من أرشيفي الورقي / ديمقراطية النعم نعم


صلاح زنكنه
الحوار المتمدن - العدد: 8860 - 2026 / 10 / 16 - 15:47
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     

في الاستفتاء الأول عام ١٩٩٥ والذي أجراه صدام حسين الشخصية على منصب رئاسة الجمهورية استفتاء (الزحف الكبير) كما اسماه، وقد أربك العراقيين وأقلقهم, وجعلهم يزحفون زرافات زرافات إلى صناديق الاقتراع الصوري خوفا وهلعا من بطش أزلامه الذين روجوا شائعات غرائبية لترهيب الناس، حيث أشاعوا أن داخل كل صندوق ثمة كاميرا سرية تصور المستفتي وبطاقته، والإعدام في انتظار كل من يجرؤ ويكتب (لا) وهكذا راح الموظفون من طاقم حزب البعث يتحكمون بالبطاقات ويؤشرون بأنفسهم على كلمة (نعم) في جميع الأحوال شاء المرء أم أبى, لكن أحد المواطنين وهو معلم في مدرسة ابتدائية في منطقة (العبيدي) لم يرق له الموضوع فطالب الموظف بالبطاقة ليمليها بنفسه كونه ليس أميا ولا يحتاج لمن يقوم بذلك الأمر نيابة عنه.
رضخ الموظف الحزبي المطلب المعلم الشرعي وأعطاه البطاقة, أشر المعلم بثقة وكبرياء على كلمة (لا) ورماها في الصندوق وغادر المركز الاستفتائي وهو فرح بفعلته البطولية لأنه أرضى ضميره, وبعد ثلاثة أيام بالكمال والتمام استدعي المعلم المسكين إلى مقر الفرقة الحزبية، وأستجوبه الرفيق أمين سر الفرقة وجرى الحوار التالي:

- الرفيق / بعد فرز البطاقات وجدنا بطاقة واحدة فقط مؤشرة بــ (لا) ولدينا معلومات أكيدة بأنك صاحب هذه البطاقة.
- المعلم / ومن أين عرفتم بأنني صاحب هذه البطاقة ؟
- الرفيق / لأنك الشخص الوحيد في المركز وفي المنطقة كلها استفردت ببطاقتك وأشرتها سرا.
- المعلم / هذا صحيح وأعتقد أن هذا أمر طبيعي وهو من حقي.
- الرفيق / لا ليس من حقك لأن جميع المواطنين الشرفاء يثقون بالقيادة والحزب، ولذلك كان رفاقهم يؤشرون بطاقتهم نيابة عنهم, استثناءك.
- المعلم / حسنا لقد كنت مخطئا.
- الرفيق / أو تدري أن هذا الخطأ يؤدي بيّ وبك إلى الإعدام, أيها المغفل ترى لماذا كتبت (لا) ؟
- المعلم أليست الديمقراطية تعني الخيار بين نعم أو لا أيها الرفيق.
- الرفيق / اخرس يا أحمق, الديمقراطية تعني في مفهومنا نعم نعم للقائد صدام حسين.
- المعلم أنا آسف, لقد فهمت الديمقراطية وسوف لن أكرر الخطأ.

وبعد أيام اختفى المعلم واختفت أخباره والى الأبد.
وفي الاستفتاء الثاني عام ٢٠٠٢ تجرأ احد المواطنين الشباب في مدينة بعقوبة منطقة (التحرير) حيث راح يهتف عبر مايكرفون المركز الاستفتائي (لا لأميركا, لا للطغيان, لا للديكتاتورية, لا لصدام المجرم) فانهال عليه في الحال رجال الحزب والأمن, وأشبعوه ضربا بأعقاب البنادق, ثم أوثقوه ونقلوه إلى مديرية أمن ديالى, وبالرغم من ذلك فاز الرئيس القائد بنسبة ١٠٠%، وعلى عناد أميركا.
جريدة الصباح 5 / 9 / 2004