لينا حمدان شاعرة الندى والوجدان الصادق


شاهر أحمد نصر
الحوار المتمدن - العدد: 8879 - 2026 / 11 / 4 - 16:11
المحور: الادب والفن     

ترتاح النفس الإنسانية لدى سماع لحن أصيل، أو الاستمتاع بهمس حفيف أغصان شجرة وارفة آن يرفرف عصفور محلقاً في جنباتها معرجاً نحو سمائها، أو سماع حديث شاعر أو شاعرة صادقة تروي قصة عشقها الشعر، وتخبرنا من شجّعها وأخذ بيدها لتتحفنا بعذب عطائها كرقرقة جدول صاف تنساب مياهه انسياباً هادئ الخلجات، وطوراً في شلال ندي تتلألأ قطراته كلجين يتهادى براقاً على سطح بحر رقراق في ليلة مقمرة صافية... هذا ما أتحفتنا به شاعرة الندى والوجدان الصادق لينا منير حمدان، التي يشرفني أن أسمعكم صوتها الندي عبر كلماتها الصادقة في حديثها عن تجربتها في الشعر والحياة قبل أنْ تنقلنا إلى "ما وراء الضباب"...
"لينا منير حمدان - إجازة في الآداب ( قسم اللغة العربية ) - عملت مدرّسة لمدة ستة و عشرين عاماً.. قبل أن أقدّم استقالتي تبعاً لظروف شخصية .
كان والدي (المحامي الشاعر منير حمدان) قدوتي وأستاذي الأول في ميزان الحقّ والوعي الفكري والأدبي والوطني والإنساني.
اكتشفت أنني أكتب شعراً عبر موضوعات التعبير الإنشائي في المرحلة الإعدادية بفضل انتباه مدرساتي واهتمامهنّ ...
أحببت القراءة والمطالعة الثقافية عامة.. والشعرية خاصة من خلال مكتبة والدي، الذي شجعني جداً عبرها على مزيد من التنوع والتساؤل، وتالياً الانتباه والوعي للحياة.
مولدي كان في حلب، وطفولتي الأولى في دمشق، ثم انتقلنا إلى حمص (مدينة المحبّة )، وكبرت عمراً وقلباً وروحاً عبر حجارتها السوداء وهوائها العليل، والرفقة الطيبة ما بين الأقرباء، و الجيران؛ إذ صارت تسكنني حتى بعد أنْ تزوجت، وانتقلت للسكن في طرطوس "حسب ظروف عمل زوجي"، الذي كان هو الآخر الرجل الذي دعمني وآمن بموهبتي، وشجعني، وطبع لي مجموعتي الشعرية الأولى: (ظلال من نور) في أوائل تسعينات القرن العشرين..
وكان الشاعر الكبير المرحوم: "حامد حسن" قد نصحني يوم زرته في فرع طرطوس لاتحاد الكتاب العرب بالانتساب للاتحاد مؤمناً بما قرأه من قصائدي... فكان لي هذا بعد إصدار مجموعتي الثانية: (شواطئ الليل).
وكنت عبر هذه السنوات أشارك بالحضور، من ثم بالتقديم عبر المنصات في المراكز الثقافية، وفروع اتحاد الكتاب عبر المدن السورية المتنوعة في: حمص، طرطوس، اللاذقية، دمشق، حلب، إدلب والحسكة....
... بعد سنوات عدة أُصدِرَتْ مجموعتي الثالثة: (أمواج)... ربّما كان للبحر الفضل الأول في إخراجها وتسميتها.
أعترف أني انشغلتُ ضمن ظروفي الخاصة: الأسرة والأولاد من جهة.. والظروف العامة المحيطة من جهة ثانية، وتأخرت بٱصدار مجموعتي الرابعة: (يوم احتراق الذاكرة)؛ لكنّها أخيراً خرجت للنور بعد حوالي عشر سنوات من المجموعة السابقة عام 2015.
جاءت ولادة المجموعة الخامسة: (ما وراء الضباب) عام ألفين وثلاثة وعشرين، وقد وُقعّت هذه المجموعات الشعرية عبر منصات المراكز الثقافية، واتحاد الكتاب في طرطوس، وحمص ودمشق برفقة وطيب مشاركة عدد من الزملاء الأدباء.
الجدير بالذكر أنّ معظم قصائدي تنتمي إلى شعر التفعيلة؛ ربما لأنّه الأقرب إلى روحي وطبيعتي.. أو ربّما لأن أجمل ما قرأته قديما وتأثرتُ به كان للسيّاب ونازك الملائكة.. وشعراء الوطن المحتل.. علماً أنّ كثيراً من الصفحات تتدفق فيها الأوزان العامودية والبحور المعروفة، إنما من دون قصد مسبق؛ فأنا أترك القصيدة تنمو على طبيعتها وحسب إيقاعها النفسي والفكري العفوي.
طبعاً هذا لا يلغي وجود كثير من النثر الوجداني، الذي أتركه يولد بلا تدخّل، أو تحريف.
ربّما من الجدير بالذكر أنّ موضوعات القصائد عامّةً وجدانية.. إنسانية.. اجتماعية ووطنية طبعاً.
لم يشغلني وهج المهرجانات، والمسابقات، والجوائز الشعرية، على الرغم من أنّ الظروف دعتني لبعضها مثل: مهرجان المحبّة في اللاذقية، ومهرجان المربد في العراق، ومهرجان الأدب النسائي في مسقط - عُمان.
حالياً... جلّ اهتمامي بمواهب الأدباء الشباب، ومن أحلى اللحظات، تلك التي أكتشف فيها اسماً شاباً جديداً، وأستطيع أنْ أقدّم له رأيا مفيداً، أو تشجيعاً يُثمر فيما بعد تميّزاً وإبداعاً.
شيء أخير يمكن أنْ أعتبره البصمة التي أعتزُّ بها و لا أتخلى عنها أبداً لكل مَن يسألني انتمائي أنّ هويتي (( سوريا ))."
إنّ حياة شاعرتنا الغنية - في كنف أسرة جادة يرعاها والد نبراسه الثقافة، والحقّ والوعي الفكري والأدبي والوطني والإنساني، وزوج شهم يقدر موهبة زوجته ويرعاها، وتحررها من آفة سعي البعض إلى نيل الألقاب والمناصب الزائفة - أسهمت في صقل شخصيتها المتميزة، وفي توقها إلى الصدق، والعدالة، والحرية، والمحبّة، والجمال، ونبز الوصوليين والمتسلقين، وأجواء الانتهازية التي تطغى وتسمم الوسطين الثقافي والاجتماعي... كما أنّ انتماءها إلى شعر التفعيلة، والتزامها بالموضوعات الإنسانية النبيلة أكسب شعرها جمالاً ورونقاً متميزاً، وحفظه من لوثات أصابت شعر كثر من المتبجحين، وسطحيتهم الفارغة... فأتحفتنا بقصائد وجدانية جميلة صادقة تفيض من نبع عذب أصيل، يميز شاعرة متمكنة لونت شعرها بجمال روحها الغني بالمحبّة، وتجارب الحياة، وينابيع الثقافة متعددة المشارب والألحان...
تتجلى وجدانيات الشاعرة لينا منير حمدان في مختلف أعمالها الشعرية، ومنها مجموعة: "ما وراء الضباب"؛ إذ لا يسعك إلّا أن تقف خاشعاً أمام ذاتٍ ربّما هي ذاتك، أو الـ نحن، وربّما هي الآخر، الذي عبر قبلنا "عتبة السور"، بل هي ذات الجميع، يرددون يوماً ما:
"أترى نصدّقُ أننا ما عاد يجمعنا الصدى ....؟!.."
....
"ماذا سنكتب بعدها
في صفحة الذكرى لتشهد أننا كنّا هنا
والأمس.. أحلام الصبا كانت لنا
ولنا على وهنٍ ملامح غربة كادت تلوح للنهار...؟!"
وتتدفق الصور والذكريات في جداول رقراقة متفاوتة الأعماق والنغمات، تتاخمها عناوين اختيرت بأناقة فيـ"ما وراء الضباب" لتتناغم مع نصوص وجدانية يؤالف صدقها وشفافيتها القارئ مع النص كأنّ ذكرياته وتساؤلاته الوجدانية تنساب من بصيرته أمام مقلتيه:
"يا دربُ كيف تضيق بي
فيما تراب الأرض يندهني..
.. وقد أودعته عنوان أصحابي..
.. .. ومشوار الطفولة لاهثاً..
وحنين أهلي.. ..!!؟"
تخال النصوص سهلة بسيطة، إنما حينما تفكك مفرداتها تجدها مسبوكة على نحو يخلق من تآلفها أنغاما وصوراً منسجمة مع المعاني المضمرة، التي يرمي إليها النص (بل الشاعرة) في تناغم بين الرمز والواقع، بين الخيال والملموس بين الماضي والآتي:
"قديماً.. يوم أحزنني صدىً يجري
هناك على ضفاف الحزن كالنّهرِ
...
صحوت .. وقد تغلغل بي على مهلٍ
لهاث النّور يطفئ عتمة السّهرِ
...
كما الأيام تمضي لا ضفاف لها
كما الجوري يندى آخر السّهرِ
على مهل تصبُّ الروح أشرعةً
تسافر بي وتنسى وجهة السفرِ".
تحية إلى الشاعرة لينا منير حمدان، التي أرى في حضورها الهادئ الرصين - كالجندي المجهول - عَلَما شاهداً على أنّ كثيراً من الحبّ والجمال في بلادنا يستحق الحياة.
4/11/2026