القراءة وفرص العمل (أمامنا طريقان)


شاهر أحمد نصر
الحوار المتمدن - العدد: 8667 - 2026 / 4 / 4 - 00:19
المحور: الادب والفن     

(موجز المداخلة التي ألقيت في لقاء المهندسين الشباب مع فعاليات علمية واقتصادية في فرع طرطوس لنقابة المهندسين)

نشكر لكم حضوركم، ونشكر فرع طرطوس لنقابة المهندسين، ولجنة الشباب في النقابة لحسن تنظيم هذا اللقاء المهم بين المهندسين الشباب وعدد من أصحاب الفعاليات العلمية والاقتصادية في المحافظة، الذي يعبّر عن نهج جدّي في عمل فرع النقابة، ويستحق الشكر والثناء...
إنّه لأمر ممتع ومفيد أنْ نستمع إلى مهندسين متميزين يقدمون تجاربهم وخبراتهم إلى المهندسين الشباب، ويفتحون لهم أبواب العمل والتفاؤل بالمستقبل، وهذا لعمري، في ظروفنا الراهنة، ضروري ليس فقط للمهندسين الشباب، بل ولنا نحن الكهول أيضاً، ولا يسعنا إلا أنْ نشكر كلّ من يقدم مبادرة للنهوض باقتصاد وطننا، وبمستوى حياة أبنائه، في هذه الظروف الصعبة بعد سنوات عجاف من الفساد والاستبداد والحروب التي نجمت عنها...
اسمحوا لي أنْ أتناول جانباً موازياً - أزعم أنّه متممٌ لمبادراتكم - إذ إنّه يبحث في بناء الجانب الثقافي والروحي للإنسان، وهو عماد بناء الاقتصاد والتنمية...
إنني أؤيد الرأي القائل إنّ مهمة المهندسين، وأصحاب المهن العلمية لا تنتهي بحصولهم على شهاداتهم، وممارستهم مهنهم؛ بل ينبغي لهم الاستمرار في البحث العلمي في تخصصهم العلمي، وألا يقتصروا على ميادينهم في مهنهم، بل يتجاوزوها إلى غيرها من الميادين الثقافية، لأنّ الثقافة العامة تُعدّ قاسماً مشتركاً بين النّاس، وينبغي لكلّ صاحب مهنة، أنْ يشارك في الثقافة الإنسانية العامة التي توسع أفقه.
لقد جاء الإسهام في تشكيل "نادي اقرأ مع أصدقاء اتحاد الكتاب العرب" مع مجموعة من الأدباء والمهندسين استجابة لهذه الرؤية.
عقد الاجتماع التحضيري لمؤسسي "نادي اقرأ مع أصدقاء اتحاد الكُتّاب" في يوم الأحد ١١ /١ / ٢٠٢٦ بمبادرة من فرع طرطوس لاتحاد الكتاب العرب ومجموعة من سيدات وسادة مهتمين بالشأن الثقافي، نوقشت خلاله الأسس التنظيمية والخطوط العريضة لخطة عمل النادي، واتفق المجتمعون على أنّ هذا النادي هو تجمع ثقافي تطوعي، يهدف إلى تنمية الوعي الثقافي والقراءة، وتعزيز الحوار الأدبي والفكري، ونبذ العنف، والتعصب والطائفية والتمييز، ودعم الحركة الثقافية المحلية والعالمية...
الأعضاء المؤسسون: رجاء عمار ، سامي يوسف، عبد الله السيد، غسان سليمان، غفران سليمان كوسا، غنوة مصطفى، مالك صقور، محمد علي، لينا حمود، يارا حاج حسين، المشرف العام للنادي: شاهر أحمد نصر، رئيس فرع طرطوس لاتحاد الكتاب العرب: منذر يحيى عيسى.

بتاريخ 24 شباط 2026 أقرت الهيئة التأسيسية لنادي اقرأ بأغلبية أعضائها خطة عمل النادي، لعام 2026 تتضمن أنشطة متنوعة لتنظيم ندوات حول كتب، وكتاب، وموضوعات تهم القراء وتحفزهم إلى القراءة، يمكن الاطلاع عليها في موقع النادي في شابكة الانترنت الدولية...
يسعى النادي إلى توسيع أنشطته بمشاركة مؤسسات رسمية وجمعيات مدنية، فكانت زيارة وفد من النادي إلى كلية الآداب في جامعة طرطوس لتنسيق أنشطته الأدبية، وقد نشر مقال عن تلك الزيارة في موقع النادي... وقد كانت تلك الزيارة مبعث تفاؤل لتحسين نشاط النادي، وعزز ذلك التفاؤل الصدى الإيجابي لإطلاق مشروع النادي، وحسن تعاون مختلف الجهات مع هذا المشروع، بما في ذلك فرع طرطوس لنقابة المهندسين، الذي رحب بتنظيم نشاطات مشتركة في النقابة...
إننا نعلم أنّ مشروعنا الثقافي في حاجة إلى توافر بيئة سليمة كي يصل مبتغاه، ويحقق أهدافه، وأننا وحدنا لن نستطيع تحقيق المعجزات... على الرغم من ذلك نسعى إلى الإسهام في التأسيس لحالة ثقافية تفاعلية تنهض بالوعي الاجتماعي، ونتمنى لو تنتشر ظاهرة نوادي ومنتديات القراءة لتشمل كلّ نقابة ومنظمة، وبلدة، وقرية، وأنْ تسهم تلك النوادي في تفعيل مشروع طرطوس محافظة معرفة تراثية ثقافية وتنموية ونجاحه لتنمية مجتمعنا، وتحقيق العيش الكريم لأبنائه، والتفاعل مع عصر المعلوماتية، عصر عمومية المعلومة، والحرية والتغيير على نحو سليم...
قد يتداعى سؤال إلى أذهاننا: أننا هنا للبحث عن فرص عمل للمهندسين الشباب؛ فما الجدوى من الحديث عن القراءة في هذه المناسبة؟.
إنني أتفهم هذه الأسئلة، وأعلم أنّ الهاجس الرئيس لدى الشباب هو تأمين فرص عمل... هذا يُظهر أهمية هذا اللقاء؛ ويُشكر فرع النقابة، وكلّ من أسهم في نجاحه، إنّما ينبغي التنويه إلى أنّ هذه اللقاءات لن تعالج وحدها مسألة توفير فرص عمل لجميع المهندسين الشباب، ولن تكتمل هذه العملية إلا في فضاء سليم ترعاه دولة متحضرة تهتم بعملية التنمية الشاملة، بما فيها بناء الإنسان والارتقاء بوعيه، وبالوعي الاجتماعي عموماً، وتبقى القراءة والثقافة من الوسائل المساعدة في إنجاز هذه المهمة.
إنّ تأمين فرصة عمل والحصول على مرتب جيد، وجمع ثروة مسألة جيدة في الحياة؛ إنّما هل هذا يكفي لكي يعيش الإنسان حياة كريمة؟
لقد كان برنارد شو محقاً حينما قال: "في عالم مليء بالقبح والشقاء، لا يستطيع أغنى الأغنياء أنْ يشتري سوى القبح والشقاء"... ما جدوى أبهى القصور وقد أحدقت به الهموم؟

هذا يبين أهمية القراءة والثقافة والفنّ، وضرورتها لنشر قيم المحبّة والجمال المعينة للإنسان في مواجهة القبح، والجهل؛ فالقراءة والثقافة الحقيقية تعزز جانب الخير والمحبّة لدى الإنسان، وتعلّمه أنّ المحبّة والكرامة الإنسانية أغلى ثروات العالم... إذا أردتم تحرير جماعة من همجيتها، ينبغي غرس المحبّة في صفوف أبنائها... مهما راكم الإنسان من ثروات إنْ لم يعرف قلبه المحبّة، وإن لم تغمر الكرامة روحه؛ فسيظلّ يشعر أنّ شيئاً جوهرياً ينقصه...
إنّ القراءة الرصينة والجادة تساعد الإنسان في النجاح، وتغني مناهج تفكيره، وتصقل أخلاقه وتهذبها، وتبعده عن التعصب والتخندق الأعمى في مواجهة أخوته في الوطن، وتُسهم في إزالة البغضاء من القلوب، وتُآلف بينها، وتعينه في فهم المستقبل، وتبين مخاطر تشكل ساحتين متنافرتين في مجتمعنا: ساحة تنوير، وساحة جهل وتجهيل تُسهم في إحياء الفساد والاستبداد، وما يحمله ذلك من مخاطر على المجتمع بأكمله وفي مقدمته الشباب، فتضيع كلّ هذه الجهود التي تبذل لتحسين واقعهم...
تعلمنا القراءة أنّ أساس معالجة مختلف مشكلات المجتمع، وتنميته، وإيجاد فرص عمل للشباب يكمن في صيغة الدولة التي نعتمدها ونبنيها... وأنّ أمامنا، كما مختلف الشعوب، طريقين في بناء الدولة والمجتمع:
- طريق الجهل، والفساد، والاستبداد والهمجية البائد، الذي أودى ويودي بالبلاد والعباد إلى الهلاك والدمار..
- طريق الحضارة والتنوير وبناء دولة المواطنة والمؤسسات وسيادة القانون، على أسس متحضرة تنسجم مع متطلبات عصر المعلوماتية والذكاء الصنعي؛ طريق يُسهم سلوكه في معالجة أزماتنا، ومشكلاتنا، وتنمية بلادنا، وإيجاد فرص عمل واعدة للشباب.. ما يتطلب مزيداً من العمل والنهوض بالوعي الفردي والاجتماعي، والسعي إلى إنجاح خطط بناء الدولة العصرية، وهذه مسؤولية سلطة الدولة وأبناء المجتمع معاً؛ فمن غير المعقول المطالبة بحياة كما في ماليزيا وسنغافورة، وفي الوقت نفسه الاستغراق في النوم، والانكفاء عن تقديم أي مبادرة للبناء والتطور، والعمل على تحقيقها...
إنّ ما يدفعني إلى التفاؤل أننا نعيش في عصر المعلوماتية، الذي لا يمكن أنْ تسود فيه مفاهيم الانغلاق، والجهل والهمجية، والعيش في الماضي...
أجدد شكري لفرع طرطوس لنقابة المهندسين، وللجنة الشباب، وللمشاركين في هذا اللقاء، متمنياً لوطننا مستقبلاً زاهراً يزيد الشباب تمسكاً به وبأبنائه...