أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - طارق حجي - محاولة لفلسفة ثورات 2011 العربية















المزيد.....

محاولة لفلسفة ثورات 2011 العربية


طارق حجي
(Tarek Heggy)


الحوار المتمدن-العدد: 3319 - 2011 / 3 / 28 - 20:49
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


** يتضمن هذا المقال الترجمة العربية للكلمة التى ألقاها كاتب هذا المقال يوم الثلاثاء 15 مارس 2011 بمجلس النواب الإيطالي بروما وبدعوة من رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب الإيطالي : =====================
عرف المسلمون إزدهاراً معرفياً وفكرياً (وثقافيا) كبيرا خلال القرون الأربعة التى تلت القرن السابع الميلادي . فخلال تلك الحقبة ترجمت مئات الكتب اليونانية القديمة سيما في مجال العلوم والمنطق والفلسفة . وكنتيجة لهذا الحراك المعرفي فقد حشدت المجتمعات الناطقة بالعربية بعشرات المدارس الفكرية والقراءات المختلفة للدين الاسلامي ، وبمحاذة ذلك زخماً من الحراك العلمي في مجالات شتى من مجالات العلوم الطبيعية والرياضيات . إلا ان الحياة الفكرية كانت تشهد (على الدوام) صراعا بين تيار محافظ كان يعلي من قيمة النص ويجل فهم السلف بل يصبغ على هذا السلف قيمة كبرى (السلف الصالح !؟!) .وقد جسَّد هذا التيار الفقهاء السنيون الذين جاءوا من بعد أبي حنيفة النعمان مؤسس علم أصول الفقه السني ، وكان كل واحد من الفقهاء الكبار أشد محافظة من سلفه. فابن حنبل أشد محافظة من محمد ابن ادريس الشافعي ، والشافعي أشد محافظة من مالك . ومالك أشد محافظة من أبي حنيفة . أما المفكرون الذين أولوا عناية كبيرة للفلسفة والمنطق فقد كانوا أكثر تحرراً (عقلياً) . وكان من أعلامهم مفكرو المعتزلة وابن سينا والفارابي ثم قمة العقلانية في هذا الزمان ابن رشد الأندلسي . واذا كانت القرون الثلاثة من بداية القرن التاسع الميلادي قد شهدت أوار حرب (ضروس) بين مدرسة المحافظين ( أهل النص والنقل) وأصحاب العقول الأكثر تحرراً ( أهل المنطق والفلسفة والعقل ) ، فأن القرنين الحادي عشر والثاني عشر (الميلاديين) قد شهدا إنتصاراً شبه كلي للمحافظين . وتجسد هذا الإنتصار في ميل السلطة السياسية (ميلا شديدا) لجانب مدرسة المحافظين وما صاحب ذلك من هجوم شديد على مدرسة العقل والتي كانت بشكل من الأشكال مستمدة من روح الفلسفة اليونانية. وترجمت هذا الإنتصار الكامل (لأهل النقل على أهل العقل)عشرات الفتاوى التي كان جوهرها أن من تمنطق فقد تزندق . ولعل أهم فتاوى هذا الإتجاه العارم فتوى الشرذوري ( في القرن الثاني عشر الميلادي ) وهي الفتوى التي قامت بتحريم الإشتغال بالمنطق بل وبأن من يشتغل بالمنطق يستحوذ عليه الشيطان. في تلك الآونة بلغ إنتصار مدرسة النقل على مدرسة العقل ذروته في قيام فقهاء مسلمين بتكفير أعلام مثل الفارابي وابن سينا وابن رشد ، وهو توجه شاركت فيه السلطة السياسية مشاركة عبرت عنها أمور كثيرة مثل مناصرة المعتصم العمياء للحنابلة وتمكينه لهم من خصومهم الحنابلة ، والذى وصل لحد ذبح الحنابلة للمعتزلة جهارا نهارا فى أزقة دمشق ، وواقعة إحراق مؤلفات ابن رشد في قرطبة بأمر وتحت نظر الحاكم !



ومع نهاية القرن الثاني عشر الميلادي كانت مدرسة العقل قد تلقت ضربات قاتلة مما أدى إلى دخول المجتمعات الناطقة بالعربية للقرن السادس عشر وهي بلا عقل نقدي بشكل شبه مطلق وإكتفاء علماء هذه الشعوب بمهمة واحدة هي مهمة الشرح على المتون . وهي ما يمكن أن نصفه ببداية دخول هذه المجتمعات لقرون من السبات العقلي كان من المنطقي ان تقع أثنائها عملية إستعمار الأوروبيين لهذه المجتمعات الغارقة في السبات العقلي العميق.



وفي ذات الوقت الذي كان فيه المحافظون (النقليون) يرسخون إنتصارهم على أهل العقل والفكر المتحرر والتفلسف والتمنطق ، فقد كانت شعوب أوربا تشهد عملية (جدلية) مضادة ومعاكسة جوهرها تمكن أهل العقل الحر من إنهاء هيمنة وسيطرة المحافظين على مقادير المجتمعات الأوربية. وبإنتصار مدرسة العقل الحر في أوروبا كان من الطبيعي ان يؤدي المناخ العام المتحرر لنهضة علمية في مجالات شتى تؤدي لأمور مثل إكتشاف البارود والذي أدى لإنتصار الأوروبيين على غيرهم بما في ذلك الشعوب الناطقة باللغة العربية. وهو مايسر للأوروبيين أن يستعمروا الشعوب الناطقة بالعربية.



وهكذا فانه يمكننا القول بأن الأستعمار لم يكن بداية مشاكلنا وتخلفنا وتراجعنا ( كما يقرر كثيرون في واقعنا ) ، وإنما كان الإستعمار نتيجة طبيعية للعملية الجدلية التي كانت تقع عندنا ( أي عند الشعوب الناطقة بالعربية ) وعندهم ( أي عند الأوروبيين ) . وعليه ، فأن القول بأننا كنا متخلفين لأننا كنا مستعمرين ( بفتح الميم الثانية) وهو قول مضحود. فالصواب هو أننا صرنا مستعمرين ( بفتح الميم الثانية ) لأننا كنا متخلفين ، وقد كنا متخلفيين بسب إنتصار مدرسة المحافظين على مدرسة العقل والتفلسف والتمنطق في حياتنا المعرفية والعقلية ( والثقافية بالمصطلح المعاصر).



وبعد حقبة الإستعمار جاء الإستقلال . ولما كان الإستقلال لم يتحقق نتيجة لحراك معرفي وعقلي وثقافي وإنما لحراك سياسي ووطني ، فقد أعقب الاستقلال أَيلولة الأمور في المجتمعات الناطقة بالعربية إما لنظم ملكية قرو- سطية ( تعد إمتدادا لنظام القبلية العربية ) أو لجمهوريات سيطر فيها على مقاليد الحكم ضباط ربما يندر وجود نظير لهم في ضآلة وضحالة التعليم وإنعدام التكوين الثقافي ( وفي حالات غير قليلة: إتسامهم بفساد شخصي وعائلي غير مسبوق في التاريخ الأنساني).

وبعد نصف قرن ( تقريباً ) من إستقلال الشعوب الناطقة بالعربية جاءت المفاجأة الكبرى وهي إندلاع الثورة لتلك النظم التي آلت إليها مقاليد أمور المجتمعات الناطقة بالعربية في مرحلة ما بعد الاستقلال من جهة لم تكن تحطر على بال (أي) أحد . فالثورة التي توقع كثيرون ان تجئ إما من معدمي العشوئيات أو ممن سيطرت الأصولية الأسلامية على عقولهم ، فاجأت الدنيا كلها بمجيئها على يد أبناء وبنات الطبقة الوسطى من المتعلمين الذين أتاحت لهم تكنولوجيا العصر ( وبالتحديد : وسائط تكنولوجيا المعلومات والإتصالات ) ان يعرفوا معنى المواطنة وان يدركوا مسئوليات الحكام في المجتمعات المعاصرة.

وبينما يمكن القول بأن هناك خلاص (نظري) للنظم الملكية العربية يتمثل في تحولها بملكيات دستورية ، فان الجمهوريات العربية لا يوجد لها خلاص إلا بما عبر عنها الهتاف الجماهيري الرائع "الشعب يريد إسقاط النظام" . فقيادات الجمهوريات العربية (وبسبب النوعية بالغة الرداءة لحكامها وكلهم من الجهلة غير المتعلمين ومعدومي الثقافة، ناهيك عن اتسامهم جميعاً بفساد شخصي وعائلي لا مثيل له في تاريخ الإجرام ) هي قيادات غير قابلة للإصلاح على الإطلاق ومن المحتم أن تخلع (كما خلع التونسيون بن علي وكما خلع المصريون حسني مبارك)، ومن اللازم ان تحاكم وتحاسب تلك القيادات المخربة والفاسدة لتكون عبرة للحكام القادمين . ومن غرائب الأمور في المجتمعات العربية ان من كانوا يطلق عليهم شيوخ النفط إنما كانوا أكثر تعقلاً (نسبيا) فى سائر الأمور من عساكر النفط ( ليبيا والعراق والجزائر مثلاً ) والذين فاقت جرائمهم بوجه عام ولصوصيتهم بوجه خاص ما تعجز العقول عن تخيله.

ان ما حدث في تونس ومصر ثم ما يحدث الآن في العديد من البلدان الناطقة العربية لا يمكن فهمه بشكل صحيح الا من خلال تلك النظرة التاريخية - الجدلية التي وصفتها فى هذا المقال للحالة العقلية للمجتمعات الناطقة بالعربية خلال القرون الأربعة عشر الماضية.



#طارق_حجي (هاشتاغ)       Tarek_Heggy#          



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة اللبنانية د. عايدة الجوهري حول مشروع الدولة المدنية العلمانية وأوضاع المرأة في لبنان
حوار مع د.سامي الذيب حول الأديان ومعتقداته الدينية وطبعته العربية وترجماته للقرآن والقضية الفلسطينية


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ثلاثة أدران بجسد مصر (من أوراق -ثورة اللوتس- ) .
- من أوراق ثورة اللوتس : 5 مارس / آذار 2011
- حديث عن الثورة.
- أوراق ثورة اللوتس (7) : الشكر والإمتنان لجمال مبارك ...
- أوراق ثورة اللوتس - الورقة السادسة.
- لا بد ... لا بد ... لا بد - المقال الخامس عن ثورة اللوتس .
- المقال الرابع عن ثورة اللوتس.
- متابعة طارق حجي لتداعيات الثورة المصرية - التقرير الثالث
- اليوم ... اليوم ، وليس غدا
- دانات أسيفات ...
- تعليق على ما حدث
- الثورة المتوخاة فى التعليم الديني
- خواطر لندنية
- خواطر وشذرات
- دانات - بمناسبة تحرر الشيطان من أغلاله الرمضانية !
- حجر الأساس للإصلاح في المجتمعات العربية.
- د.طارق حجي في حوار مفتوح مع القراء والقارئات حول العلمانية و ...
- سجون العقل العربي - النص الكامل
- موجز الكلمة التى سيلقيها طارق حجي بجامعة الزيتونة بتونس يوم ...
- عن كتاب فذ : الإختلاف فى الثقافة العربية - دراسة جندرية للبر ...


المزيد.....




- وسط صدمة وذهول عائلتها.. كاميرا توثق لحظة إنقاذ ضابط لطفلة غ ...
- ما الأفضل شراء مرتبة صلبة أم لينة؟ يعتمد ذلك على طريقة نومك ...
- بتصميم عصري وأنيق.. الإعلان عن مشروع -قطار العلا- بالسعودية ...
- فيروس جديد ينتشر مؤخرًا؟ وزارة الصحة السعودية توضح
- تيم ليندركينغ : بدأنا نرى ملامح السلام في اليمن ونلتزم بالدف ...
- قادة دول غرب أفريقيا يلتقون في أكرا لمراجعة خطة عملهم في موا ...
- الدفاع الروسية: القوات الأوكرانية استهدفت بصواريخ وطائرات مس ...
- الصادق بلعيد: نسخة قيس سعيّد من الدستور خطيرة وتمهد لنظام دي ...
- جامعة ألمانية تلغي محاضرة عن وجود جنسين فقط
- قوات روسيا ولوغانسك تجوب شوارع مدينة ليسيتشانسك بعد تحريرها ...


المزيد.....

- «الأحزاب العربية في إسرائيل» محور العدد 52 من «كراسات ملف» / الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين
- الديمقراطية الرقمية والديمقراطية التشاركية الرقمية. / محمد أوبالاك
- قراءة في كتاب ألفرد وُليم مَكّوي (بهدف التحكّم بالعالم) / محمد الأزرقي
- فلنحلم بثورة / لوديفين بانتيني
- حرب المئة عام / فهد سليمان
- حرب المئة عام 1947-..... / فهد سليمان
- اصول العقائد البارزانية /
- رؤية فكرية للحوار الوطني: الفرصة البديلة للتحول الطوعي لدولة ... / حاتم الجوهرى
- - ديوان شعر ( احلام مطاردة . . بظلال البداوة ) / أمين احمد ثابت
- أسطورة الدّيمقراطية الأمريكية / الطاهر المعز


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - طارق حجي - محاولة لفلسفة ثورات 2011 العربية