أنجيرونا- صرخة الصمت الفاجع البليغ


شاهر أحمد نصر
الحوار المتمدن - العدد: 8881 - 2026 / 11 / 6 - 22:47
المحور: الادب والفن     

حينما يحار النّاس وحكماؤهم، ويرتابون في التعبير مباشرة عمّا يشوّه حياتهم، غالباً ما يلجؤون إلى لغة كليلة ودمنة الرمزية، ويدفعون مهمشيهم إلى النطق بلسان حالهم، بحثاً عن الحكمة وما يريدون تصويره، ليصبح المهمشون في هذه اللحظة لسان حال الحكماء... هذا ما لاحظته في رواية "أنجيرونا" للروائية المغربية المتميزة ليلى مهيدرة، التي يدفع أسلوبها الأدبي الرشيق والجذاب القارئ إلى أنْ يرى جمال روح ليلى، وشخصيتها الفذّة ترافقه عبر كلمات الرواية وسطورها، وشخصياتها، وفي ثنايا الأحداث والصور الفنّية وألوانها، فيجد نفسه شخصية من شخصيات الرواية؛ إذ يتعاطف مع تلك الشخصيات، ويتوق إلى الأخذ بيدها، ومواكبة الكاتبة، والسعي معاً إلى خلق فضاء اجتماعي إنساني عادل معافى يسمو بإنسانية الإنسان، ويصون حريته وكرامته...
ليلى مهيدرة، كما جاء في شابكة الانترنت الدولية، "كاتبة مغربية عضو اتحاد كتاب المغرب، وعضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية، ورئيسة مهرجان القصة القصيرة بمدينة الصويرة، فازت بلقب "شاعرة القدس" من جمعية القدس للتنمية المقدسية، لها مؤلفات ودواوين شعرية عدة،منها:
"وشوشات مبعثرة"، و"هوس الحلم"، ورواية "رائحة الموت"، و"ساق الريح"، و"أنجيرونا"...
أنجيريون في الأساطير الهندوسية هي مجموعة من الكائنات السماوية من نسل إله النار أغني والإلهة أغنيا وهما المسؤولان عن مراقبة البشر وهم يؤدون الياغا...
وأنجيرونا، أو أنغيرونا هي إلهة قديمة جداً في الأساطير الرومانية، أشاعت عبادة الشمس..." وهناك من يعرفها بإلهة الصمت لدى الإغريق...
في رواية "أنجيرونا" تتآلف الواقعية مع الخيال، وتترافق شذرات البحث في تداعيات الإنسان النفسية مع الفلسفة، والأدب وعلم الاجتماع على لسان حارس مرآب في بناية سكنية مهمش لكنّه قارئ نهم ومهتم بمختلف أنواع الكتب: "بعد أنْ اختليت بعشتي أدركت أنني لا أختلف كثيراً عن الفيل نيلسون، وربّما لست وحدي؛ فكلّ واحد منا غارق في كم من القيود الوهمية، التي تربطنا في هذا العالم، ولم ندرك أنّ تحررنا منها أمر بسيط لا يكلفنا إلا اليسير من الجهد..."ص 110 إنّما، على الرغم من أنّ تحررنا أمر بسيط لكننا لا نتحرر فما السبب؟
هل ذلك ناجم عن قوة تحالف الفاسدين عالميا؟ وتضعضع معسكر الداعين إلى الحرية والعدالة الاجتماعية، والساعين إلى بناء المجتمعات على أسس ديموقراطية سليمة متحررة من سطوة راس المال؟ "هل الخطأ في اليسار، أم في اليساريين؟ كيفما كان الأمر؛ المشعل خافت اليوم، ربّما يعاني سكرات الموت... ليس في بلدنا فقط، إنّما في العالم أجمع..." ص 112 في مدينتي مناضل يساري لا يستطيع أنْ يتجاوز عتبة بيته، وصوته لا يكاد يُسمع."ص 119 لكنّ هذا المأزق لا يمنع بطل الرواية من الحلم والسعي إلى إعادة صياغة العالم، ولو نظرياً: "يروق إلي أحياناً إعادة ترتيب الأمور في العمارة والمرآب، وإعادة توزيع للثروة والامتيازات، وحتى الأبناء، تالياً السعادة والفرح..." ص 118 "تمنيت أن أجلسهم (سكان مدينتي) واحداً واحداً على هذا الكرسي (كرسي حارس المرآب) ليلة واحدة حتى يستطيعون رؤية أنفسهم وعالمهم على نحو مختلف، فالأسّرّة الدافئة مع فكر بارد لا تفي دائماً بالغرض، والحياة التي اختاروها بأدق تفاصيلها، لا تمنحهم دائماً ذلك المتسع من الوقت للتعمق في دواخلهم، للبحث عن أشياء سقطت منهم في الطريق من دون أنْ ينتبهوا لها، لقد قتلتِ الرتابةُ كلَّ شيء... ص120 كل المصطلحات التي تتجاوز إحساسك بعدم الراحة، هو أمر مشترك بأن تكون منبوذاً، أو تكون منبوذاً... ص120 ربّما هذه أحد الأسباب التي تدفع زوجة شيخ العلاج بالرقية إلى مضاجعة ذلك المهمّش، الذي لا ترى فيه إنساناً نداً، بل وسيلة للثأر لكرامتها من إغفال وإهمال زوجها واضطهاده لها، وهذا، حسب رأيي، ليس طبع النساء كما يفهم من حديث المضاجع، بل هو طبع النّاس جميعاً من الذكور والإناث... فــ"النّاس يحبّون أن تراهم كما يشاؤون هم، لكنّهم لا يدركون أنّك لن ترى منهم إلا ما تريد أنت، إنّها عبثية غريبة... ص120 والحياة مسرح للعبث والتناقض والازدواجية: "التوازن الداخلي مبني على شيء واحد هو الحياة المزدوجة؛ صورة للآخر، وصورة خفية تمارس فيها تسكعك، وانحرافك وهلوستك، وعادة ما يكون الوجه الثاني هو الصادق والعفوي، وجه مخصص للمقربين جداً، أو الغرباء جداً؛ ثنائية غريبة."ص 132 كما أنّ حياة النّاس العاديين تكسبهم خبرة تجعل اللقاء بهم ولو لحظات مثمراً ومفيداً فائدة قراءة كتاب رصين: "الإسكافي أيضاً كان من هدايا الليل، من الهدايا التي تجود بها الشوارع المظلمة ليلاً لتلقنك درساً ثم تختفي..."ص 145 إذ لقنه درساً من دروس الحياة ألا تثق بأي أحد..
تجري أحداث الرواية في مسارات عدة واقعية وخيالية، عبر صراع الإنسان لإثبات ذاته، والاعتراف به "لن أسأل من أنا... فأنا لم أعد أنا، والحفر في قعر الألم ألم".ص163 هل الإنسان مسؤول وحده عن مصيره، أم ثمّة أسباب موضوعية تدفعه في هذا المسار أو ذاك؟ لعلّنا نجد ما يجيب عن استفساراتنا في سؤال بطل الرواية صديقه وزميله في المصير الهامشي حارس الخمارة:
"- كيف وصلت إلى هنا؟
- الهجرة أولدي، الهجرة... لم نتعلم الاهتمام بأرض أجدادنا وبالزراعة، تركنا الشيوخ هناك وجئنا للتشرد هنا على الأرصفة... بغينا المدينة وهي مابغتناش..."ص183
أما المسار الرئيس الآخر في الرواية فهو: "الصمت"! الصمت يخيف الجميع إذ تكمن في أحشائه شتى الاحتمالات... "هو متيقن أنّ صمتي كاف لتعرية الأسئلة في داخله..."ص139
بعد عثور رجال الشرطة على حارس البناء مرمياً في أحد الشوارع، يبدؤون استجوابه: "لكنّ الضابط كان مشمئزاً منّي وهو يكلمني... طريقة كلامه دفعتني إلى التحدي، كنت في قرارة نفسي أجابه نفسي بحقيقتي، وأدرك مسبقاً أنني لو أخبرته بها لن يصدقني، أنا نفسي لا أصدّق نفسي؛ أنا نفسي لم أعد أنا؛ أقصد الأنوات التي كنتها..."ص190 ...أنا كلّ الشخصيات التي مررت بها، أم أنا الذي قرر في لحظة ما أنْ يضع نهاية لكل ما سبق ويهرب من دون أن يدري إلى أين؟ص190 ثم يهديه الطبيب النفساني طرساً من الورق وقلماً آملاً أن يكتب مكنونات نفسه: "الكتابة وسيلة للتحرر..."ص140 لكنّه آثر الصمت:
"أنا الذي قررت أنْ أحارب العالم بصمتي، أجدني الآن وحدي المحارب به."ص142
"هل يجب علي أنْ أرحل؟ أنْ أترك لهم كلّ هذه الحياة البائسة وأرحل بعيداً؟ هي ليست حياتي في أي حال فلم البقاء؟"
تبقى الأم هي حبل السرّة الذي يربط مصير البطل، ويتغلغل في ثنايا دماغه ومتن الرواية: "أمي قلبت حياتي من دون أنْ تأمرني..."ص189 لعلّ ظلّ الأم في لاشعوره يُفسّر عودته بعد أشهر إلى مكان عمله السابق فيتعرف إلى هوياته الشخصية الجديدة التي نسجها النّاس حوله: "اللص الخائن، الابن العاق، الشاب الذي خان أخاه وسرق حلمه"، والشائعات حول سفره إلى الخارج، فيعينون حارساً بديلاً عنه...
"تركت الحارس الجديد وبقي في حلقي سؤال جديد:
"هل تأكد سفري إلى الخارج؟ أم أنّ الأمر لا يعدو كونه شائعة؟
إذا كان الآخر الذي كنته الآن في اعتقاد من عرفوني قبلاً قد هاجر خارج البلاد؛ فمن أكون أنا إذاً؟"
وتتداعي الأسئلة الوجودية التي يجد ليس المهمشون وحدهم، بل جميع القراء أنّهم معنيون بها، وتلامس وجودهم في زمن الاغتراب وعالمه، ليسأل كلّ امرئ نفسه، من أنا: "أنا الذي كنت أعيش فائضاً عن الهويات، أجدني فاقداً لهويتي... هممت على وجهي... كنت مخلوقاً غريباً لا كينونة له ولا هوية... تركوني ليلة كاملة على كرسي يتيم خارج المكتب، كان الكلّ ينفر مني بما في ذلك المعتقلين... تساءلت هل قدرنا أنا وأبي أن نتلبّس بعائلات ليست منا في شيء؟ عائلات لم نختر أنْ نكون مسؤولين عنها لكننا نُرغم على ذلك؟... كيف كبلتني الظروف إلى أسرتي وجعلتني حصان عربة يجرهم نحو النجاة؟"ص195 هكذا وجدتني في مشفى الأمراض العقلية...
إذا أقررنا أنّ عالمنا في هذه الفترة التاريخية أضحى بأكمله منبعاً لمختلف الأمراض بما فيها العقلية، فالأجدى به أنْ يتحول إلى مشفى للأمراض العقلية، يعالج أبناءه وحكامهم معاً؛ لعلهم يستمعون إلى ناقوس الخطر الذي يدقه المبدعون من كتابه...
ليلى مهيدرة لقد أبليت في ملامسة ألامنا فأبدعت...
6/11/2026