أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - خالد منصور - اعيدوا عظامي لام الزينات














المزيد.....

اعيدوا عظامي لام الزينات


خالد منصور
عضو المكتب السياسي لحزب الشعب الفلسطيني


الحوار المتمدن-العدد: 3365 - 2011 / 5 / 14 - 18:07
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


اقتحمت عليه خلوته في يوم شتوي عاصف، كان جالسا على فرشة في منزله المكون من غرفتين في مخيم الفارعة، وامامه كانون تتاجج نيرانه، ودلة قهوة لم يبق بداخلها الا القليل، وعدد من جريدة الطليعة مفتوح على صفحة بها مقال بعنوان وفاة المعمر الفلسطيني طالب ابو طالب ( وهو لاجئ من بلدة ام الزينات )، وكان ينفث دخان سجائره وعلائم التوتر بادية على وجهه.. سالته لم انت هكذا متوتر ومضربا عن الكلام.. فرفع راسه ونظر في عيني وقال : اسمع يا ابني لم يبق من العمر قدر ما مضى.. وقد توافيني المنية في اية لحظة.. ووصيتي لك ان لا تترك عظامي مدفونة هنا عندما تعودون الى ام الزينات.. بل قم بحفر قبري وجمع عظامي وخذها معك، وادفنها هناك حيث ولدت ودفن ابائي واجدادي، فانا لن ارتاح الا اذا ضمني قبر في ارض احببتها وأحبتني وأعطيتها واعطتني..
ادهشني ان اسمع من والدي ابو عاطف هذا الكلام، وهو الذي اعرف عنه كم كان قويا وكم كان مؤمنا بحتمية العودة، وبامكانية حصولها بوقت اقرب مما يتوقع اي لاجئ، عندها شعرت ان الموت يقترب من ابي، وادركت ان حزن ابي نابع من انه لم يتمكن من رؤية بلدته التي ولد وترعرع فيها وهي مطهرة من اثار واثام الغزاة الذين اغتصبوها وشرّدوا اهلها منها.
ومثل ابو عاطف من المؤكد أن يعزّ عليه الموت قبل تحقيق امانيه، فهو الذي انضم باكرا في اوائل اربعينيات القرن الماضي لتنظيمات فلسطينية سرية في مدينة حيفا-- كانت تستهدف العملاء وسماسرة الاراضي، وهو كذلك الذي امتشق بارودته في العام 1948 وانضم لمجموعات المقاتلين وواصل القتال معهم الى ان سقطت اخر قلاع المقاومة.. وبعدها ومنذ لحظات اللجوء الاولى انخرط في العمل السياسي والاجتماعي في اوساط اللاجئين، مما أهّله ليدخل في العام 1964 اول مجلس وطني فلسطيني كممثلا عن اللاجئين.. فتاريخ ابو عاطف ونضالاته المتواصلة بدون انقطاع، ومعاناته جراء ذلك من السجن والابعاد .. هذا التاريخ يجعل شخصا مثله يجدها صعبة جدا عليه ان يفارق الحياة وهو لم تكتحل عيناه برؤية ثمار نضاله ونضال جماهير شعبه..
قال لي يوما وقد اصطحبني معه في رحلة الى ام الزينات : انا هنا اعرف كل شجرة وكل بئر ماء وكل حجر ( وكل سنسلة )، واعرف مكان البيوت حتى بعد ان هدمها وجرّفها الصهاينة، واذكر اسماء اصحابها وحتى اسماء زوجاتهم وابناءهم.. ثم تركني وطلب مني ان انتظره .. لكنني تبعته وراقبته من بعيد، فكان يقف عند كل شجرة رمان او صبر او تين، ليتحسس سيقانها ويشم اغصانها، ويقف عند كل بئر ماء لينظف فتحته ويلقي النظر في قاعه.. ثم وصل الى ركام اسمنتي-- عرفت فيما بعد انه آثار المدرسة-- وجلس على قطعة اسمنت-- عرفت فيما بعد انها عتبة مدخل المدرسة التي كان يجلس عليها ابناء ام الزينات.. وواصل سيره الى ان وصل الى مقبرة-- عرفت فيما بعد انها المقبرة القديمة للبلدة.. وقف على مدخل المقبرة وقرأ الفاتحة، وتوجه مباشرة الى قبر يوجد على جانبه جذع شجرة كبيرة مقطوع-- عرفت فيما بعد انه قبر جده محمد الحمد المنصور.. وبقيت اتابعه وهو يتجول-- يقف احيانا واحيانا يجلس في ظل شجرة، ويطيل النظر في الاشياء ويحدق بها.. وبعد اكثر من ساعتين انهى جولته، فسبقته الى حيث طلب مني ان انتظره، وجلست حتى وصل، فسالته عما كان يفعل..؟؟ ولم لم يصطحبني معه..؟؟ فأجاب : كنت احاول استرجاع كل ما في ذاكرتي من احداث ووقائع قد حصلت فيما مضى في الامكنة التي مررت بها، واحاول ان اتخيل صورة البلدة والحياة فيها كما لو لم تحصل النكبة.. ولم اصطحبك كي لا تشتت افكاري، وكي لا تحرمني من التمتع بخيالاتي التي هي كل ما تبقى لي في حياتي.. وما هي إلا سنتين حتى رحل أبو عاطف عن الدنيا وكان ذلك في العام 1986.. فهل سيأتي اليوم الذي أوصي به أبنائي بنقل عظامي وعظام جدهم أبو عاطف إلى بلدتنا أم الزينات عندما تتحقق العودة..؟؟
مخيم الفارعة – 14/5/2011



#خالد_منصور (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- وأخيرا اصطلحوا
- ستون عاما ولم تنسوا أم الزينات
- الإرهاب يفتك فينا
- صمودا يا غزة .. حراكا يا ضفة
- لا مستقبل للمعارضة التقليدية
- وللطلاب حق في الضريبة يا فياض
- الموت على حاجز الحمرا
- يسألونك عن الغلاء
- انجازات الحملة الشعبية لمقاطعة البضائع الإسرائيلية في العام
- ادفنوا أوهامكم وانهضوا
- نحب الكرمل ونكره مغتصبيه
- اشتباك بالأيدي وتدافع بالأجساد بين الفلسطينيين وجنود الاحتلا ...
- لن نبكي ولن نتوسل
- حي على الزيتون
- فتوى لاهاي والدور المطلوب من منظمة التحرير الفلسطينية
- بورين في مواجهة المستوطنين
- دوافع معارضتنا للمفاوضات
- يوم انتهك حقنا في الاختلاف
- 27 عام على تأسيس الإغاثة الزراعية – ولدت لتقاوم
- من رحم المعاناة ولدت


المزيد.....




- غموض يخيّم على مفاوضات واشنطن وطهران.. وإسرائيل تواصل قصف لب ...
- مالي: الجيش يعرض مكافأة قدرها 3,5 مليون دولار مقابل معلومات ...
- الذكاء الاصطناعي وأزمة الثقة في النشر العلمي.. من يضمن موثوق ...
- بعيدًا عن -الشقراء- التي كرّستها هوليوود.. صورة مارلين مونرو ...
- بائع ذرة وكستناء في تركيا يجذب حشودًا من السياح بشوارع إسطنب ...
- رغم نفي القيادة المركزية الأمريكية.. قنصلية إيرانية تعيد نشر ...
- شركة أنثروبيك تقترح وقفا مؤقتا لتطوير نماذج الذكاء الاصطناعي ...
- -هذا الرجل مجنون-.. تحقيق في حادث تصادم وشيك بين طائرتين في ...
- CNN تكشف عن أضرار لحقت بحاملة طائرات أمريكية أثناء تواجدها ب ...
- ماذا يقول ترامب عن الحرب على إيران وسط غموض مستقبل المحادثات ...


المزيد.....

- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - خالد منصور - اعيدوا عظامي لام الزينات