أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - تحسين كرمياني - المسكين مخلوف /قصة قصيرة/














المزيد.....

المسكين مخلوف /قصة قصيرة/


تحسين كرمياني

الحوار المتمدن-العدد: 3228 - 2010 / 12 / 27 - 21:53
المحور: الادب والفن
    


كان كلما يعود مع الغروب،حيث قرص الشمس تهيأ نفسها لقمة سائغة،ناضجة بلونها البرتقالي،لفكي أفق جريح لا يشبع،عشاؤه الشمس.
وعبر فضاء(جلبلاء)المغبر،ينداح صوت بهي يندلق من مكبرات الصوت لمئذنة الجامع الكبير ،ذلك النداء الساحب مجاميع وأفراد،شبّان بلحايا وسراويل متقاصرة،من كل حدب وصوب يهرولون لأداء فريضة صلاة المغرب.
كان(مخلوف)مع الحروف الأخيرة لنداء الصلاة قد وصل إلى المساحة المفتوحة أمام غرفته الواقعة حيث تتقاطع مداخل الأزقة الملتوية،غرفة مهملة،بلا باب،منزوعة النوافذ،هي من مخلفات دوائر سكة الحديد،تلك الغرفة تستشرف مساحة أرض مهملة،كانت يوم مجدها حديقة تزهو بباقات زهور خالبة ألباب المارين،جاذبة جوقات الأطفال،نافخة في أبدانهم رغبة سرقة ورود عابقة برائحة منعشة،يحملونها وهم يعودون ليضعوها داخل أقداح ماء لإطالة أعمارها،كانت البلابل تغرد بسعادة لا توصف،حيث الشدو وزقزقات العصافير الممزوجة بالعطر الفوّاح للورود تعيد للسابلة صوابهم،وتمنحهم عزيمة متجددة لمواصلة الحياة.
هناك صارت الناس ترمي مزابلها،بعدما هجرت القاطرات البلدة جرّاء تهور سياسي،أمات روح بلدة(جلبلاء)،مصدر أرزاق الناس،الأمر الذي دعا لتهجير أكثر من مائتي عائلة إلى أمكنة نائية كونهم كانوا عائلات عمّال(أكراد)،فتراكمت جبال قمامات نتنة استقطبت كلاب البلدة وقططها كقاطنين بشكل دائم.
يقف(مخلوف)متأملاً الأفق المصبوغ بدم الفقراء وهمومهم،اللون المزيج،أحمر متداخلة معه صفرة وزرقة وغبار وأشباح تلال وأشياء مجهولة.
يبدأ(مخلوف)عمله غير المنتهي عبر كل الأيام التي عاشها،كآلة مبرمجة تعمل بنظام الطاقة الغروبية للشمس،ومع اختفاء القرص النازف أشعة دموية،يفتح كوفيته من حول رأسه،يحاول إعادة ربطها،وكلما يتركها تنحل أطرافها،يتواصل عمله،ويتواصل الفشل.
(مخلوف)يعرف لحظة هيجان أغواره،يثور،يزبد ويرعد،أصوات مبهمة يقولها،لم يتوصل أحد من فك طلاسم أقواله،أكتفت الناس بمقولة شاعت عنه:
ـ أّنه يكلّم الجن..!!
بينما الناس تلهث إلى منازلها،يتقاطر صبيان الأزقة صوب ساحة الفرح،كون البلدة فقدت صلتها بالسعادة مذ بدأت الحرب،مذ جاء متهور بليد وجلس على كرسي العرش،أشعل فتيل حرب مفتعلة،راحت على مهل تبتلع شبّان المرحلة،وتلقيهم ليل نهار بقايا أشلاء مع وصية سياسية ـ غير قابلة النقاش ـ تأمر الناس بعدم شق الجيوب،وشرخ هدوء البلاد بالصياح.
الصبيان والنساء يتخذون زوايا نظر ممتازة،من فوق أسطح المنازل،من وراء النوافذ،من خلال شقوق الأبواب الخشبية للبيوت،تمتد العيون سعيدة بما يحصل رغم هيمنة كابوس الحرب على كل مناحي الحياة.
يتقافز(مخلوف)ضارباً الأرض بقدميه،ناشراً كلمات فوق مستوى وعي الناس،ومن حوله عيون القطط والكلاب متوجسة تنتظر نهاية اللعبة كي تنعم بلحظات سامية وهي تغربل آخر الواردات إلى سوقها المفتوح.
عقول الصبيان غالباً ما تتفاعل مع الحالات الشاذة،اكتشفت فرصة أخرى للسعادة،بدءوا يلمون أكياس النايلون ويرصونها كسجادة في المساحة الدائمة لرقصة(مخلوف)الغروبية، حصل ذلك بعدما تطاير كيس منفوخ وحط تحت قدميه،فرقع الكيس وجعل(مخلوف)أكثر صياحاً وقفزاً مما كان من قبل.
ومثلما يحصل دائماً،جاء موعد الآذان،عاد(مخلوف)من تسكعاته اليومية وبدأ يتقافز بعد محاولات فاشلة لربط كوفيته على رأسه،كانت الأكياس تفرقع من تحت قفزاته مما زاد غيضه وتغامضت صرخاته،تعالت القهقهات النسائية من وراء كل نافذة وباب وسياج سطح، مع حصول فوضى عارمة بين القطط والكلاب.
بعد أسبوع من بدأ الفرقعات النايلونية،لم يعد يتواجد صبي،ولا عين تتلصص من وراء نافذة أو باب،وبعد أيام نسوا قضية(مخلوف) كما نسوا كل القضايا العابرة.
الكل رأى كيف ارتفعت أشلاء(مخلوف)متناثرة في الهواء تحت تأثير دوي هز البلدة،وحطم زجاجات نوافذ البيوت المحيطة بغرفة(مخلوف).
ربما كانت مصادفة،وربما عمل تخريبي جبان،جاء لقتل منبع السعادة لناس وجدت الانزواء هروب معلن من مجابهة الحقائق الجارية في الحياة.
حدث ذلك بعد شيوع خبر أن الحكومة ستغربل المنازل في حملة تفتيش بحثاً عن الأسلحة،
بعدما تنفس الطابور الخامس وراح يقلق جذور السلطة الجديدة.
لابد أن تسلل صاحب(مفرقعات ديناميتية)تحت جنح الليل وأراد التخلص من متفجرات كانت متكدسة في بيته،أعدها لصيد الأسماك في نهر(دلبلاء).
تلك المفرقعات وصلت ليد صبي،ومن غير وعي وربما بوعي تام،أراد الاستمتاع بمنظر الرعب الذي سيحصل حين يتقافز(مخلوف)ويدقها بقدميه،ناسياً أنه قادم لإلغاء فاصلة حيوية ،مشهد غروبي مبهج،من مشاهد آخر فرح متبقي في بلدتنا(جلبلاء)..!!




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
https://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,243,161,404
- مزبلة الرؤوس البشرية/قصة قصيرة/
- حدث في ليلة مأزومة/قصة قصيرة/
- في أزمنة ليست سحيقة//قصة قصيرة//
- ليسوا رجالاً..(قصة قصيرة)
- بعد رحيله..جائزة محي الدين زنكنة للمسرح
- مسرحية(ماما..عمو..بابا..ميت)القسم الثاني..الأخير
- ماما..عمو..بابا..ميّت(مسرحية)القسم الأوّل
- حديث مقاهينا(مسرحية)المشهد الثالث/الأخير
- حديث مقاهينا(مسرحية)المشهد الثاني
- حديث مقاهينا(مسرحية)المشهد الأوّل
- قصة قصيرة(الذبيحة)مهداة إلى/سعد محمد رحيم
- رواية(قفل قلبي)القسم الأخير
- قفل قلبي(رواية)16 الديوان الملحق بالرواية2
- قفل قلبي(رواية)16
- قفل قلبي(15)
- قفل قلبي(رواية)14
- قفل قلبي(رواية)13
- قفل قلبي(رواية)12
- قفل قلبي(رواية)11
- قفل قلبي(رواية)10


المزيد.....




- ما المقولات الأدبية المفضلة لدى الرئيس الصيني... فيديو
- نوران أبو طالب للأهالى : الإنترنت ساعد على إنتشار الأغنية ال ...
- -مصحة الدمى- تأليف أنيس الرافعي
- کورونا ينهي حياة فنانة مصرية جديدة
- مهرجان برلين السينمائي الافتراضي وجائحة كورونا
- وهبي يتطاول على -الاستقلال- وحجيرة يذكره ..-حزبنا موجود على ...
- -دستوري غير دستوري- .. فريق -البيجيدي- في مواجهة متوترة مع ب ...
- منظمة -الإيسيسكو- تختار الدوحة عاصمة للثقافة الإسلامية
- وفاة فنانة مصرية بفيروس كورونا... صورة
- آمال الكهرباء أم أزماتها؟.. غوايات إنقاذ العالم وخيالات السي ...


المزيد.....

- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- في رثاء عامودا / عبداللطيف الحسيني
- ظلال الاسم الجريح / عبداللطيف الحسيني
- أسأم / لا أسأم... / محمد الحنفي
- ستّ مجموعات شِعرية- الجزءالثاني / مبارك وساط
- ظلال الاسم الجريح / عبداللطيف الحسيني
- خواطر وقصص قصيرة / محمود فنون
- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- قصة المايكرو / محمد نجيب السعد
- ديوان شعر 21 ( غلاصم الزمن ) / منصور الريكان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - تحسين كرمياني - المسكين مخلوف /قصة قصيرة/