أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - عدنان عاكف - حدث في مثل هذا اليوم















المزيد.....



حدث في مثل هذا اليوم


عدنان عاكف

الحوار المتمدن-العدد: 2601 - 2009 / 3 / 30 - 09:57
المحور: اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق
    


في الذكرى الخامسة والسبعين
حدث في مثل هذا اليوم

عدنان عاكف

في مطلع شباط من 1966 عدت الى بغداد، بعد ان أنهيت دراستي الجامعية في موسكو. وأكون بذلك قد وفيت بالعهد الذي قطعته على نفسي وحققت شعار رابطة الطلبة : " التفوق العلمي والعودة الى الوطن ".
ترى كيف سيستقبلنا الوطن ؟ سؤال طرحته على نفسي في الأيام الأخيرة أكثر من مرة، وها انا أطرحه بصوت عال على الرفيق الذي يجلس بجانبي في الطائرة. ولكنه كما يبدو كان يعوم فوق الطائرة ، والتي كانت بدورها تسبح فوق السحاب. ربما كان يحاول ان يستطلع ملاحم الوطن، الذي غبنا عنه أكثر من ست سنوات. ومع ذلك فان سؤالي أعاده الى الطائرة فقال :
- مهما يكن الاستقبال فهو الوطن.. لابد ان وجوها وأشياء كثيرة قد تغيرت.. ثم راح يحملق من النافذة في الغيوم التي نسبح فوقها وهو يردد مع نفسه بصوت خافت :
" بلادي وان جارت علي عزيزة.."...
في المطار فرق رجال الأمن بيني وبين رفيقي، إذ اعتقل ونقل الى مديرية الأمن قبل أن يرى بلاده العزيزة، وقبل ان يرى أهله... الأيام تمضي، ومع كل يوم يزداد عدد العاطلين عن العمل، ممن نفذوا شعار الرابطة وعادوا الى الوطن. ومع ذلك ما يزال رفيقي مصرا على تفاؤله ومتمسكا بحكمة الشاعر " بلادي وان جارت علي عزيزة..
ذات يوم سألني رفيق قديم ( أبو صلاح ) – من الذين سبقونا في العودة الى بغداد – ان كنت قد اتصلت بالحزب، فأجبته بالنفي.
- اضرب يا عم ! سيكون أول لقاء حزبي لك في بغداد يوم 31 آذار. قال أبو صلاح وهو يسلمني ورقة الترحيل، ثم أضاف : كن حذرا ! الوضع هنا يختلف كثيرا عن هناك. عليك أن تنسى الكثير مما تعلمته في موسكو بشأن العمل الحزبي. كن حذرا مرة أخرى، لأن الوضع ليس بالأمر السهل..
وضعت ورقة الترحيل في جيبي. نظرت في عينيه الطيبتين المبتسمتين وقلت :
- اضرب يا عم !! لقد سبق ان ضُربتُ وفي مثل هذا اليوم ، ومن قبلك أنت بالذات.. أتذكر حين جئتني بالعقوبة ؟ كانت أيضا في يوم 31 آذار.. كان ابو صلاح قد أشرف على خليتنا قبل سنوات، إذ كلف من قبل المنظمة الحزبية بمهمة ترويض معظم أعضاء الخلية الذين أعلنوا الإضراب ضد مسئولهم الحزبي. في نهاية الاجتماع أبلغنا بالعقوبة التي صدرت بحق ثلاثة منا، مع إنذار نهائي بان لا يتكرر مثل هذا النشاط " الثوري " في المستقبل. وكانت تلك أول عقوبة حزبية تصدر بحقي، لكنها لم تكن الأخيرة.. في كل عام وفي مثل هذا اليوم أشرب نخب الرفيق الذي حمل لي أول عقوبة حزبية، مع انه رحل عنا منذ سنوات طوال... كان أبو صلاح يكبرني بست سنوات. خفيف الدم طيب النفس الى درجة الملل، بحيث يجعلك تنفر من طيبته. لكن المفارقة ان أهم درس حاول ان يلقني إياه هو كيف علي ان لا أكون طيبا حد السذاجة. بعد سنتين على العقوبة حصلت مهاترة عنيفة بيني وبين الرفيق نزار ناجي والتي كادت ان تعصف بي خارج صفوف الحزب.. عرف أبو صلاح بالأمر، فجاء ساعيا الى تهدئة النفوس:
- كل ما تقوله حق. ولكن الأمر لا يستدعي كل هذا التصعيد وحرق الأعصاب. أتعرف ! الكثيرون يدعون باني ساذج. قد يكون الأمر كذلك. ولكن يبدو لي انك أكثر سذاجة مني. صحيح كلنا شيوعيون، وصحيح اننا اخترنا ان نكون كذلك بمحض إرادتنا، ولم نـُجبرْ على ذلك. ولكن هذا لا يعني باننا جميعا ملائكة، وجميعنا من طينة واحدة. لو كان الأمر كذلك لما كانت هناك ضرورة لوجود مثل هذا الحزب أصلا... وقبل ان يوصد باب الغرفة خلفه التفت الي وقال:
- هل تستطيع ان تفسر لي لماذا مشاكلك معي كلها تحصل في 31 آذار؟
قاطعني بضحكة عالية صافية تردد صداها في أرجاء المقهى المطلة على شارع الرشيد، وأخذ نفسا عميقا من السجارة التي كانت بيدي ثم نفث سحابة من الدخان وقال:
- يا رجل ! اتق الله ! أما زلت تذكر ؟ أقل عقوبة لكم كانت هي الطرد، لولا وقفة أولاد الحلال من أمثالي. ان قضيتكم ينبغي ان تدرس في الاجتماعات التثقيفية الحزبية في جميع الأحزاب الثورية في العالم، كمثال عن الانضباط الحزبي. هل سمعت بحياتك ان أعضاء في حزب ما يعلنون الإضراب على حزبهم ؟
- هذه هي علتكم دائما، تجعلون من المسؤول الحزب لمجرد انه المسؤول. نحن لم نعلن الإضراب على الحزب، بل على ذلك الذي كان مسؤولنا. هل تستطيع ان تخبرني أين هو الآن؟
الرفيق نزار لب النداء وعاد الى الوطن، وجمعتنا ظروف العمل السري في بغداد لفترة طويلة. افترقنا بعد ان بدأ الفراق الاجباري بين الرفاق في النصف الثاني من عام 1978، حيث غادر هو الى موسكو، في حين غادرت في أواسط 1979 الى سوريا ومنها الى الجزائر. في مطلع الثمانينات لبى أبو ليلى النداء للمرة الثانية فترك عائلته في موسكو وعاد الى الوطن، ولكن هذه المرة الى كردستان. بعد سنوات قلائل لبى النداء الثالث وكان الأخير، حيث استشهد كما يستشهد الأبطال.
نعود الى أبي صلاح ولقائي الحزبي الأول في بغداد.رغم عدم معرفتي بجغرافية مدينة بغداد التفصيلية لكني لم أجد صعوبة في الوصول الى مكان اللقاء - موقف الباص عند نقابة الفنانين في الكرخ – قبل بضعة دقائق من الموعد المحدد. اكتشفت وجود موقفين متقابلين على جانبي الشارع. كان علي ان أختار بينهما. اللعنة ! لأسباب أمنية اخترت الموقف المزدحم بالناس وتوجهت اليه.. وصل رجل تخطى الأربعين، يحمل بيده اليمنى جريدة، وبالأخرى كتابا.. نفس الإشارة التي ذكرت في الترحيل، باستثناء فارق بسيط، وهو انه عكس الأشياء التي يحملها، حيث كانت الجريدة في اليد اليسرى والكتاب باليد اليمنى. أكيد رفيق سهيان، " دالغجي ". ويقول لي أبو صلاح كن حذرا، وان الأمور هنا ليست كما في موسكو !! توجهت نحوه بحذر وسألت:
- لو سمحت ! أين تقع نقابة الفنانين ؟
انتفض الرجل لسؤالي، ثم راح يتفحصني من قدمي حتى الرأس. ارتسمت على وجهه ابتسامة عريضة وقال بصوت خافت :
- في بيت خالتك..تحولت ابتسامته الى قهقة مسموعة ثم أضاف– العتب مو عليك !! العتب على اللي دزوك!!
لم أفهم ردة فعله تلك، وسبب تهكمه الواضح، ولم أعرف كيف أتصرف. شعرت بحبات العرق تنضح من جبيني. أردت أن أسأله، لكنه بادرني الى القول، بعد ان لاحظ ارتباكي :
- أخي لست أنا الذي تبحث عنه. ثم تلفت حوله وأضاف – أنصحك ان تبتعد من هنا على الفور، الجو مشحون..

في اليوم التالي اكتشفت اني ارتكبت خطأين : اخترت موقف الباص الثاني، واستبدلت الإشارة على هواي، فوقع اختياري على رجل غريب.
بعد تسكع قرابة سنة في شوارع بغداد عدت الى موسكو لمتابعة الدراسة.
في مطلع السبعينات كان الحزب يمر بظروف صعبة معقدة. ما زلت أذكر آخر اجتماع تعقده لجنتنا وهي تتجول في حارات البتاوين. لقد اعتقل الرفيق الذي كنا سنجتمع في داره. لم نسمع بخبر الاعتقال إلا قبيل الاجتماع بقليل، فاستبدلنا الدار بالشارع. كان اليوم 31 آذار، وكان علينا بعد الاجتماع ان نحتفل بالمناسبة كالعادة. أبلـَغنا الرفيق المسؤول ان الصلة بعد اليوم ستكون فردية، حتى تتحسن الظروف. اقتربنا من مقهى صغيرة، فاقترح الرفيق ان ندخلها لنقيم فيها احتفالنا الرمزي، على طقطقة كؤوس الشاي ، بشرط ان نكف نهائيا عن الحديث بالسياسة.
- وعم سنتحدث يا رفيق ؟ سأل أحدنا.
- عن أي شيء باستثناء السياسة. رد المسؤول.
- لكننا لا نعرف ان نتحدث إلا بالسياسة. عقبتُ بنبرة جادة. واذا كنتَ حقا تريدنا ان لا نتحدث بالسياسة فعلينا ان نستبدل المقهى بمكان أرقى ونستبدل الشاي بمشروب قادر على اخراسنا كليا عن السياسة. خزرني بنظرة غير ودية وقال :
- بعضنا سيلعب الطاولي والآخرين الدومنة. ثم اننا لن نقيم هنا احتفالا جماهيريا، ولن نمكث حتى الفجر. مجرد احتفال رمزي سريع ونفترق.
- سبحان الله ! أطـْلقتُ صرخة احتجاج خافتة لم يسمعها إلا هو، وأضفت : أليست الطاولي والدومنة من بدع البرجوازية الخبيثة ؟ ألست من يروج دوما لمثل هذه النظرية الثورية ؟
- للضرورة أحكامها. أجاب بنبرة المسؤول لينهي الجدل، لكني لم أستسلم :
- حسب علمي أنت لا تجيد لعب الطاولي ولا الدومنة. كل ما تجيده هو لعب السياسة، والسياسة ممنوعة..
- حسنا ! وماذا تقترح ؟
- ليس بعيدا عن هنا توجد حانة صغيرة هادئة متواضعة يرتادها الكادحون والطيبون من أولاد الحلال. بو....
- تصدق بالله كنت واثقا من انك ستقترح ذلك. هل جننت ؟ ثم ان كنتُ لا أجيد لعب الطاولي فاني لا أجيد شرب السم ..ثم..
- لكني لا أقترح عليك شرب السم، بل ما هو أرق وأطيب...
- أيعقل ما تقول ؟ هل تريدنا ان نشرب في مثل هذه الظروف الاستثنائية ؟ كأس وثالثة، ثم سوف تقف فوق البار تطالب باستلام السلطة أمام الجماهير الكادحة المترنحة...
- ما دخل الظروف الاستثنائية بالموضوع ؟ ظروفنا استثنائية منذ يوم التأسيس، وستبقى الى أبد الآبدين. ومع ذلك ما زلنا نحتفل ونشرب، رغم الظروف الاستثنائية ورغم أنف من يقف خلفها. لو امتنع الناس عن الشرب بسبب الظروف الاستثنائية لأعلن الأخوة المسيحيون إفلاسهم...
كنت أعرف ان كل ما أقوله مجرد عبث. رفيقي وأعرفه جيدا. كنا من طينتين مختلفتين. وكثيرا ما كنا نختلف، ويصل خلافنا أحيانا حد الصراخ. ولكن كل شيء ينتهي بسرعة. ويعود السبب في عودة الصفاء بيننا اليه بالدرجة الأولى. جمعتنا صداقة امتدت أكثر من ربع قرن، حتى بعد ان افترقنا حزبيا. حين أخبرنا بنبأ اعتقال رفيقنا شعرنا بنوع من القلق والارتباك. لكن هدوءه ورباطة جأشه أعادت التوازن للجميع. وقد بقي موقفه هذا عالقا في ذاكرتي، يشفع له فأمحو سيئاته. ومن أسوء سيئاته ولعه بالنظام وتقديسه للانضباط. وقد كان ذلك جوهر الخلاف بيني وبينه. النظام والانضباط ليس في العمل الحزبي بل في حياته الشخصية أيضا.. يمكن أحيانا ان يتسامح مع بعض الهفوات ويغض الطرف عن بعض اللقطات، لكنه كجلمود صخر لا يزحزحه السيل قيد أنمله، اذا كان الأمر يتعلق بالانضباط الحزبي.. عملنا سوية في الجامعة في الجزائر لبضعة سنوات. كان بوسعه الحصول على جائزة الأوسكار في الأناقة والشياكة. وكنت على عكسه تماما.
انه الرفيق الصديق هشام جبر، الذي اختطفه الموت منا فجأة وهو ما يزال في شبابه في لندن...
احتفلنا كما أراد هشام. بعد شوطين من الطاولي طرحته أرضا. ومن غيضه أصدر الأمر بالانتشار.. كان ذلك آخر اجتماع لي مع أولئك الرفاق، والذين لم أعرف اسم أحد منهم ولم ألتق بهم فيما بعد، باستثناء هشام...
بعد ان افترقنا في البتاوين اتصلت برفيق قديم عله يشاركني الاحتفال في حانة الكادحين لكني لم أجده. كل شيء يدفعني الى دخول تلك الحانة بمفردي. وجدت نفسي منصاع لذلك الهاجس الداخلي الخفي، فدخلتها مرغما. كانت الحانة تحت خط الفقر، وشبه فارغة. جلست الى البار وطلبت المقسوم. على يميني كأس مملوءة لنصفها. بعد قليل جاء صاحب الكأس بقامته المربوعة ووجهه الاسكندنافي البشوش. ألقى التحية وتناول كأسه، وراح يتبادل أطراف الحديث مع صاحب الحانة. كان الاسكندنافي كما يبدو خفيف الدم وصاحب نكتة. بعد إحدى النكات انطلقت مني وبدون شعور ضحكة أثارت انتباههما. يبدو اني اقترب من حالة رفع الكلفة. اقترب مني وقال :
- اسمع أيها الأخ ! ليس من العدل ان أدفع أنا وانت تضحك بالمجان على نكاتي.
مع كل رشفة جديدة تتوطد علاقتنا أكثر فأكثر. عرفت انه ميكانيكي، وكان في الخمسينات يعمل في السكك الحديدية. وقد ساهم في إضرابات العمال، واعتقل لفترة وفصل من العمل أكثر من مرة.
حان وقت انصرافي، فأردت تسديد الحساب، لكنه أصر على ان يتولى ذلك بنفسه.
- ماذا تقول يا رجل ! ضحكت معك كثير ببلاش، وتعرفت على هذا الوجه الملائكي ببلاش، ولكن ليس من المعقول ان أشرب السم ببلاش.
واصل صديقي الجديد إصراره على تسديد حسابي، وواصلت رفضي لموقفه. ولكنه مصر... عندها وبدون سابق إنذار قلت له، ويدي تربت برفق على كتفه :
- ان كنت مصرا على الدفع، فبوسعك أن تدفع لمن هو أولى مني بالمساعدة.
- ومن هؤلاء ؟ تساءل متعجبا.
- اليوم 31 أذار.. قلتها بصوت مرتبك، ولم أعد أعرف ما أقول.
- ثم ماذا؟. ولكن ما علاقة هذا بذاك ؟
- كيف ؟ حري بشخص مثلك ساهم في الإضرابات واعتقل ان يعرف ما هي علاقة هذا بذاك..
قلت ما قلته، ولا أعرف حتى الآن كيف قلت ذلك. لاحظت كيف انقلبت سحنته واتسعت عيناه حتى كادت ان تحتل نصف وجهه. رفع كأسه وأفرغها في جوفه، ثم مسح فمه بيده وقال :
- يا ابن الهرمة ؟ أطلقها ووجهه يشع بحيرة السكارى الأبرياء... رفع الربعية التي أمامه ليصب لنفسه كأسا جديدة، فوجدها فارغة. مد يده الى كأسي وأفرغها في جوفه أيضا. بعد ان تمالك نفسه قال : هل جننت ؟ أنت لا تعرف عني شيئا. ثم ليكن بعلمك ان هذا الجربوع _ ثم أشار الى صاحب الحانة – منهم.. ألا تخاف ان أكون واحدا منهم أيضا ؟
يبدو اني وصلت الحالة الثورية التي حذر منها هشام. ولكن الحمد لله، لا وجود للجماهير الكادحة المترنحة، كي أطالب باستلام السلطة. الحيرة تقتلني.. كيف علي ان أتصرف لأخرج من هذا المأزق ؟ مع ذلك كنت أشعر بارتياح من هذا الاسكندنافي. حاولت ان أداري الموقف بالابتسامة، لكن يبدو انها استفزته فصرخ :
- انظروا اليه يبتسم بدون خجل أو حياء.. وكأن شيئا لم يكن وبراءة الأطفال في عينيه. انطلقت منه ضحكة ارتجت لها الحانة، مما زاد من ارتباكي. رفع يديه ليضمني اليه لكن صوت انطلق من خلفي أوقفه.
التفت الى الوراء فرأيت رجلا أسمر الوجه يقف خلف ظهري وابتسامة عريضة تغطي وجهه. تعانق الرجلان طويلا وتبادلا درزينة من القبل الحارة. عرفني الاسكندنافي على الضيف الجديد، وكان اسمه أبو حسين. وعندها فقط عرفت ان صاحبي هو ابو يوسف.
عزمت على الانصراف لكن ابو يوسف أصر على مواصلة السهرة.. وهكذا بدأت سهرة الأنس المسائية. بعد كأسه الأولى سألني أبو حسين :
- عفوا للسؤال، ولكن يبدو لي اننا التقينا من قبل.. ألم نلتقي من قبل ؟
- لا أظن ذلك.
الوقت يمضي، والحديث متواصل بين الصديقين. التفت ابو يوسف نحوي ووضع يده على كتفي ثم قال موجها كلامه لصاحبه :
- أتعلم ما الذي طلبه مني هذا المناضل الأفندي " بزر الشكليت " قبل قليل ؟
أشرت اليه بيدي متوسلا ألا يفعل. لكن ذلك زاد من نشوته ومن إصراره على الكشف عن عورتي النضالية. قال :
- لا تخف يا صديقي. ابو حسين عتوي قديم، ولن يشي بك لهذا النذل – أشار الى صاحب الحانة وغرق في نوبة من الضحك – تصور انه يطلب مني تبرع للحزب بمناسبة 31 آذار..
عاد الى الضحك من جديد حتى راحت دموعه تنهمر بغزارة من عينيه. أخذ أبو حسين رشفة من كأسه وراح يحملق في وجهي من جديد :
- لكننا التقينا من قبل. اقسم ان ذلك قد حصل، لكني لا أستطيع ان أتذكر أين ومتى..
رد ابو يوسف مازحا، بعد ان هدأت نوبة الضحك :
- اتركه وشأنه يا رجل، ولا تكن لجوجا.. طيرت العرق من رأسه. لكن ابو حسين لم يكف عن محاولته. نظر في عيني وقال :
- تذكرتك ! نعم تذكرتك أيها المناضل الفنان. ألست من كان يقف بالقرب من نقابة الفنانين ويسأل أين تقع نقابة الفنانين ؟
قص أبو حسين ما حدث في حينه عند موقف الباص، وفي يوم مثل هذا اليوم.
- رفيق أنتيكة!. والمسيح أنتيكة !! قال أبو يوسف وغرق في نوبة ضحك جديدة.
تركت الحانة، بعد ان أخذت من كل منهما دينار تبرع للحزب. في تلك الليلة قطعت المسافة بين البتاوين والجامعة المستنصرية – حيث يقع بيتنا – بمدة لا يعرف أمدها إلا الله. كنت أشعر بنشوة غريبة لم أشعر بها من قبل. " ما فاز باللذات إلا..". وطوال الطريق، وأنا أحاول ان أتذكر من هم الذين فازوا باللذات، لكني لم أفلح. في البيت استقبلني أخي الأصغر غسان ( طالب في الثانوية ) وقدم لي هدية صغيرة ملفوفة بورقة جميلة. كانت عبارة عن قطعتين من الشكليت مع ورقة صغيرة كتب عليها " 31 / آذار ". قبلت أخي ودسست الشكليتين في جيبي وقلت، بعد ان رميت بجسدي على السرير :
- سيفرح هشام كثيرا.. الشكليت مفيد جدا للعلب الطاولي..
- ومن هشام هذا ؟
- أفضل لاعب طاولي في العالم.. ولكن قل لي هل تعرف من فاز بال....
في لقائي التالي أخبرت هشام بما حصل في الحانة. سلمته الدينارين والشكليت، كهدية من أخي. شكرني ووعد بان يرد الهدية لغسان بأحسن منها، وفي نفس المناسبة. لكنه في نفس الوقت وعدني بحساب عسير، ان كررت مثل هذا النشاط الثوري، في مثل تلك الأماكن الموبوءة. ولكن الحساب لم ينتظر لحين تكرار ذلك النشاط. في اللقاء التالي جاءني الرفيق وهو يحمل العقوبة.
وتمر السنون! لم يخطر على بالي ان هشام سوف يفي بوعده ويرد الهدية الى غسان ، وفي مثل ذلك اليوم ؟ بعد عشر سنوات بالتمام والكمال كنا قد احتفلنا بمناسبة 31 آذار في الجزائر. وبعد أن أمضينا يوما جميلا في إحدى الغابات الواقعة في شرق العاصمة أخبرني هشام انه دعا مجموعة من الأصدقاء. في مساء ذلك اليوم وجدت في دار هشام عددا من الأصدقاء والرفاق، أذكر من بينهم أم ذكرى وكاظم الجباري وأبو سلام وعطا الخطيب، وغيرهم. وبعد وصولي بقليل بادر أكبر الحاضرين سنا بالكلام :
- لا أعرف كيف أبدأ. قد يكون الوقت غير ملائم، ولكن رأينا بانه قد آن لك ان تعرف بالخبر.. أخوك الرفيق غسان ( الدكتور عادل ) استشهد قبل أشهر في كردستان... وتابع الرجل كلامه.. كنت أحملق بوجهه وأرى شفاهه تتحرك لكني لم أعد أسمع ما يقول... وكل ما قلته لنفسي : حرام عليك يا رجل ! ألست أنت من أخبرني قبل أشهر باستشهاد أخي جمال ؟ صمت ثقيل يخيم على الجميع. بعد مرور دقائق بادرت الرفيقة صبيحة الخطيب بتقديم التعزية، ثم أضافت بنبرة خافتة مرتبكة ومحتارة :
- هناك خبر سيئ آخر. انا متأسفة جدا ولكن ما باليد حيلة. الرفيق حامد الخطيب استشهد أيضا...
- يا ناس حرام عليكم... صرخت بوجهها بانفعال ولأول مرة أحس بدموعي في عيني... التفت الي الرفيق جميل منير، وهو زميل حامد في المدرسة حتى الثانوية ورفيق دربه لفترة طويلة في النضال السري وفي السجن. أخذ يدي بين يديه، ومن ثم عانقني، وترك الحديث لدموعه. لم يكن حامد مجرد رفيق عادي بالنسبة لي. لقد كان أول من حدثني عن هذا اليوم. وعن طريقه استلمت أول منشور سري، ودفعت له أول درهم تبرع، كنت قد سرقته من جيب سترة والدي، وحضرت بصحبته أول اجتماع حزبي.. قبل أن أودع الأصدقاء اقترب مني هشام وسأل :
- أهو من أهداني الشكليت ؟
- نعم !
عند الباب عانقني و سلمني وردتين وقال :
- لقد وعدت بان أرد له هديته. أتذكر ذلك ؟ لقد تأخرت كثيرا. لو قدر لي ان أعود الى العراق سأضع فوق قبره باقة من الورد. ولكن من يدري ؟ لو لم يقدر لي ذلك، فأرجو ان تعدني بانك سوف تضع وردة على قبره وأخرى على قبر حامد.
بالفعل لم يُقـَدَرْ لهشام ان يعود الى العراق. ولم يعد د.جميل ولم تعد د.صبيحة، وكذلك أم ذكرى والجباري وعطا الخطيب وأبو سلام. لقد ضمت أجسادهم أرض أوربا الباردة... كم أتمنى لو كان بوسعي ان أضع في هذا اليوم على قبر كل منهم ألف وردة ووردة...
حملت الوردتين عشرين عاما ورجعت بهما الى العراق لكني لم اهتدي الى قبر غسان ولا الى قبر حامد الخطيب حتى الآن...
في عام 1973 وبمناسبة أعياد تموز وقيام الجبهة لمحت صديقي الاسكندنافي في المظاهرة التي انطلقت من ملعب الشعب. تعانقنا بحرارة. عاتبني كثيرا فوعدته بزيارة الحانة في أقرب فرصة.
- سأكون بانتظارك... ودعني وانطلق يلحق بزملائه وضحكته تتبعه.
في عام 1974 وفي مثل هذا اليوم كنت مع مجموعة من الرفاق " المكشوفين "العاملين في المنظمات المهنية نقف باستقبال المدعوين الى قاعة الخلد للاحتفال بالذكرى الأربعين لتأسيس الحزب.. هنا تعرفت لأول مرة على أبو كاطع، من خلال الرفيق عادل حبة... تبرع الرفيق حبة بدعوتنا لشرب البارد ، فوافق أبو كاطع على قبول الدعوة بشرط ان يقسم الرفيق عادل بانه سيسدد الثمن من جيبه وليس من مالية الحزب. بقيت بصحبة أبو كاطع بعد ان حضر أحد الرفاق وأصطحب عادل جانبا. لم يكف ابو كاطع عن النظر في عيني ونحن نشرب البارد.
- ألم نلتقي من قبل ؟ فاجئني سؤاله ومع ان الجواب واضح لكني شعرت ببعض الارتباك فتلعثمت قليلا، لكنه عاد طرح السؤال. نظرت بعينيه وابتسمت. وبعد تردد قلت:
- لا تقل لي اننا التقينا في نقابة الفنانين.
- نقابة الفنانين ؟ يا ريت يا رفيق! هذه الأماكن مخصصة للأفندية مثلك ومثل رفيقك هذا. أما الفلح من أمثالي فلهم مواخيرهم الخاصة. ولكن دعنا من هذا. ألم تحضر الى مكتب " الثقافة الجديدة " عندما كان في شارع السعدون ؟
- نعم حصل هذا مرة واحدة فقط، وحتى لم أدخل الى داخل الشقة وعدت أدراجي من أمام الباب.
- تقصد هربت أيها الجبان. سلمتني القصة وهربت حتى قبل ان تلقي التحية. مد يده وأخذ بيدي وشد عليها، وأضاف: لا تغضب انا أمزح معك. أنا من طلب منك ان تبتعد فورا، لأن أحدهم كان يراقب المكتب... بالمناسبة القصة كانت رائعة.
- ان كانت قد أعجبتك الى هذه الدرجة فلماذا لم تنشرها؟
- انا عبد مأمور وانت تعرف ان المجلة ليست من أملاك الوالد. قالوا ان الظروف سيئة جدا ونشر مثل هذه القصة قد يثر حفيظة البعث. أعدك بانها ستنشر..
لم يفي أبو كاطع بوعده، واختفت القصة التي أعجبت هذا الأديب الكبير، ولم أعثر لها على أثر. كانت قصة قصيرة بعنوان " الرفيق الجديد "، ترجمتها عن اللغة الروسية . تدور أحداثها في مدينة روسية صغيرة قبل الثورة. تتعرض المنظمة الحزبية الى ضربة قوية فيتم القبض على عدد كبير من أعضاء الحزب، من بينهم غالبية أعضاء اللجنة القيادية. فجأة بدأت توزع منشورات جديدة ، أثارت استغراب من تبقى من أعضاء اللجنة، وحيرت البوليس السياسي. يستمر توزيع المنشورات في المدينة ويعود التنظيم الحزبي الى نشاطه تدريجيا. بعد أكثر من عام يتضح ان من كان يقف خلف النشاط الحزبي الجديد فتاة في العشرين من عمرها، ابنة أحد الذين تم اعتقالهم.
في عام 1981 أقامت رابطة الأدباء والصحفيين الديمقراطيين في المنفى احتفال تأبيني صغير في ذكرى أربعينية الرفيق أبو كاطع، في احدى الغابات القريبة من مدينة الجزائر. وقد كان لي شرف ان أساهم مع الصديق الشاعر خلدون جاويد في الاعداد لتلك الفعالية.
نعود الى قاعة الخلد. ها هو أبو حسين يقترب منا وهو يتوسط مجموعة من الرجال. تعانقنا بحرارة. همس في أذني :
- كيف حالك أيها الفنان ؟ ألا تريد ان أدلك على قاعة الخلد ؟ وقبل ان نفترق أضاف : سآخذ منك خمسة دنانير بعد انتهاء الاحتفال...
لم تسمح لي الظروف ان أفي بالوعد الذي قطعته لأبي يوسف بزيارته في الحانة إلا بعد خمس سنوات. في الحقيقة ليس للظروف شأن في هذا التقصير. إنه الإهمال، وعدم الاكتراث، أو اللامبالاة... في يوم 31 / آذار 1979 كنت في الحانة القديمة. كنت أعرف جيدا باني من البقايا التي تبقت من " المكشوفين " ، الذين تركهم رجال الأمن طليقين، من أجل ذر الرماد على العيون. ولكن كل الدلائل تشير الى ان يوم الحساب آت لا مفر منه. وكنا قلة قليلة من العاملين في الجمعيات المهنية، إضافة الى بعض الشخصيات المعروفة التي تتبوأ مناصب في المؤسسات الحكومية.. كان ذلك آخر آذار في العراق. لم يكن وجودي في الحانة هذه المرة مجرد صدفة. بل دخلتها مع سبق الإصرار. لا أثر لصاحبي. جلست في الزاوية القديمة، وطلبت الربعية ولوازمها الخفيفة.
جو الحانة ثقيل جدا. مذاق العرق كالسم لا يطاق. أخرجت من جيبي " طريق الشعب "، التي ما زالت تصدر بشكل رسمي، لكنها كانت تباع بصورة شبه سرية، وكان العدد مكرس للذكرى الخامسة والأربعين. تركتها على الكرسي ودفعته تحت الطاولة، وخرجت .
ركبت التاكسي وتوجهت الى البيت. قبل ان أنزل طلبت من السائق ان يواصل باتجاه مدينة الثورة. في منطقة جميلة تركت التاكسي وتوجهت الى بيت الرفيق القديم، الذي كنت قد اتصلت به في ذلك اليوم الذي دخلت فيه الحانة لأول مرة. عرضت عليه ان نحتفل سوية بالمناسبة. لكنه كان قد أعد كل شيء ليسافر الى أهله في مدينة القرنة. قبلها بشهر ين سألته، عن السبب الذي يمنعه من مغادرة العراق مع الكثيرين الذين اضطروا الى السفر. بدل ان أسمع الجواب سمعت منه السؤال ذاته. عند الوداع تعانقنا بحرارة. إحساس يراودني بانه لقائنا الأخير. وهذا ما كان بالفعل. بعد أقل من شهر تم اعتقاله، واختفى أي أثر له.. طيلة هذه السنين كان أملي باللقاء قائما. في أيلول عام 2003 حضرت مجلس العزاء الذي أقامته عائلته ، حيث اتضح انه استشهد تحت التعذيب. انه الصديق الرفيق د. حامد الشيباني، الذي أمضيت بصحبته نحو عشر سنوات سوية في جامعة موسكو، منها ثلاثة سنوات قضيناها معا في غرفة لا تزيد مساحتها عن خمسة أمتار مربعة... لم ألتقي ولا أظن باني سوف التقي بطيبة ووداعة وخفة دم هذا الانسان، مع انه كان من الوزن الثقيل. وقيل ان وزنه الثقيل هذا قد أراحه من عذاب التعذيب، حيث لم يتحمل قلبه طويلا فاستشهد مبكرا.
عدت الى البيت متعبا منهكا. مع ذلك في مساء ذلك اليوم كنت في نقابة المهندسين بصحبة زوجتي، لنحتفل بالمناسبة، مع رفيق قديم وزوجته.. كان وجودنا في نقابة المهندسين في تلك الأمسية نوع من التحدي. لكننا في الواقع كنا نتحدى أنفسنا ليس إلا. كان الرفيق قد أطلق سراحه قبل فترة وجيزة، بعد شهرين من الاعتقال وخرج وآثار التعذيب بادية على وجهه. ومع ان نقابة المهندسين لم تكن بحانة الكادحين القديمة، إلا ان جوها لم يكن يختلف عن جو الحانة. كان جو خانقا وكئيبا. كل شيء تغير في هذه القاعة الجميلة الفسيحة.لاحظت ان رفيقي لم يكن في حالة طبيعية. يشرب بنهم شديد وكأنه في سباق مع الآخرين، مع انه في العادة لا يشرب إلا القليل القليل. كان بعيدا عنا يسبح في ملكوت عالم آخر. حاولت زوجته ان توقفه عن الشرب وان تعيده الينا، لكنها فشلت..
ودعت رفيقي، الذي خبأني في داره بعد شهرين وساعدني على تدبر أموري، وفي طريق عودتنا مع زوجتي الى البيت قررت ان اعرج على بيت الرفيق أبو حسام، الذي يسكن غير بعيد عن النقابة. وأبو حسام هو بقايا آخر لجنة حزبية عملت فيها، بعد ان تناثر أعضاؤها بين معتقل وطريد وشريد داخل الوطن وخارجه. حاولت زوجتي ان تثنيني عن عزمي، لكنها لم تفلح.
- ان ما تقوم به هو الجنون بعينه. تصور لو ان أحدا في ساعة متأخرة كهذه قرر ان يطرق باب بيتنا. ما الذي يمكن أن يحصل ؟
- وما الذي يمكن ان تفعله دقات على باب بيتنا ؟
- سيقتلني الخوف لا محالة. اني أخاف من كل دقة في وضح النهار، ومن كل همسة أسمعها في الحديقة. ما ذنب زوجته، يمكن ان تفقد صوابها من الخوف في مثل هذا الوقت المتأخر.
- الجنون ؟ الشيء الوحيد المعقول في حياتنا اليوم هو الجنون.. الجرس الكهربائي عاطل.. كلت يداي من الطرق على الباب.. فرحت أترنم ببعض الشتائم . عدت الى السيارة وانا اردد :
- " طرقت الباب حتى كل متني ولما كل متني كلمتني "... وقبل ان ينطلق محرك السيارة، سمعت صوتا نسائيا خافتا مبحوحا قادما من السطح :
- من هناك ؟
ذكرت اسمي، بعدها انفتح الباب وخرج ابو حسام مسرعا مذعورا .
- ماذا حدث ؟
- لم يحدث شيء..كل ما في الأمر اشتقت إليك.. أردت ان أقول لك كل عام وانت بخير.
ينتمي أبو حسام الى فصيلة الأجسام المتقايسة " Isomeric "، أي الأجسام المتساوية الأبعاد في الاتجاهات الثلاثة – الطول والعرض والسمك. أما الآن وهو يقف أمامي بدشداشته البيضاء فهو أقرب الى بالونة منفوخة. بعد لحظات من الذهول استعاد توازنه ثم اقترب مني وأخذ رقبتي بين يديه وراح يضغط بقوة ويكرر :
- اشتقتَ الي أيها الوغد ؟ اشتاق إليك ناظم كزار عن قريب ان شاء الله.. أتعرف أي جحيم أشعل اشتياقك هذا في بيتنا ؟ تخلصت منه بصعوبة. وقبل ان أنطق بكلمة انقض علي وأخذني بحضنه وراح يقبلني، ثم قال :
- أيها الوغد ! أروع وغد رأيته في حياتي.
- جاءت زوجته ووقفت الى جانبه.
- أنا آسف وأرجو المعذرة.لقد حذرتني ان لا أقلقكم، ولكن ما باليد حيلة. كنت بأمس الحاجة الى مثل هذا اللقاء.. حاولت ان أبرر فعلتي المجنونة أمام أم حسام، ثم أضفتُ : لقد جاء صوتك من السطح. هل تنامون على السطح في مثل هذا البرد ؟
- لا تقلق ! الخوف من طرقاتك زودها بحرارة ستكفيها لمائة ليلة أخرى ، شبيهة بهذه الليلة المباركة.
تركنا النساء في البيت وانطلقنا بالسيارة. توقفت عند موقف الباص المقابل لنقابة الفنانين. كان الشارع خاليا تماما من المارة، باستثناء بعض السيارات التي تمرق أمامنا مسرعة. جلسنا على الرصيف ورحنا ندخن ونحن صامتين. لأول مرة نكون معا ولا نتحدث عن السياسة. رحت أروي له ما حدث هنا في مثل هذا اليوم قبل ثلاث عشر سنة. كأن كل شيء حدث بالأمس... أرى وجه أبو حسين، وأكاد أسمع ضحكة الاسكندنافي أبو يوسف في الحانة... بدا لي اني سمعت صوت أبو حسين وهو يجيب على سؤالي حول موقع نقابة الفنانين :
- في بيت خالتك.. العتب مو عليك... العتب على اللي دزوك... لست أنا من تبحث عنه.. لست أنا الذي تبحث عنه... لست أنا...
لكنني الآن، وأنا على بعد 11292 كم عن موقف الباص عند نقابة الفنانين، وبعد أربعين عاما من ذلك الآذار أقول لك : لا يا رفيقي! أنت من أبحث عنه يا أبا حسين..أين أنت يا صديقي الذي لم أتعرف على اسمه الحقيقي ؟ لو كنتَ تعلم كم أنا بحاجة إليك في هذه اللحظات !!! لو كنت تعلم كم انا مشتاق الى عشرات الرفاق الذين لم يُقدرْ لي معرفة أسمائهم الحقيقية!!!




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
https://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,236,177,988
- الشاعر البابلي والحلم الطوباوي
- عن السياب والشيوعيين مرة أخرى
- لميعة عباس عمارة تكتب عن السياب والحزب الشيوعي
- هل تتعارض الاشتراكية مع الطبيعة الإنسانية ؟؟
- الزمرد وعيون الأفعى
- صبري حافظ يكتب عن السياب الشيوعي -2 -
- صبري حافظ يكتب عن السياب الشيوعي -1 -
- لماذا الاشتراكية ؟ - 1 -
- اشتراكيون وليبراليون
- الحزب الشيوعي العراقي والقضية الفلسطينية
- عبد الناصر بين أضراس شامل عبد العزيز
- الأوربيون تعلموا الغزل من أسلافنا! أيعقل هذا ؟
- لماذا تراجعت قضية المرأة في العالم العربي ؟؟
- في الاشتراكية العلمية : الاشتراكية والبرمجة الوراثية
- - والقلب ما طاب جرحه - !
- في الاشتراكية العلمية : الطبيعة الإنسانية وكيف تتغير
- نانسي عجرم الرئيس الجديد لمجلس النواب
- أول الغيث مظاهرة البصرة
- حول الإعجاز العلمي مرة أخرى
- نأخذ العلم من عشاي وزغلول ! اعزف الناي ودق الطبول


المزيد.....




- بعد فرض عقوبات عليهما.. من هما القياديان الحوثيان منصور السع ...
- بعد فرض عقوبات عليهما.. من هما القياديان الحوثيان منصور السع ...
- الخارجية الألمانية تستدعي السفيرة المغربية ببرلين
- إنجي كيوان تنهي الجدل وتكشف حقيقة ارتباطها بعمرو دياب.. فيدي ...
- ملياردير يبحث عن مرافقين له في رحلته حول القمر
- العلماء يحذرون من عصر جليدي جديد: قد يتوقف -تيار الخليج الدا ...
- “المارد الأبيض والصغيرة” لـ”إنتصار عبدالمنعم”
- قطر وتركيا توقعان اتفاقيات للتعاون العسكري في ختام اجتماعات ...
- -مراسلون بلا حدود- تقدم شكوى جنائية ضد محمد بن سلمان بألماني ...
- -مراسلون بلا حدود- تقدم شكوى جنائية ضد محمد بن سلمان بألماني ...


المزيد.....

- بوصلة صراع الأحزاب والقوى السياسية المعارضة في سورية / محمد شيخ أحمد
- التقرير السياسي الصادر عن اجتماع اللجنة المركزية للحزب الشيو ... / الحزب الشيوعي العراقي
- شؤون كردية بعيون عراقية / محمد يعقوب الهنداوي
- ممنوعون من التطور أم عاجزون؟ / محمد يعقوب الهنداوي
- 14 تموز والتشكيلة الاجتماعية العراقية / لطفي حاتم
- المعوقات الاقتصادية لبناء الدولة المدنية الديمقراطية / بسمة كاظم
- الدين، الدولة المدنية، والديمقراطية / ثامر الصفار
- قراءات في ذاكرة عزيز محمد السكرتير السابق للحزب الشيوعي العر ... / عزيز محمد
- رؤية الحزب لمشروع التغيير .. نحو دولة مدنية ديمقراطية اتحادي ... / الحزب الشيوعي العراقي
- نقاش مفتوح حول اللبرالية واللبرالية الجديدة وواقع العراق؟ ال ... / كاظم حبيب


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - عدنان عاكف - حدث في مثل هذا اليوم