هواجس ثقافية


شاهر أحمد نصر
الحوار المتمدن - العدد: 8686 - 2026 / 4 / 23 - 00:17
المحور: الادب والفن     

أمام المثقفين، واتحاد الكتاب، ومختلف المؤسسات الثقافية مهمات مضاعفة...
مضى أكثر من عام على دحر منظومة الفساد والاستبداد والطغيان، التي دمرت مقدرات الوطن، وكبحت نموه وتطوره، وشوّهت الإنسان، وكلّ ما هو جميل في هذا الوطن... ولقد فرحت سوريا وغالبية الشعب السوري لهذا الحدث العظيم، إذ فتح أبواب الأمل لبناء دولة المواطنة التعددية التداولية، دولة القانون والعدالة... وعلى الرغم من هول ما جرى خلال فترة ما بعد سقوط الاستبداد، وسبب الألم والحزن، وطغا على فرحة السوريين – الذي يتطلب المساءلة في إطار تحقيق العدالة الانتقالية لمحاسبة جميع المسؤولين عن سفك دماء السوريين، ونهب مقدراتهم منذ بداية الملحمة السورية حتى تاريخه - يقتضي الواجب الوطني أنْ تتضافر جهود السوريين جميعاً لتحقيق مهمة النهوض بالبلاد، والبدء بعملية التنمية الشاملة، وبناء وعي وطني سليم، لدحر الفساد، وجمع الشتات، وجبر الواهن...
لقد أسهمت منظومة الاستبداد والفساد، التي استمرت عقوداً، في تحطيم الإنسان ووعيه السليم، وتشويه الثقافة والفنّ والأدب، وفي إنتاج أدب ضحل مشوّه، لم يخلُ أغلبه من النفاق، لدى عدد من الكتاب... وتظلّ معالجة هذه المعضلة، مهمة ليست سهلة، تتطلب الموضوعية ورهافة الوجدان والحذر، وفي الوقت نفسه تتطلب، كي نتخلص منها ومن آثارها في الوجدان العام وفي وجدان الأدباء أنفسهم، عملية نقدية أدبية عميقة وواسعة، ومساءلة بمنزلة المحاسبة، واعتراف من أخطأ بأخطائه، وقبوله للمساءلة والمحاسبة المبنية على قواعد ومعايير وطنية، وأدبية، وأخلاقية سليمة، لإعادة الثقة بينهم وبين المجتمع، كيلا يحذو أحدٌ حذوهم، أو يسلك منهاجهم، ولحماية المجتمع من آفة النفاق، بتعزيز منظومة القيم الأخلاقية، والبدء بمرحلة جديدة من العطاء والإبداع... وينبغي ألا تعيق هذه العملية اتحاد الكتاب من تفعيل دوره في العملية الثقافية والتنموية في بلادنا، وواجب الكتاب في الدفاع عن حرية التفكير والتعبير، ونشر قيم المحبّة، والحرية، والجمال...
لقد تجلى تشوّيه الثقافة، والأدب، والمؤسسات الثقافية، من قبل منظومة الفساد والاستبداد، ومن سار في ركبها، في دأبها إلى نشر منهج اللون الواحد المقيت، وتصحير منابع الثقافة والمعرفة؛ ما أسهم في انتشار الجهل والأمية الثقافية، ولا سيّما، في صفوف الشباب لتهيئة أجيال مستعدة لتكون حطباً في محرقتها دفاعاً عن وجودها غير الشرعي، وقد ترافق ذلك التصحر الثقافي والانغلاق مع هيمنة النزعات المذهبية، والطائفية المتعصبة الزاعمة امتلاكها الحقيقة، والمعادية للآخر، التي تهدد السلم الاجتماعي، ومستقبل الوطن عموماً... ولقد فاقمت ذلك التصحر سنوات الحرب العجاف ضدّ الشعب السوري، التي استمرت حوالي عقدين من الزمان، وخلّفت أجيالاً من الشبّان خارج العملية التعليمية والثقافية، وتربى قسمٌ كبير منهم في فضاء العنف وكراهية الأخر...
هكذا غدت مهمة نشر ثقافة ووعي اجتماعي وطني سليم جديد ينسجم مع متطلبات بناء سوريا الجديدة، وعصر المعلوماتية مسألة ملحة، لكنّها مهمة عسيرة نظراً لهول مآسي وتبعات عملية نشر الجهل الممنهج باعتباره والجهلة سلاحاً بيد الفاسدين، الذين يتباهون بعدد مناصريهم من الجهلة مغسولي الدماغ كسلاح فعّال في أيديهم - كما بينت تجربة النظام البائد - وستظلّ أي مهمة تنموية تصطدم بهذا الحاجز الصفيق من الجهل، وضعف الوعي والتعصب، ولا سيّما، بعد عقود أفرغت طوالها منظومة الفساد والاستبداد البائدة المجتمع من المؤسسات الثقافية الفاعلة، واستبدلتها بمؤسسات النفاق، والتطبيل والتزمير، التي سقطت مع سقوط تلك المنظومة، وحلّ فراغ كبير، ينبغي معالجته ورأبه على نحو سليم كيلا تستغله قوى الظلام والجهل، والطائفية الانعزالية، التي يهدد انتشارها وغلبتها مستقبل بلادنا ووحدتها.
إنّ عملية إحصائية بسيطة لعدد المهتمين بالشأن الثقافي في مدننا وقرانا ينبغي أن يجعلنا نصاب بالهلع، فكم عدد المراكز والمنابر والمؤسسات الثقافية لدينا، وكم هو زهيد عدد أصدقائها ومريديها، فضلاً عن ضآلة نسبتهم، وتأثيرهم في المجتمع؟
ويعود إلى الأذهان السؤال الأزلي:
ما العمل؟
ما العمل لتجاوز تركات السنين العجاف، وتلك المرحلة المظلمة البائسة، التي أودت بمجتمعنا إلى الحضيض، وما السبيل للتأسيس لحالة اقتصادية اجتماعية تنموية، ونشر ثقافية إبداعية حقيقية تضمن عدم تكرار تجربة الفساد، والاخصاء، والاستبداد؟
إنّ إبداع حياة جديدة في حاجة إلى تفكير جديد، وأساليب عمل جديدة، لنشر وعي اجتماعي وطني سليم جديد، بعيداً عن النفاق، ومسرحية التطبيل الجوفاء، ما يستدعي ابتكار رؤية ثقافية إبداعية، وخطة عملية متكاملة تعدّها هيئة ثقافية عامة تضّم مفكرين ومثقفين وطنيين يُشهد لهم بإبداعهم، وغيرتهم الوطنية، وعمق رؤيتهم الإبداعية لوضع ومتابعة تنفيذ تلك الخطة التنموية الثقافية الشاملة، للنهوض بالوعي الثقافي لدى أبناء مجتمعنا، تشمل جميع الشرائح الاجتماعية من سنّ الطفولة والشباب حتى الكهولة، وتهتم بالبحث عمّا يجمع السوريين لا يفرقهم، فكم من الأخوة "أوغرت صدورهم، وفي قلوبهم تغلي مراجل العداوة"، التي ينبغي إخمادها بترك المسائل والخلافات الشخصية جانباً، والارتقاء بأساليب التفكير، ومناهج العمل لحسن استثمار الوقت والزمن...
إنّه لمن المفيد، والضروري أنْ يبادر اتحاد الكتاب بالتعاون وزارة الثقافة والمؤسسات والهيئات المعنية بالشأن الثقافي لتشكيل هذه الهيئة الثقافية العامة ووضع خطة عمل، والسعي إلى تنفيذها، وأنْ تسهم في نجاح هذه الهيئة المركزية في العاصمة هيئات ثقافية في جميع المحافظات، ومن المفيد أنْ تضم هذه الهيئة في عضويتها سيّدات وسادة من المؤسسات الرسمية ومن خارجها ممن يحيي وجودهم العملية الثقافية في البلاد ويغنيها، ويمكن اقتراح أسماء شخصيات محددة في حال تبني هذا المشروع... وأنْ تتضمن خطة عمل هذه الهيئة وبرنامجها ومهماتها أهدافاً محددة وسبل تحقيقها، وتمويلها، منها، على سبيل المثال:
- الإسهام في وضع الخطط التنموية الشاملة لبلادنا، وسبل تنفيذها في الحياة العملية، لأنّ الاهتمام بتأمين لقمة العيش والحياة الآمنة الكريمة، وتأمين فرصة عمل تسبق اهتمام الغالبية العظمى من أبناء المجتمع، ولا سيّما الشبّان، بالثقافة، فالشباب يبحثون عن فرص عمل لتأمين لقمة عيشهم، وبناء مستقبلهم أولاً، فإنْ لم يجدوها سعوا إلى الهجرة...
- إحياء المؤسسات والمنابر الثقافية، وتحويل اتحاد الكتاب والمؤسسات الثقافية والمثقفين إلى خلايا إبداع فاعلة ومنتجة، وتطوير تلك المؤسسات لتتفاعل مع مختلف شرائح المجتمع، ومع مجموعات ثقافية تهتم بنشر الوعي والثقافة في كلّ حي وقرية في بلادنا، والتواصل معها باستمرار ودعم نشاطها...
- تنظيم وافتتاح منبر إلكتروني لنشر خطة هذه الهيئة الثقافية وتفاعل المثقفين المهتمين بتنفيذها وتقديم الاقتراحات، والمبادرات والأفكار لتطويرها...
- نشر الثقافة الإبداعية والكتب الغنية بمضمونها المعرفي والأخلاقي الإنساني، والجمالي النبيل بأسعار تتناسب مع دخل المواطنين، وتشجيع نوادي القراءة، وتنظيم مصادر تمويل هذه العملية.
- ابتكار أساليب ووسائل فنية إبداعية تجذب الشبّان إلى الأنشطة الثقافية وتحفزهم للمشاركة فيها، كالمسابقات الأدبية، وتقديم أجور مجزية عن الكتابات الإبداعية، والسعي إلى إقناع مؤسسات المجتمع المدني وفاعلياته للإسهام في تنفيذ وتمويل، وإنجاح هذه الخطط... إنّ النهضة الثقافية في أي بلد من البلدان لم ولن تُبنى بمعزل عن الفعاليات الاقتصادية، ودعمها في مختلف العصور...
- تنظيم ندوات سنوية في المؤسسات الثقافية في جميع المناطق والمحافظات تعيد دراسة أدب عمالقة الفكر والأدب في سوريا في أيام تسمى بأسمائهم: كأيام أبي العلاء المعري، وعبد الرحمن الكواكبي، والمتنبي، وشعراء عصر النهضة والاستقلال، والمفكرين السوريين في العصر الحديث كعمر أبي ريشة، وبدوي الجبل، ونديم محمد، وعبد المعين الملوحي، وعبد السلام العجيلي، ونزار قباني، وطيب تيزيني، والياس مرقص، وسعيد حورانية، وميشيل كيلو، وصادق جلال العظم، وبرهان غليون، وغيرهم...
- مراقبة ومساءلة المعنيين عن تنفيذ خطط العمل هذه عبر وسائل الإعلام والهيئات الثقافية، والسعي إلى الارتقاء في مستوى السجالات التي تشهدها الساحة الثقافية لتكون غنية ومفيدة، وحسن الاستفادة منها بتحويلها إلى سجالات فكرية إبداعية، وليس سجالات شتائم وعداوة وانتقام...
إنّ هذه الأفكار والمقترحات العامة في حاجة إلى نقاش وإغناء للوصول إلى أفضل السبل لتحقيق المهمات المضاعفة أمام المثقفين، واتحاد الكتاب، ومختلف المؤسسات الثقافية للنهوض بالوعي الاجتماعي والثقافي، وحسن استثمار الزمن، هذا الزمن العصيب الذي ينبغي لنا أن نحوّله إلى زمن المبادرات والعمل؛ بدلاً من الترقب، والتفرج، والانتظار...