أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الصحافة والاعلام - أيمن بكر - مناورات خطابية















المزيد.....


مناورات خطابية


أيمن بكر

الحوار المتمدن-العدد: 3333 - 2011 / 4 / 11 - 01:00
المحور: الصحافة والاعلام
    


حدود الإشكالية
يملك عدد من الكتاب الصحافيين والمحللين السياسيين قدرة مدهشة على التدفق الخطابي التحليلي أو التبريري حول موضوع بعينه، وتكرار هذا التدفق خلال فترات قصيرة تبدأ من المقال اليومي المطول (كمقالات رؤساء تحرير الصحف القومية المصرية مثلا) ولا تتعدى كثيرا الأسبوع الواحد. ومصدر الدهشة يتركز حول سؤال: كيف يجدد هؤلاء الكتاب خطابهم كي لا يقعوا في التكرار والمغالطات التحليلية الناتجة من أحادية الرؤية والتي غالبا ما تسم كتاباتهم؟ على أن التساؤل الذي أطرحه يحمل هو نفسه مجموعة من الافتراضات غير الملزمة لهذا النمط من الكتاب؛ فسؤالي يفترض أن الكاتب أو المحلل السياسي من هذا النوع يسعى للتجدد ولا يرغب في تكرار نفسه، وهو افتراض يتناقض مع الوظيفة الترويجية لفكر ما، أو لتوجه سياسي بعينه، الوظيفة الشبيهة بدور الإعلانات التجارية المرئية التي يلعب التكرار فيها الدور الأهم في تشويش ذاكرة المشاهد، وملئها بصورة منتج معين واسمه ومميزاته المعلنة رغما عن إرادة ذلك المشاهد، ورغما عن احتياجاته الأكثر جوهرية. وما يبدو لي هو أن الوظيفة الترويجية السابقة تمثل هدفا رئيسا لهذه الكتابات والتحليلات ذات وجهة النظر الأحادية المسبقة.
الافتراض الثاني في كلامي السابق هو أن تلك الكتابات التي تتلبس السمت التحليلي تهدف حقا إلى "التحليل"، وأن هذا التحليل يهدف لتقديم فهم علمي منظم ومتماسك لقضية ما. وهذا الافتراض لو صح لما استطاع كاتب أو محلل أن يكرر أية فكرة دون إضافات أو تعديلات سياقية تحولها إلى فكرة أخرى، ناهيك عن القدرة الفذة على تكرار مجموعة الأفكار التي تتلبس هيئة النسق التحليلي وإعادتها بصورة حرفية تقريبا. لا يمكن للمحلل أن تتكرر أفكاره حتى إن تناول الموضوع نفسه عدة مرات؛ إذ سيتحول التحليل العلمي هنا إلى تناول لزوايا مختلفة للموضوع قد تستلزم تكرار بعض الأفكار، لكن في سياقات تحليلية مختلفة بما ينفي صفة التكرار كما سبقت الإشارة. الافتراض السابق يبدو متناقضا مع الالتزام السياسي المسبق للكتاب الذين أعنيهم هنا، والذي يبتعد بكتاباتهم عن حالة "التحليل" ويقترب بها أكثر من حالة "التبرير"، كشأن أية كتابات سياسية ترويجية غير معنية بأية منهجية أو غايات علمية.
غير أن الظاهرة الموازية هي سكوت الكتاب المحللين -الذين لا يصدرون في تحليلاتهم من توجهاتهم الحزبية بهدف تبريرها- عن هذا النوع من الكتابات، التي لا يعنيها سوى تزييف قضايا الشعوب وتمييعها لصالح فئة سياسية بعينها. وفيما يبدو أن التدفق نفسه الذي يتميز به هؤلاء الكتاب يمثل سلاحا لا يستطيع المحللون أصحاب المنهجيات العلمية مجاراته، بحيث تضيع مقاوماتهم (غير المكررة والتي تخلو من القدرة على الاسترسال الخطابي الترويجي أو التحريضي) أمام الإلحاح والتكرار المقصودين من قبل هذا النمط من الكتاب، وأمام الصمم المتعمد الذي يمارسونه ضد محاولات النقد والتفنيد كواحدة من آليات التشويش الإعلامي/ السياسي.


نموذج تطبيقي
وحتى لا نضرب في تجريد مربك، سأحاول هنا التعرض لواحد من أشهر أنماط التدفق الخطابي في الصحافة المصرية، وهو موقع بعينه وليس شخصا محددا، إذ يبدو أن القدرة على الاسترسال والجدل القادر على الالتفاف حول الأفكار نفسها مرة ومرات، بغرض الترويج والدعاية لفكر النظام، هو أحد أهم شروط موقع رئيس تحرير جريدة الأهرام المصرية منذ حوالي ربع قرن على أقل تقدير.
أسامة سرايا هو رئيس التحرير الحالي، وهو ممن يتمتعون بهذه القدرة الاسترسالية المدهشة، وسأقف هنا عند واحد من مقالاته التي تبدو تحليلية، محاولا الكشف عن الآليات الخطابية التي تقوم بعمليات الترويج التبريرية التي أشرت إليها في الفقرات السابقة. وسيعمد التحليل إلى كشف ما بين السطور من افتراضات تنبث في خطاب سرايا عبر مناورات خطابية وبلاغية بوصفها بداهات أو وقائع لا تحتاج إلى نقاش، أو مراجعة ، أو إثبات، وصولا إلى ما أراه الهدف الأبعد وهو محاولة دعم هذه الافتراضات في الوعي العام، بهدف إكسابها صفة البداهة كنوع من الترويج لسياسات النظام وتبرير إشكالياته التي يراها كثيرون، ليس من ضمنهم غالبا رؤساء تحرير الصحف المسماة قومية.
في بداية مقاله يطرح سرايا مجموعة من الكلمات والتعابير ذات الظلال الدلالية غير المباشرة، لكن هذه الظلال هي مما يستقر في وعي القارئ بدرجة أو بأخرى، تبدو الكلمات التي أقصدها كما لو كانت تصف بصورة تقريرية –لا ينقصها إحساس البداهة- الواقع السياسي المصري في اللحظة الراهنة؛ وسأحاول هنا تسليط الضوء على ظلال المعنى هذه.

يبدأ سرايا مقاله الافتتاحي لجريدة الأهرام يوم الجمعة 2 مارس 2007 بمقدمة تنتهي بتحديد هدف الكتابة كما يلي:
تقترب حوارات التعديلات الدستورية في السباق الديمقراطي من المنعطف قبل الأخير ببدء مرحلة الصياغة النهائية لما انتهت إليه مناقشات البرلمان بمجلسيه الشعب والشورى، والحوار العام عبر جلسات الاستمتاع في الشارع السياسي، تمهيدا لعرضها على مجلس الشعب، ثم طرحها للاستفتاء العام، وقبل الحديث عن ملامح التعديلات التي انتهت إليها مناقشات الأشهر الماضية داخل البرلمان وخارجه ، فإن الحقيقة التي تفرض نفسها هي أن تجربة الحوار –الذي تشارك فيه مختلف القوى السياسية في مصر- سوف تتجاوز بتأثيراتها (أي تجربة الحوار) ومغزاها (تجربة الحوار) النصوص الدستورية المعدلة بعد الاستفتاء عليها، فلقد أصبح مهما أن نقف عند مغزى الحوار الموسع –الذي استغرق ( أي الحوار) من اهتمام السياسيين وشرائح واسعة من المجتمع المصري شهورا عديدة- لنتأمل الناتج النهائي لتلك التجربة (يقصد تجربة الحوار)، وتأثيراتها (أي تجربة الحوار) في مسيرة الديمقراطية، التي لن تكون التعديلات الدستورية حلقتها الأخيرة بكل تأكيد. (التأكيد من عندي)

كما هو واضح، تخلع بداية المقال صفة مخادعة على الحالة السياسية المصرية الحالية عبر كلمة واحدة وهي كلمة "حوارات" بصيغة الجمع، ثم ما يليها من تكرار كلمة "حوار" أو عبارة "تجربة الحوار"، سواء بصورة صريحة أو عبر إحالة الضمير، كما حاولت أن أوضح عن طريق إضافة أقواس توضح مدى تردد الإشارة إلى كلمة "حوار".
وهذا الحضور الكثيف لمفهوم الحوار يشير إلى التعدد والتنوع بداية، كما أن الكلمة نفسها هي التي تستخدم في وصف الجدل السياسي في إنجلترا مثلا، أو في أية دولة تعيش تجربة سياسية/ديمقراطية حقيقية، وهو ما يبدو منعكسا على الحالة السياسية المصرية، مخفيا الطبيعة الأحادية لاتخاذ القرار في مصر (أو في أية دولة خاضعة لنظام عسكري)، والتي أدت إلى انسحاب القوى السياسية الرئيسة عند التعديل الأول للمادة 76 من الدستور. وليس من المستغرب هنا أن يظن القارئ غير الخبير أو غير المصري، أن هناك حالة جدل تتصف بأية درجة من درجات التأثير على صانع القرار، أو التفاعلية الحقيقية معه، أو حتى تكافؤ الفرص في إبداء الرأي.
يؤكد هذه الفكرة الموهومة عن الواقع السياسي المصري مجاز مبتذل يستخدم هؤلاء الكتاب أمثاله دوما: "السباق الديمقراطي"، وتبدو دلالات العافية والقوة والجدية التي يمكن أن يستشعرها المتأمل هنا والملتصقة بفكرة السباق (سواء أكان سباق خيول أو سيارات أو أي شكل آخر من أشكال التسابق) داعمة لظلال المعنى في كلمة حوارات، فالكل يتحاور في سباق قوي لتحقيق الديمقراطية.
الخطير في البداية السابقة أنها تلقي أفكارا مختلف عليها على أقل تقدير، بوصفها تقريرا لا يحتاج لمناقشة، هو لا يقول أظن ما يجري في مصر حوارات...الخ، أو : أرى حوارات ...الخ،أو أية صيغة تنسب الوصف بظلاله لرؤية الكاتب الشخصية، بل إنه يقول هذا هو ما يحدث، بما يبدو ملغيا – طبقا لهذا الخطاب- مساحة ملتهبة في الواقع السياسي المصري تتصل بمنطق التغيير نفسه، وبكيفيات طرحه ومواقع القوى المختلفة، وقدراتها بالنسبة للحزب الحاكم في أية عملية تقصد إلى التغيير، كل هذا على خلفية من القمع وسيطرة الدولة البوليسية المحتمية بقوانين الطوارئ (التي ستتحول قريبا إلى قوانين دائمة لمكافحة الإرهاب). كلمة حوارات، وتعبير "سباق الديمقراطية" كلاهما يؤدي على أقل تقدير إلى تعتيم القضايا السابقة، التي أرها أساسا تضعف قيمة أية حوارات لا تبدأ منه.
تعلو نبرة الظلال الدلالية السابقة تدريجيا، لكن دون التخلي عن التعميمية وحالة تقرير الواقع اللتين تختفيان في كلام سرايا كله؛ إذ يبدو ذكر سرايا للاستفتاء العام هكذا غفلا من كل القضايا التي ترتبط به من تزوير تاريخي طويل يكاد لا يعرف الشعب المصري سواه، إلى خلاف جوهري حول إشراف القضاء على الاستفتاءات والانتخابات بصورة كاملة، وغير ذلك من القضايا المميزة لخصوصية الاستفتاء أو الانتخاب المصري- يبدو ذلك محاولة لتغييب هذه الخصوصية، استنادا إلى المعنى المعياري المتعارف عليه والبريء لفكرة الاستفتاء أو الانتخاب (تماما كفكرة "الحوار") في مختلف أرجاء العالم الديمقراطي أو الساعي للديمقراطية، وليس الساعي لاحتكار الحكم وتوريثه.
يسارع خطاب سرايا (المتلبس عباءة التحليل) لغايته التي أظنها الرئيسة، وهي أن ما حدث ويحدث في مصر هو حوار، مؤكدا أن معظم القوى السياسية المصرية قد شارك في حواراته المزعومة، بل وقطاعات كبيرة من المجتمع المصري: "
وقبل الحديث عن ملامح التعديلات التي انتهت إليها مناقشات الأشهر الماضية داخل البرلمان وخارجه ، فإن الحقيقة التي تفرض نفسها هي أن تجربة الحوار –الذي تشارك فيه مختلف القوى السياسية في مصر- سوف تتجاوز بتأثيراتها ومغزاها النصوص الدستورية المعدلة بعد الاستفتاء عليها، فلقد أصبح مهما أن نقف عند مغزى الحوار الموسع –الذي استغرق من اهتمام السياسيين وشرائح واسعة من المجتمع المصري شهورا عديدة-
الجمل التي قصدت إلى تسويدها في المقطع السابق هي الهدف الرئيس لمقال سرايا، وكآلية مدهشة في المناورة يطرح سرايا هذه الأفكار التي يطبعها بالبداهة كما لو كانت تقدمة في طريقه لمناقشة أفكار أخرى، هي تقدمة أيا كانت أهميتها، وهي كذلك واقع لا يجب التشكيك فيه.
يستخدم سرايا تعميمات لا تفضي لدلالة محددة، باستثناء ما سيصيب القارئ العام من وهم بوجود حالة حراك سياسي حقيقية تعبر عنها مناقشات مطولة استمرت –ومازالت مستمرة- لأشهر، وهي دائرة داخل البرلمان وخارجه. التعميم المخادع الذي قصدت إليه يتضح في كلمة "... وخارجه".. أين؟! ما المساحات التي سيقترحها خيال القارئ لهذا الخارج؟! ولماذا لم يعطنا سرايا نموذجا واحدا للحوارات خارج البرلمان؟! هذا إذا اعتبرنا ما يدور في البرلمان حوارا بأبسط معاني الكلمة، وليس قمعا متصل الحلقات من أغلبية تحافظ على مصالحها ومكاسبها المرتبطة بوجود النظام الحالي، في مواجهة أقلية دينية لا تبدو أقل بوليسية أو قمعية من النظام، وفي غياب عميق للأحزاب والنقابات والمؤسسات المدنية التي تشهد حالة من الضعف لم تمر بها في تاريخ مصر الحديث كله. تأكيد سرايا لوجود حوار خارج البرلمان يتكرر مؤكدا وهم الحوار نفسه، وملتفا على حالة العزوف واليأس التي يعاني منها أغلب الشعب المصري بكل طوائفه ومؤسساته.
وكجملة اعتراضية (أي كمعلومة إضافية تقترب من كونها بداهة لا تحتاج لأن تدخل في متن التحليل) يؤكد سرايا أن الحوار المزعوم هذا " تشارك فيه مختلف القوى السياسية المصرية"، بل ويقرر كذلك اشتراك "شرائح واسعة من المجتمع المصري" هكذا "شرائح واسعة" منكّرة دون تعريف أو تحديد، تاركا – كالسابق- مساحة مربكة لخيال القارئ كي يقترح هو هذه الشرائح، أو كي يسلم القارئ بعجزه عن ذلك مكتفيا بارتباكه الذي أظنه هدفا عميقا لجهد سرايا شبه التحليلي في مجمل مقالاته؛ فهو يسعى دوما لتقديم صورة تتنافى مع ما يراه ويعانيه المواطن المصري يوميا، وكأنه يقول لمعظم قطاعات الشعب المصري: إن حواسكم تكذب عليكم"، أو: "أنتم لا ترون ما ترونه ولا تسمعون ما تسمعونه، وطبعا ما تفهمونه ليس هو ما تفهمونه"، بحيث إذا مددنا خطاب سرايا وأشباهه على استقامته سنجد جملة مدهشة موجهة للشعب المصري: "أنتم لستم من تظنونه.. أنتم لا تتألمون ولا تعانون فقدان ذاكرة حضاريا، ولا تشعرون يأسا من الحاضر وفزعا من المستقبل.. ولا ترزحون تحت قهر سياسي بوليسي ينتهك أحلامكم وقيمكم ويسلمكم لليأس، ولم تسلم منه حتى أعراضكم أمام كاميرات الهواتف المحمولة لرجال بوليس ساديين...، أنتم لا تعانون ما تعانونه كل يوم من مهانة متصلة الحلقات... لا تصدقوا واقعكم وما تعيشونه يوميا... صدقوا ما أقوله أنا ... أنتم وواقعكم هو ما أقدمه لكم".
وتأكيدا لما أذهب إليه سأتوقف بالتحليل عند باقي فقرات مقال سرايا.
يقرر سرايا أن تجربة "الحوار" هذه تحتاج إلى "تسليط الضوء بهدف ترسيخها واستخلاص الكثير من الدروس التي تفيدنا في استكمال مسيرة العمل السياسي". وبغض النظر عن المضمن في قوله: "ترسيخها" كما لو كانت موجودة فعلا، وقوله: "مسيرة العمل السياسي" بما توحي به لفظة "مسيرة" من تجانس وانتظام وتواصل وهي أشياء أبعد ما تكون عن التجربة المصرية حاليا، بغض النظر عن ذلك يبدو أن سرايا قرر أن يلبس عباءة المعلم ويقوم بتلقين القارئ درسا في كيفية استقطار الدلالة، من الفراغ تقريبا.
يقسم سرايا دروسه المستفادة إلى نقاط كما هي عادته هو وسلفه إبراهيم نافع، أولا وثانيا وثالثا..الخ. وفي تقسيماته التي لا تقول شيئا تقريبا؛ سأركز على الجملة المحورية في كل فقرة من فقرات مقال سرايا. ويمكن للقارئ أن يعود بسهولة لهذا المقال عبر الإنترنت أو عبر أرشيف الأهرام للتأكد من أمانة الاقتطاف.
يقول سرايا في نقطته الأولى:
أولا: إن طرح هذه التعديلات للحوار والتعديل هو نتيجة تجربة تمثل تطورا له مغزاه في الحياة السياسية المصرية. فلقد جاء طلب الرئيس حسني مبارك في خطابه أمام مجلسي الشعب والشورى في نهاية العام الماضي تعديل أربعة وثلاثين مادة من الدستور تنفيذا لبرنامجه الانتخابي ... وكان انتخاب الرئيس على أساس هذا البرنامج تجربة جديدة ومتطورة أدت إلى بعث الحوار الديمقراطي وصولا إلى إعادة صياغة هذه المواد من الدستور"
وكأن الحوار الميت والذي سيبعثه برنامج الرئيس، كان ميتا في عصر آخر؟!! وكأن ربع قرن من الموات السياسي قد انمحت بجرة قلم لمجرد أن النظام قرر أن يبدو ديمقراطيا قبيل انهياره بخطوات؟!! وكأن سرايا نفسه لم يكن يعيش في مصر قبل برنامج الرئيس ولم يكن ممن دافعوا عن عدم المساس بالدستور قبل أشهر من كلامه هذا؟!!
لكن ما يهمني التركيز عليه هنا هو تأكيد سرايا على وجود الحوار الديمقراطي، وهو ما يعني ضمنا بصورة منطقية وجود حوار أساسا، ناهيك عن وصفه بالديمقراطي. الفكرة السابقة تتكرر في باقي فقرات سرايا شبه التحليلية، وسأكتفي هنا بإيراد ما يؤكد المعني الخلفي الذي يريد سرايا أن يقنعنا ببداهته في بنود مقالته ذات السمت التعليمي. يقول في بداية "ثانيا":
ربما كانت هذه هي المرة الأولى في تاريخ الحياة السياسية المصرية التي ينشأ فيها مثل هذا الحوار حول وضع دستور أو تعديله.
ويقول في أول جملة من "ثالثا":
إن الحوار الأخير وضع الدستور في الضمير المجتمعي وضعا غير مسبوق وهو أمر له أهميته.
ويقول في أول "رابعا":
إن الحوار حول التعديلات الدستورية تجاوز في بعض جوانبه المواد المطروحة للتعديل، ونطرق إلى كثير من القضايا التي تعبر عن رغبة المجتمع بتياراته المختلفة في توسيع دائرة الحوار
ويقول في أول "خامسا":
بالرغم من المساجلات والاختلافات والانفعالات والمشاحنات بشأن التعديلات المطروحة، فإننا خضنا تجربة الحوار...
ويقول في بداية "سادسا":
إن الحوار تجاوز بالتفكير السياسي قضية العلاقة بين الدين والنشاط السياسي....
يبدو لي من الفقرات السابقة أن سرايا لم يترك زاوية واحدة توحي للقارئ بأن هناك حوارا حقيقيا في الواقع السياسي والاجتماعي المصري إلا وتناولها؛ فالحوار تم بعثه، ثم هو قد اتسع ليشمل معظم قطاعات الشعب، ثم إنه استقر وأصبحنا ندرك الآن (والآن فقط) أهميته، ثم إنه تجاوز بالتفكير السياسي قضايا شائكة كقضية العلاقة بين الدين والنشاط السياسي. وغير خاف أن الفرق بين بعث الحوار واستقراره وتجاوزاته التي صنعها في وعي الشعب المصري قد تمت في غمضة عين، أو بالتحديد في المسافة بين فقرات مقال سرايا.
وبالطبع يمتلئ مقال سرايا، إلى جانب الإيهام السابق بوجود حالة حوار، بألفاظ موحية غير واصفة؛ أي إنها توحي بحالة سياسية اجتماعية معينة ولا تصف ما هو قائم بالفعل، من مثل ألفاظ وتعبيرات: السباق الديمقراطي/ ظاهرة صحية/ مسيرتنا القوية/ تصحيح المسيرة/ العافية السياسية والمجتمعية/ التطور والنمو/ إنجازا حقيقيا/ الممارسات الديمقراطية/تحقق التوافق الوطني.
ولم ينس سرايا أن يصف كل معترض على تمثيلية الحوار الوطني تلك بعبارات وكلمات من مثل: المبالغة والشطط/ صياح أقلية مارقة/ المزايدين والعاجزين/ العقول المريضة. وهي اتهامات شبيهة جدا بالتهم الدينية التي احترف فقهاء جماعات التكفير إلصاقها بكل مخالف.
التعبيرات السابقة تلقي في الروع إحساسا بأن ما يدور في مصر الآن هو حالة ديمقراطية صحية، أو بعبارة أسامة سرايا المنفعل في برنامج على إحدى الفضائيات "قفزة ضخمة في الحياة السياسية"، وهو خلاف ما حدث بعد تعديل مواد الدستور؛ إذ اكتشفت القوى السياسية المختلفة كالعادة وبصورة مبكرة أن منظور التغيير محدد ومرتبط بمصالح مجموعة الحكم والمستفيدين منهم، وأن حالة الحوار المزعومة ما هي إلا طلاء خارجي موجه للغرب غالبا كمناورة سياسية تهدف لكسب الوقت والدعم وحرية الحركة، وأن أية آراء تخالف هذا المنظور المسبق مآلها إلى سلة المهملات. وهذا ما حدث، فقد استطاع النظام أن يتلاعب بالجميع ملغيا الإشراف القضائي على الانتخابات (بما يضمن حرية تزويرها)، ومبقيا آليات انتخاب الرئيس في حدود تعجيز القوى السياسية الموجودة، وموجها ضربة قاضية للحريات العامة عبر التوجيه نحو اختراع قانون للإرهاب؛ يرى كثير من فقهاء القانون أنه كارثة على الحريات بأكثر مما كان عليه قانون الطوارئ.
من زاوية ثانية لم يتم المساس بأية مادة حاولت المعارضة السياسية أن تزج بها في مهرجان التعديل الدستوري، كالمادة الثانية المتعارضة مع فكرة الدولة المدنية التي يطن بها النظام ليل نهار، أو المادة 77 الخاصة بتحديد مدد الرئاسة، التي أصبحت بحكم العرف هي مدة حياة الرئيس وأبنائه، أو غير ذلك من المواد المعوقة لتحقيق مساحة أكبر من الحريات المأمونة غير القابلة للإلغاء.

التحليل السابق يحاول أن يكشف بعض آليات التبرير السياسي المتلبس صورة تحليلية زائفة، الآليات التي يستخدمها رؤساء تحرير الصحف "القومية" في مصر، وغيرهم ممن يرتبط بشبكة مصالح فولاذية مع السلطة القائمة. وأظن أن هذه القدرة على المناورة الخطابية/السياسية هي شرط أساسي لاحتلال رئاسة تحرير واحدة من تلك الصحف.
إن ما يقوم به سرايا وأشباهه عبر تلبس نمطا خطابيا تبريريا يزيف الواقع ويعمي مشكلاته الملتهبة؛ هو دور مرحلي خادم لنظام ديكتاتوري، دور سيحكم عليه التاريخ بقسوة، وأحسب أن سرايا يرتكب خطأ فادحا إذا ظن أنه سيكون أكثر حصافة وقدرة على حماية ذاته من سلفه إبراهيم نافع، الذي لعب الدور نفسه بكل ما يملك من قدرات على المناورة الخطابية والجدل الفارغ لفترة طويلة، ثم انتهى به الأمر ثريا معرضا للمحاكمة كل يوم ولسحب الحصانة؛ سواء البرلمانية أو الحصانة الضمنية من قبل أعمدة النظام الذي قضى عمره في الدفاع عنه وتبرير تصرفاته.






قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
نحو يسار عربي جديد حوار مع الباحث الماركسي اللبناني د. محمد علي مقلد
واقع ومستقبل اليسار العالمي والعربي حوار مع المفكر الماركسي الفلسطيني غازي الصوراني


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إبراهيم نافع: السم في العسل
- الإعلام المصري .. بين التضليل وضعف الكفاءة
- الإخوان والانتهازية
- أسس دولة مدنية ..الآن وفورا
- مصر حرة
- أهم من إسقاط النظم
- أوطانهم ليست أوطاننا


المزيد.....




- وزير الخارجية الروسي: موسكو ستقترح مغادرة 10 دبلوماسيين أمري ...
- أوكرانيا: ما الذي حصل عليه زيلينسكي من الأوروبيين لمواجهة رو ...
- روسيا تزوّد أسطولها الشمالي بدفعة من -الغواصات الصامتة-
- الإمارات.. السجن 14 عاما لثلاثة متهمين خليجيين انتحلوا صفة ر ...
- إيران: العقوبات الأمريكية على روسيا خطوة غير صحيحة تم اتخاذه ...
- أردوغان يبحث مع الأمين العام للناتو ملفات أوكرانيا وشرق المت ...
- المتحدث السابق باسم الكاظمي: أطلب مكتب رئيس الوزراء 500 ألف ...
- المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل تتلقى الجرعة الأولى من لقا ...
- رسالةٌ تكشف عن زلّاتٍ للأمير فيليب خلال مأدبة عشاء أقامها ني ...
- شاهد: مزارع الورود في الطائف تزدهر في شهر رمضان


المزيد.....

- داخل الكليبتوقراطية العراقية / يونس الخشاب
- تقنيات وطرق حديثة في سرد القصص الصحفية / حسني رفعت حسني
- فنّ السخريّة السياسيّة في الوطن العربي: الوظيفة التصحيحيّة ل ... / عصام بن الشيخ
- ‏ / زياد بوزيان
- الإعلام و الوساطة : أدوار و معايير و فخ تمثيل الجماهير / مريم الحسن
- -الإعلام العربي الجديد- أخلاقيات المهنة و تحديات الواقع الجز ... / زياد بوزيان
- الإعلام والتواصل الجماعيين: أي واقع وأية آفاق؟.....الجزء الأ ... / محمد الحنفي
- الصحافة المستقلة، والافتقار إلى ممارسة الاستقلالية!!!… / محمد الحنفي
- اعلام الحزب الشيوعي العراقي خلال فترة الكفاح المسلح 1979-198 ... / داود امين
- پێ-;-شە-;-کی-;-ە-;-ک بۆ-;- زان ... / حبيب مال الله ابراهيم


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الصحافة والاعلام - أيمن بكر - مناورات خطابية