أيها الإنسان الأصيل القادم من أعماق الحياة


شاهر أحمد نصر
الحوار المتمدن - العدد: 8829 - 2026 / 9 / 15 - 10:06
المحور: الادب والفن     

أيّها الراحل بعيداً، والكامن في شغاف القلوب!
أيا صديقي الجميل؛ لماذا لم ترحل بصمت كما يرحل كثيرون؟!
لماذا ناديتني يوم رحيلك، وألححت بالنداء؟
"- أريد أن أراه؛ إنني راحل"؛ كان ذاك تفسيرك لإلحاحك في النداء...
هذا ما ترويه الإنسان الجميلة الصبور الغالية أم مكسيم...
ما أصدق، وما أعمق تلك الكلمات، وما أقساها...
إنني لا أبني علاقتي على العواطف، فلماذا تؤجج عواطفي؟
لماذا أودعت في صدري جرحاً لا يندمل؟!
جرحاً أوسع مدى من اتساع حدقتي عينيك حينما رنوت إلينا، أنا وأم نوار، إذ لبينا النداء؟!
جرحاً أبلغ من حشرجات صدرك، التي أصررت، أنْ تسمعنا إياها، قبيل الرحيل؟
ما السّرّ من هذه العلامات؟!
لماذا تحمّلني كلّ هذا الحبّ، والعناء الذي يثقل الجبال؟! ويجعل دموعي تنهمر مطراً يقطر ملحاً نقياً لا ينقطع، يذكّرني بملح الطعام الذي تقاسمناه معاً...
آه، أيا ملح طعامنا! كم كنت ممزوجاً بالمرارة، والحبّ، وسعادة العمل والعطاء، والشقاء والألم؛ إذ قررت، يا صديقي، في البحث كأي إنسان حقيقي عن لغز الحياة، وناضل لإثبات ذاته، كي يعترف الجميع بوجوده، وبأنّ أبناء الفقراء إنْ سلكوا طريق العمل السليم والثقافة الإنسانية الحقيقية، يغنوا الحياة، ويتفوقوا على كثير ممن يظنون أنفسهم أغنياء... هكذا قررت ألا تكون على هامش الحياة، بل أنموذج الإنسان الحيّ الفاعل المحبّ للعمل والثقافة والعطاء؛ يحرث الأرض مع الفلاحين، ويجبل البيتون مع العمال، وينهل من منابع الثقافة الإنسانية مع المثقفين، ويقرن الثقافة النظرية بالعمل والممارسة اليومية...
إنّك لم تكتفِ بمحبّة قراءة الكتب؛ بل سعيت إلى تعميمها على أبناء مجتمعنا آملاً أن يرتقوا ويغنوا وجودهم...
آه، كم كنت تود أنْ تزين أحلى المكتبات جدران منزلك، لكنّك آثرت أنْ يغدو بيتك المتواضع في قاسيون الشام، وأينما حللت، مضافة للأحبة، والمحتاجين، وأغنى القصور، وفندقاً لأبناء ضيعتك الفقراء، ووطنك عموماً؛ إذ كان أصدقاء وضيوف بيت أبي سلام المتواضع (القصر) من جميع محافظات القطر عرباً وأكراداً، ومن مختلف الأصول القومية والدينية، وآثرت تأمين لقمة لضيوفك على شراء الرفوف لتستريح عليها كتبك، التي توزعت على الأسرة، وفي كلّ زاوية من زوايا بيتك، الذي ظلّ نبعاً لمن يريد اقتناء كتاباً مهماً أو رواية لــ: حنا مينة، عبد المعين الملوحي، سعيد حورانية، شعراء فلسطين والعرب: السيّاب، درويش مظفّر وغيرهم، والأدباء والمفكرين العالميين: ناظم حكمت، مكسيم غوركي، ارنست همنغواي، ماركس ، أفلاطون، وكل كاتب جاد... كأنّك تردّد: بني قومي؛ العمل، الثقافة، الجمال والمحبّة هي الملاذ والمنقذ... نعم كنت أنموذج الإنسان الحقيقي، الذي جاء من أعماق المجتمع، وسعى إلى نهضة أبناء شعبه والإنسانية...
لقد علمتنا الحياة أنّ هناك كائنات بشرية مهما أُطريَتْ، ونُفخَتْ، وبُجِلَتْ و(أوسِمَتْ) يظلّون أتفه التافهين، وثمّة أناس مهما عانوا، وظلموا، وقست عليهم الظروف يظلّون منارات متلألئة يُشار إليهم بالبنان كالجنود المجهولين، عاشوا حياة غنية مثمرة، إنّها حياة وتجربة أناس حقيقيين جديرة أنْ تُدرس، وتنال حقّها، ويُستفاد منها...
أجل إنّ نهجَك في الحياة، ونهج كثيرين ممن جاؤوا من أعماق المجتمع والحياة، وقاوموا كلّ أشكال الفقر والجهل، وعملوا على الارتقاء عملياً وثقافياً، وسعو إلى السمو بإنسانية الإنسان، فكانوا منارة حقيقية إذ قرنوا الأفكار النظرية بالممارسة العملية؛ نهجٌ جدير أنْ تُستقى من دروسٌ مفيدة للأجيال...
لقد كنت أنموذجاً فريداً من جيل زيّنه شبانٌ لم ينصبّ اهتمامهم على كيفية تحسين حياتهم الشخصية، أو كيفية العيش بطريقة أسهل؛ بل على كيفية الارتقاء بالمجتمع وتحقيق العدالة الاجتماعية والسعادة العامة، واحتملوا العيش في فقر مدقع، لقاء السعي إلى الغنى الروحي؛ وإلى قيامة المجتمع كطائر الفينيق من الرماد؛ وجهدوا إلى صنع شيئاً مهماً وجميلاً وعظيماً من اللاشيء...
كم أحببت الحياة، يا عاشق الحياة، وردّدت وراء فيروز، ووديع الصافي، ونصري شمس الدين، وصباح، وأم كلثوم، وعبد الوهاب، وفريد الأطرش، والشيخ إمام، وغيرهم أحلى أغانيهم، ساعياً إلى نشر الجمال، والمحبّة، والفرح، والسعادة حيثما مررت وحللت، كأنني أسمعك تدندن وراء نجاح سلام:
"من زمان وزمان ... هالقمر ما بان
ميل تنشوفك ولنه شي دقيقة زمان"
أو شدو وديع الصافي:
"طلّ الصباح وتكتك العصفور سهرنا وطولنا بنومتنا
...
ليكي الجدايا هدهدوا المعبور..... وخربوا مطاعيم كرمتنا
عيطيلك صوت ع الناطور... معزة أبو طنوس خربتنا"
وتتبعها بألحان فؤاد غازي:
"لزرعلك بستان ورود.... وشجره صغيرة تفييكي"
بعد أنْ تكون فيروز قد أحيت صباحك، وأودعت أم كلثوم أجمل كلمات الحبّ واللحن الأصيل في ذاكرتك قبل سهدك...
من حق الصفصافة، ومن حقّ من عرفك أنْ يفخر بك وبأمثالك كظاهرة متميزة، لا أنْ نكتفي بحفل تكريم، بل من واجبنا أنْ نصون تلك الظاهرة، ونهجكم، وتوقكم إلى الرقي بإنسانية الإنسان عملياً وثقافياً، وننميها بنشر قيم المحبّة والجمال والحرية، وصون كرامة العاملين، والعمل والعطاء والجهد الإنساني النبيل...
لقد حدث كثيراً أنني وإيّاك اختلفنا في تقويم مسألة ما، ولم يخلُ الأمر أحياناً من الخذلان، إنّما هذا لم يفسد للودّ قضية، فالإنسان المجبول بالعمل، والعطاء، والثقافة، والمحبّة وقرن الأفكار النظرية، التي يحملها، بالممارسة الحياتية اليومية يعلو على الصغائر؛ إنّه جزءٌ من ملح الحياة، هذا ما تُقْتَ إليه، يا ملح الحياة...
علي محمد برو، يا أبا مكسيم الجميل الأصيل، أيا محبوب الصفصافة والشام، وكلّ من عرفك، يا من كنت كريماً في عملك وحياتك، يا من أحببت النّاس، وأحبّوك، مثال النّاس الطيبين، ستبقى ذكراك أصفى من قطرات الندى، وأعطر من بيادر الورود، التي زرعتها، ورويتها بعرق جبينك الكريم طوال حياتك...
هل قسوت عليك، كما قست الحياة عليك؟!
هل أنا أكفّر الآن عن ذنبي؟!
لست أدري؛ إذ لا أجد تفسيراً لماذا أنا حقاً في حيرة شائقة؛ لماذا تسبقني دموعي لتملي عليّ مداد أحرفي هذه، التي أخطّها إليك... إنّك لا، ولن تغيب عن بالي؛ وسيظلّ حبّك مزروعاً في وجداني...
آه؛ يا صديقي، إنّي أعلم أنّ كلّ كلام في هذه المناسبات أجوف، فهل أجرؤ على القول:
أيّها الإنسان الأصيل القادم من أعماق الحياة!
أيّها الراحل بعيداً، والكامن في شغاف القلوب!
سلام عليك!
نِمْ قريرَ العين، أيّها النسر الجميل!