أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مديح الصادق - زائرة آخر الليل , قصة قصيرة















المزيد.....

زائرة آخر الليل , قصة قصيرة


مديح الصادق

الحوار المتمدن-العدد: 3086 - 2010 / 8 / 6 - 10:32
المحور: الادب والفن
    


رعشة مثل ندى الفجر, في آخر ساعة من تشرين, كلقاء العاشقين في زوايا الظلمة أو في الطرقات الموحشة, كما تشتهي فراشة رحيق زهرة أماتها لهيب آب, مثل دمعة ناعور عتيق غيَّر النهر مجراه فبات يتيما, لا يصلح إلا عشا للغربان, أو موضوعا بائسا للشعراء, كما يفعل المغامرون من كلا الجنسين حين تكتمل لديهم مقومات البلوغ, فيقفزون كل الحواجز دون مبالاة لما ينتظرهم من تقريع أو عقاب قد يتعدى حدَّ حزِّ الوريد, تسللت من فراشها حافية القدمين, تلقت ضربة على خدها الأيسر من باب الغرفة الخشبي المفتوح, على مضض أخفت الوجع خشية أن تستيقظ أمها التي تشاطرها الغرفة؛ بهدوء اجتازت الممر على أطراف أصابعها, باليمنى تقبض على حقيبتها, وباليسرى حملت حذاء خفيفا أخفته تحت إبطها كي تتمكن من فتح باب الشقة دون ضجيج, إنه لشيء عظيم أن تستنسخ المفاتيح فيكون دوما بحوزتك منفذ للنجاة حين تطبق عليك الأبواب, آه , كم عظيمة هي المفاتيح


اهتز هاتفه تحت الوسادة, أخفى صوته تحاشيا لإزعاج مَنْ يرقدون مبكرا مستعدين ليوم دراسي طويل, وتحاشيا لتساؤلات مخابراتية قد تطول, وتتسع فتصل حد التهديد بالاتصال بالبوليس بتهمة الاعتداء الجنسي, وهنا, في تلك البلاد لا يشفع شاهد أو عقد زواج, إن كنت شاعرا تكتب للحب فكن مستعدا للتحقيق عن كل بيت أو مفردة في بعض الأحايين, وإن كنت مغنيا فإياك واصطحاب مَن تشعر بالغيرة عليك, أنت محاسب على كل نظرة تنقلها بين الجمهور, فالذين يبدعون هم حتما إلى حد العبادة يعشقون الجمال, في كل شيء, وهم مقابل ذلك يحصدون ما يقدر لهم من المنغصات, فمَن يعشق الجمال لا بد أن يجني حبا مقابلا من ذلك الجمال, ومن هنا تبدأ المأساة, فالحب مخلوق عجيب, إطلاقا لا يقبل الشركاء



بحذر شديد تناول الهاتف, أمعن في لوحتة, إنها هي, مستحيل ماذا تريد مني والساعة قد قاربت الفجر ؟ أيعقل أن نوبة الاختناق قد طالت والدتها ولم تتمكن بمفردها من فعل أي شيء ؟ أم أن خطرا ما قد داهمهما فنسيت أن تتصل بالبوليس قبل الآخرين ؟ البارحة أخلدت متأخرة للنوم, آخر رسالة أرسلتها له في الثانية والنصف بعد منتصف الليل, فيها ادَّعت أنها تحب خطيبها حدَّ العبادة, وبه لن تفرط مهما كانت المغريات, إنه خليط منعش من المشاعر التي تتراوح بين لذة الانتصار على الطوق القاتل المطبق عليك ممن هم حولك, مع روح المغامرة التي تجد نفسك - رغما عنك - بطلا لها في حين كنت ترسم تفاصيلها لأبطال ابتدعتهم من نسج خيالك الخصب, مع لذة الشعور بالزهو وأنت ترغم حسناء عشقتها وتعلم أنها تبادلكه؛ لكنها تكابر, فجاءتك زاحفة صاغرة تعترف أنها تكنُّ لك الحب الذي كنت تقرؤه في عينيها, في حركاتها, في حشرجة صوتها حين تواجهك, إنك واثق تمام الثقة من أن تلك الساعة قادمة لا محال, لا تُخفّ الموازين وكن صامدا بعض الشيء, ولا تبِعْ بالرخيص, دعها تتعذب قليلا كي تشعر ولو بالقليل مما عانيته من عذابات, ولا تكن فظا معها؛ فالفتاة التي أحبَّتك هذا الحب هي زهرة يوجعها ولو قليل من عطش, وتُذبلها قسوة اللمس, هي كأس رقيقة بكف شاعر يجري في عروقه الحب بديلا عن الدماء, رفقا بالقوارير, يا خبير العاشقين



تسلل من فراشه حذرا خارج غرفة النوم إلى الصالة, أغلق الباب بأقصى درجات الهدوء؛ بل الخوف, ثم انزلق إلى الشرفة المطلة على الشارع العام حتى لا يسمع أحد ممن في الدار ما يدور من حديث : انزل تحت العمارة فورا, لهجة شديدة آمرة, ومثل تلك اللهجة لا تصدر إلا من الأعلى إلى الأدنى كما عرفنا ذلك من حقول علوم البلاغة, أو ممن هو واثق بأن أمره مطاع لدى المأمور, إما لكونه أسيرا بحبه, أو لرابطة تسوغ له ذلك النوع من الأمر, لم يصدق أذنيه فقد كانت تلك اللحظة التي على أحر من جمر انتظر, إنها اعتراف صريح بالحب الذي اكتوى بناره منتظرا منها لحظة ضعف كهذه, والله إن الحب لسلطان؛ وأي سلطان يكسر القيود, يحطم السدود, بلا وجل يفجر البراكين, ويحرق الأسماء والكنى والألقاب, أيتها المجنونة, إنه الفجر, والناس نيام, وكيف ستخرجينَ وحدكِ في الطرقات ؟ الأزقة الآن لا يسكنها إلا السكارى والذين بلا مأوى, لا تخرجي من شقتكِ أرجوكِ, اهدئي قليلا والصباح قريب, وسوف ألتقيكِ حيثما ترغبين, هل أصِبتَ بالعمى ؟ يا قاسيَ القلب, إنني هنا أسفلَ شرفتكَ, انظرْ تحت فسوف تراني أمام عينيكَ, أمعقول ما أرى ؟ يا بنتَ الملعونة, ما الذي أتى بكِ في تلك الساعة من الليل ؟ ألا تخافين من وحشة الطرقات ؟ أم إنه الحب ؟ , إذن صدق الذين قالوا بأن الحب هو الجنون, وربِّ السموات لَمجنونة أنتِ



على أطراف أصابعه متلفتا, لم يصدق أنه وصل الطابق الأرضي, من يدها أدخلها الممر الخلفي, ما حلَّ بكِ ؟ انطقي, تكلمي, لم تنبس ببنت شفة, بكلتا يديها قبضتْ على يديه, عليهما ضغطتْ بعنف شديد, سحبته للأمام ثم أعادته للخلف, ارتمت على كتفه, وأجهشت بالبكاء بصوت مسموع خشي أن يسمعه السكان فيتخذون الإجراء المناسب في مثل تلك الحال, استشعر نارا تخرج من جوفها, وأن دموعها حمم على فؤاده تساقطت, على الرغم من أنه تمام العلم يعلم بما هي فيه, وما تريد؛ لكنه تصنع السؤال الساذج بعد مسحِهِ دموعها بمنديل جهَّزه في جيبه من قبل, مسَّد شعرها بلطف : ما بكِ يا ...؟

بعنفٍ دفعته للخلف, على صدره تضرب ويده, بهستريا لم يشهد لها مثيلا من قبل, مزّقت قميص نومه, أيها المجنون, هل تدعي الغباء ؟ ألا تعلم مابي, وما أريد, وأنت الشاعر الذي يصور الأحاسيس, والقاص الذي يسطر الأحداث, أم أنك تتلاعب بمشاعري كيفما تشاء, أحبُّكَ أنا, أنا أحبُّكَ, فهل صدقتَ ؟ لقد أخفيتُها عنك رغم أنها كانت واضحة, مقروءة في كل حركة مني, وأنتَ تفقهها بالتمام, وكابرتُ لأن هناك رابطا تقليديا مع مسكين اقتنعتُ أخيرا بأن لا مكان له في قلبي, فأعلمتُه الحقيقة, وسارعتُ كي أفشيكَ هذا السرَّ, نزعَتْ من إصبعها الأيمن - وهي ترتجف - حلقة ذهبية فرَمَتها على الأرض, إنه قمَّة الانتصار على الذات حين تكون شجاعا فتسارع لإعلان ما تشعر به من أحاسيس, وإن كان ذلك قبل الفجر, قبل أن تستيقظ العيون, ألا رحمة الأكوان على روحكَ يا { زوربا اليوناني } يوم أفشيتَ لي بسر عظيم " ستدخل الجنة حتما, دون حساب, لو أنكَ أرضيتَ امرأة كانت تشتهيكَ " وهذا سيغنيكَ عن صلاتك كل العمر, أو عن صوم, أو حج



اهتز الهاتف النقال في جيبه, بيده اليسرى أبقى رأسها على صدره يرتوي بأعذب الدموع, فتح الهاتف باليمنى, ألو, نعم, أنا بخير عزيزتي, لا تقلقي, كل شيء على ما يرام, إنه أنزلني, كالعادة تحت, ذلك الملعون شيطانُ الشِعر, فأبشرى, وقيِّدي قصيدة جديدة في ديوان شعري الجديد


آب 2010






إطلاق البث التجريبي لقناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
أفلام من أرشيف الحوار المتمدن
أفلام من أرشيف الحوار المتمدن
قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب ترحب بكم
قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب ترحب بكم


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,246,115,107
- عتاب إلى الشهيد ستار خضير, الذكرى 41 لاستشهاده
- قاب قوسين او أدنى من جهنم ... قصة قصيرة
- العنقاء تشتهي العصافير المسيحية ... قصة قصيرة
- وعاد منتصرا , مِحكّان المهوال
- عمال العراق, تأريخ وتحديات
- اخلع جلبابك, يا مشحوت
- احذرا الكفر, سيادة الرئيسَين
- وفاء بالدَين؛ احتفلنا لقائمة الرافدين
- عرسا وطنيا كان في تورونتو
- انتخبوا مرشحكم ... مشحوت
- كل يوم يمر شباط
- شهداؤنا مصابيح نور, وأغراس طيب
- خذ ما شئت من الخرائب مادام كسرى سالما
- ما حرفا, وما اسما
- مراهنات { مشحوت } أبي حصان
- مواضع الهمزة المتوسطة والهمزة المتطرفة
- شرهان يبحث عن رتاَّق الفتوق
- موال زهيري بطور الصبي
- ماهود { أبو الخرز } ينتقم من شرهان
- شرهان والشيخ { ماهود } أبو الخرز


المزيد.....




- الاتحاد الاشتراكي بزاكورة: - الصدمة كانت قوية-
- صدر حديثًا.. كتاب -سلاطين الغلابة- لصلاح هاشم
- أطباء بلا حدود تطالب بالتخلي عن بعض قيود الملكية الفكرية لإن ...
- تونس: مسرحية تلقي الضوء على معاناة المتحولين جنسيًا في مجتمع ...
- بعد الأردن الشقيق: على من الدور القادم ياترى؟
- الغناء والقهوة والنوم.. طريقك للحفاظ على صحة عقلك
- خالد الصاوي يعترف: عضيت كلبا بعد أن عضني... فيديو
- مخبز مصري يحقق أحلام -أطفال التمثيل الغذائي-
- كاريكاتير -القدس- لليوم الأحد
- نظرة حصرية وراء كواليس فيلم لعرض أزياء -موسكينو-


المزيد.....

- ديوان شعر 22 ( صلاة العاشق ) / منصور الريكان
- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- في رثاء عامودا / عبداللطيف الحسيني
- ظلال الاسم الجريح / عبداللطيف الحسيني
- أسأم / لا أسأم... / محمد الحنفي
- ستّ مجموعات شِعرية- الجزءالثاني / مبارك وساط
- ظلال الاسم الجريح / عبداللطيف الحسيني
- خواطر وقصص قصيرة / محمود فنون
- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- قصة المايكرو / محمد نجيب السعد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مديح الصادق - زائرة آخر الليل , قصة قصيرة