أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - أحمد الخميسي - البدين والنحيف














المزيد.....

البدين والنحيف


أحمد الخميسي

الحوار المتمدن-العدد: 2270 - 2008 / 5 / 3 - 10:29
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


منذ أكثر من مائة وخمسين عاما كتب أنطون تشيخوف واحدة من أشهر قصصه القصيرة " البدين والنحيف" يصف فيها كيف يشوه الثراء الفاحش والفقر المدقع نفوس الناس. ومنذ ذلك الحين تطور العالم كثيرا لكنه لم يتحسن ، كما تتطور آلة قاسية ويتحسن أداؤها ويزيد إنتاجها دون أن ينبض فيها قلب أو ينتفض الشعور. أصبح العالم أشبه بالقرية ، لكن ظل " البدين والنحيف " يخيم عليها وعلى ما بها من ثورة اتصالات ، وعولمة ، واجتياز حدود ، وعلوم، وأتمتة ، وذرة ، وزراعة أعضاء ، واستنساخ. ومازلت أذكر كيف أن الصحف لدينا – في مطلع القرن الحادي والعشرين وبعده - امتلأت بأسئلة من نوع " كيف ستدخل مصر القرن القادم " ، وتعددت الإجابات ما بين سيطرة على العلوم النووية ، وما بين ثورة زراعية ، وأخرى ثقافية ، ولم تنقض سوى أعوام قليلة لنكتشف أننا ندخل القرن الجديد بالاقتتال على رغيف الخبز وقطعة اللحم ! وهي قضية العصور الأولى البدائية ! ودخلنا القرن الجديد وليس على الأرض سوى ظلين ، ظل ضخم مهول لرجل بدين ، وظل آخر لرجل جائع نحيف كالشعاع . أما الرجل البدين فقد أقام بدنه بفئة رأسمالية تمثل 10% من سكان مصر وتحصل على 35 % من الدخل القومي ، ثم فئة متوسطة ، وأخيرا نحو عشرين مليون مواطن نحيف من الأجراء والعمال والحرفيين الذين يعانون من غلاء غير مسبوق في كافة المجالات ، وقد أشار إليهم تقرير للبنك الدولي حذر فيه من أن 43% من المصريين يعيش الفرد منهم بأقل من دولارين يوميا (عشرة جنيهات ). وفي الأول من يناير هذا العام ناقش مجلس الشعب 14 استجوابا و146 طلب إحاطة بشأن زيادة الأسعار ، وتدفقت وعود المسئولين تمني الناس بالخير، فإذا بالأوضاع تزداد سوءا من يوم لآخر. ومع مرور أكثر من قرن ونصف القرن على " البدين والنحيف " فإن شيئا بذلك الشأن لم يتبدل تقريبا . ومنذ نحو تسعين عاما كتب عباس العقاد بجريدة البلاغ في فبراير 1923 مقالا جاء فيه : " نشرت زميلتنا الأخبار خبرا جاء فيه أن مسجونا يخدم في حديقة أحد الموظفين الإنجليز أكل " طماطمة " واحدة ملقاة ، فما كان من السيدة زوجة الموظف الإنجليزي وقد رأت المسجون إلا أن أمرت الأونباشي الحارس أن يظل يضرب المسجون بالكرباج حتى تكلفه أن يكف " . وبعد نحو تسعين عاما ، نشرت جريدة المصري اليوم في أغسطس العام الماضي أن طفلة في التاسعة من عمرها اشترت بدون علم والدها كيس بطاطس فظل يضربها بعصا غليظة حتى توفيت، لأن ثمن كيس البطاطس الذي اشتهته الطفلة غالي عليه. التطور الذي عرفناه كان يتعلق فقط بتصنيع البطاطس، وبدلا من الصراع على حبة بطاطس كما هي ، أصبح الصراع على كيس بطاطس مصنعة . ويقال عادة : سد رمقه ، أي أطعمه بما يكفي لإنقاذه من الموت جوعا . ورمق الفلاحين والعمال والموظفين والفئات الأخرى المتوسطة في مصر رمق صغير تكفي لسده طماطمة واحدة، أو كيس بطاطس، أو رغيف خبز ، لكن هناك رمقا آخر كبيرا لرجل بدين يتضخم ويتوحش ولا تسد حاجته الملايين والمنتجعات وكل وسائل الراحة والتخمة وكافة ألوان المتع ، رمق لا يسده شيء . وحين كتب أنطون تشيخوف " البدين والنحيف " وصف الرجل الثري قائلا إنه " كان قد تغذى لتوه ، ولمعت شفتاه من الدهن كما تلمع ثمار الكرز الناضجة وفاحت منه رائحة النبيذ والحلويات" أما النحيل فقد وقف في محطة القطار وقد انبعثت منه : " رائحة لحم الخنزير والقهوة الرخيصة ". وتجلت عبقرية تشيخوف في قصته حين نحى جانبا الفكرة التي كانت سائدة حينذاك وهي الميل لاتهام الأثرياء ، وجعل المشكلة أعم وأشمل بصفتها مشكلة مجتمع ، ونظام ، يشوه الطرفين في عملية واحدة ، ويدمر الروح الإنسانية هنا وهناك ، فقد جعل الفقر النحيل يطفح " بالتبجيل والتعبير المعسول والخنوع " ، بينما تلمع شفتا البدين " كحبات الكرز الناضجة ". لقد أحال النظام الرجل النحيف إلي كائن مسحوق ، كما أحال الرجل البدين إلي كتلة من اللحم ، ودمر الروح وجعلها شائهة على الجانبين ، وخلال ذلك يفترش ظل البدين أرض بلادنا كلها .



#أحمد_الخميسي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كرم العنب تحفة عبد الوهاب الأسواني
- الفن والحياة الاجتماعية
- الأدب في خطر !
- حصان فلسطيني أحمر
- حدثونا الان عن السيادة المصرية !
- فيلم - حين ميسرة - عندما يولد الفن ولا يعيش
- مقالات د. محمد مندور
- أبوتريكة يسجل هدف التعاطف مع غزة
- الدب الروسي يثير القلق
- الشاعر أحمد حجازي و - استحالة حوار -
- بنات علم وكرامة
- البكاء على الأشرطة الأمريكية
- رحيل رمسيس لبيب
- فرصة سعيدة
- تشيخوف والمثقفون .. نص لم ينشر
- الخطر الذي يهدد الصحافة المصرية
- في محبة الوهم
- من أطلق لرصاص على هند علام .. لكي أشكره ؟
- من أطلق الرصاص على هند علام ..لكي أشكره ؟
- من الأردن إلي شيكاغو


المزيد.....




- نظارات ماكرون الشمسية تعود.. ما قصتها؟
- فضل شاكر أمام إخلاء سبيل محتمل: كيف بدأت القصة وأين وصلت؟
- رداً على تصريحات ترامب.. رئيسة وزراء الدانمارك: غرينلاند ليس ...
- -الأوكتاغون-.. أكبر مجمع عسكري في العالم في بلد يئن من الفقر ...
- دواء سريع الفعالية للحساسية
- تحذير من منتجات أطفال خطرة تُباع عبر منصات التسوق الإلكتروني ...
- روسيا تؤكد استمرار تقدم قواتها على جميع جبهات القتال وتكبيد ...
- سبح حتى الإرهاق ثم اختفى.. مصرع المؤثر الأمريكي كونور ميرفي ...
- النوم والصحة الجنسية.. دراسة تكشف رابطا مهما لدى الرجال
- موناكو.. استمرار التحقيق في محاولة اغتيال الأوليغارشي الأوكر ...


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - أحمد الخميسي - البدين والنحيف