد هذه المواد التي استفتي الناس عليها؟ أليسوا فقهاء مبارك الذين كانوا يحاولون إنقاذ مركبه الغارقة. من الذي اختار أعضاء اللجنة التي صاغت التعديلات الدستورية المفروضة علينا فرضا؟ من وضع طارق البشري على رأسها، ومن اختار صبحي صالح عضو الإخوان فيها؟ الأهم مما سبق هو: من قال إن الشعب قال نعم للمسار كله؟ من قال إن الناس كانت تعلم المسار وعواقبه؟ ومن قال إن عامة الشعب يمكن أن يتم استفتاؤهم في قضية تخص فقهاء القانون وواضعي السياسات وعلماء الحضارة والتاريخ؟ تخيل أنك سألت شخصا غير فقيه في القانون أو في حركة التاريخ وبنية الثورات عن أيهما يجب أن يسبق الآخر : الدستور أم الانتخابات البرلمانية؟ الطبيعي أنك لن تجد لديه إجابة واضحة، الوضع هنا مقلوب كمن يسأل محاميا أو طبيبا عن كيف نرتب أجزاء المحرك في طائرة نفاثة؟الشيء المدهش والذي يدعو للريبة هو الإصرار على الاستفتاء وبسرعة قبل أن يفيق الناس من هول الأحداث الجسيمة التي وقعت في فترة قصيرة من 25 يناير وحتى 11 فبراير: لماذا ولصالح من؟
بالنسبة للناس كان الاستفتاء بمثابة إثبات وجود وإعلان عن أن الحياة لم تزل باقية في جسد كل شخص انتهكه عهد مبارك. الأمر الذي استغلته بعض القوى الدينية كي تعلن عن وجودها، وتنسب النتيجة الكبيرة لنفسها ولقوتها على الأرض. وأحسب أن الجدل الدائر في وسائل الإعلام ربما أتاح الفرصة أمام الكثير من المصريين كي يعرفوا أهمية صياغة الدستور أولا وقبل كل شيء.
من زاوية أخرى يخبرنا علم السياسة أن المواقف السياسية للأحزاب المختلفة تنبني على مصالح مباشرة لتلك الأحزاب، وهو ما ينطبق على اليمين واليسار جميعا. السياسة هي مقامرة على مواقف طمعا في مكاسب لحزب أو فئة معينة. من هنا يجب أن نسأل عمن يقامر بمصر وبمستقبل أبنائها، عن المستفيد من هذا التسرع المحموم في إنهاء الفترة الانتقالية وتبني مسار خاطئ علميا وتاريخيا ومنطقيا؟ من الرابح الأكبر هنا؟ الأمر لا يحتاج لكبير تحليل؛ فالرابحون أعلنوا عن أنفسهم وأعلنوا بوضوح عن نواياهم، إنهم الإخوان المسلمون الذين يعتقدون في امتلاكهم أغلبية مناسبة في الشارع ستمكنهم من تحقيق أغلبية مماثلة في البرلمان. الإخوان يدفعون باتجاه مسار معكوس ولا يهمهم سوى مكاسبهم الشخصية كما هي عادتهم تاريخيا، والمدهش أن المجلس العسكري الحاكم يبدو متوافقا أو منساقا أو متحالفا مع الإخوان؛ أقول يبدو أنه كذلك لأننا لا نستطيع أن نعرف طبيعة كواليس الحكم في ظل التعتيم الكبير حول صناع القرار . حكومة شرف تبدو مكتوفة الأيدي، ولا يستطيع رئيسها أن يأخذ موقفا تاريخيا بإقرار الوضع الصحيح. كل ما فعله عصام شرف هو إعلان موقف شخصي وتفضيله للدستور أولا، تفضيله للمنطق؛ لأن يكون الأساس قبل بناء البيت. هذا هو موقف شرف وكل عقول الأمة ومفكريها وفقهائها القانونيين والدستوريين، فمن الذي يمشي بنا إلى أزمة جديدة وحقبة أخرى من المعاناة وسيطرة فئة معينة على مقدراتنا؟ من الذي سيتحمل نتائج المقامرة بمستقبل مصر أمام الله والتاريخ؟






قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
نحو يسار عربي جديد حوار مع الباحث الماركسي اللبناني د. محمد علي مقلد
واقع ومستقبل اليسار العالمي والعربي حوار مع المفكر الماركسي الفلسطيني غازي الصوراني


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- انقلاب الإخوان وعودة مبارك
- على هامش المشهد السوري
- أينما كنت: إرفع راسك فوق ..إنت مصري
- بين الكهنوت وسلطة الغضب
- همس النخيل.. صراخ مصر
- هو بعينه ..........
- مناورات خطابية
- إبراهيم نافع: السم في العسل
- الإعلام المصري .. بين التضليل وضعف الكفاءة
- الإخوان والانتهازية
- أسس دولة مدنية ..الآن وفورا
- مصر حرة
- أهم من إسقاط النظم
- أوطانهم ليست أوطاننا


المزيد.....




- الأردن: النيابة العامة تنهي تحقيقاتها في قضية -الفتنة-.. وني ...
- الأردن: النيابة العامة تنهي تحقيقاتها في قضية -الفتنة-.. وني ...
- -الكاميرات المخفية- ستظهر بشكل واضح في الهواتف هذا العام!
- وفاة الرئيس التشادي المنتخب متأثراً بجروح أُصيب بها على الجب ...
- توقيع اتفاق بين المعارضة والحزب الحاكم في جورجيا بوساطة أورو ...
- إدريس ديبي: ماذا تعرف عن رئيس تشاد الذي حكم بلاده منذ عام 19 ...
- وفاة الرئيس التشادي المنتخب متأثراً بجروح أُصيب بها على الجب ...
- توقيع اتفاق بين المعارضة والحزب الحاكم في جورجيا بوساطة أورو ...
- حزب الوحدة الشّعبية يُهنئ الرّفاق في الحزب الشّيوعي الكوبي ب ...
- إثيوبيا: مستعدون لحل ودي لملف سد النهضة


المزيد.....

- في مواجهة المجهول .. الوباء والنظام العالمي / اغناسيو رامونيت / ترجمة رشيد غويلب
- سيمون فايل بين تحليل الاضطهاد وتحرير المجتمع / زهير الخويلدي
- سوريا: مستودع التناقضات الإقليمية والعالمية / سمير حسن
- إقتراح بحزمة من الحوافز الدولية لدفع عملية السلام الإسرائيلى ... / عبدالجواد سيد
- مقالات ودراسات ومحاضرات في الفكر والسياسة والاقتصاد والمجتمع ... / غازي الصوراني
- استفحال الأزمة في تونس/ جائحة كورونا وجائحة التّرويكا / الطايع الهراغي
- مزيفو التاريخ (المذكرة التاريخية لعام 1948) – الجزء 2 / ترجم ... / جوزيف ستالين
- ستّ مجموعات شِعرية- الجزء الأول / مبارك وساط
- مسودات مدينة / عبداللطيف الحسيني
- اطفال الفلوجة: اللغز الطبي في خضم الحرب على العراق / قصي الصافي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - أيمن بكر - من يقامر بمصر