لاجئون بلا حدود


صلاح زنكنه
الحوار المتمدن - العدد: 8502 - 2025 / 10 / 21 - 22:27
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     

جريدة الصباح 25 / 10 / 2004
كنت أظن لفرط سذاجتي، ما أن يسقط النظام الاستبدادي ويزول الكابوس الذي جثم على صدورنا حتى يحتشد على الحدود آلاف العراقيين المغتربين وخصوصا أولئك الأدباء والكتاب والشعراء والفنانين الذين لوعتهم الغربة ولسعتهم جمرة الحنين إلى الأهل والأحبة والأصدقاء, كونهم أكثر حساسية من غيرهم إزاء محنة النفي القسري الذي طال أمده، يشدهم شوق عارم الى العراق الجريح الذي حملوه بين أضلعهم.

أجل كنت أظن عودتهم زرافات زرافات ليكحلوا أعينهم ببهاء الوطن ويتنسموا هواءه ويتيمموا بترابه، ويغرفوا من ماء دجلة والفرات بعد طول غياب وفراق، لكن ظني قد خاب تماما بعد شهور وشهور وأنا في حيرة وذهول، فالذين عادوا فرادى هم قلة قليلة من الملايين الأربعة الكثيرة مقارنة بنفوس العراق، ومعظمهم من ذوي الكفاءات العلمية والطاقات الفكرية والثقافية والاعلامية ويشكلون بمجموعهم نخبة متقدمة وممتازة في شتى مجالات الحياة, وبهم وبقدراتهم يكتمل ويتكامل العقل العراقي والوجدان العراقي من أجل ترميم المستقبل الذي نرنو اليه بشغف كبير، وقد تحجج البعض من هؤلاء بمعضلة العمل والسكن والأولاد والمشاريع المعلقة هناك لذا سرعان ما شدوا الرحال ثانية الى منافيهم بعد أن سئموا التفجيرات والاغتيالات وشحة الماء والكهرباء والهواء، وبعضهم أعلن صراحة بعدم تحمله الأجواء الخانقة والخراب وأنه جاء لمجرد جولة سياحية حاملاً كاميرته الثمينة ليلتقط صورا تذكارية.

وقد تألمت كثيراً لمصير بعض الأدباء اثناء زيارتي لعمان في نيسان ۲۰۰۲، وهم يتكالبون على أبواب مفوضية شؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، ويتبارون في نسج الحوادث والحكايات المأساوية والغرائبية لغرض قبولهم بصفة لاجئين، ومنهم من كان يمني النفس بالعودة الى ربوع الوطن خلاصاً من الذل والهوان.

وقبل أسابيع كنت في عمان بصحبة القاص شوقي كريم والاعلامي أحمد المظفر، وكالعادة ذهبت الى مقهى" السنترال " وسط البلد والتقيت ببقايا الأصدقاء من الذين لم يسعفهم الحظ في الحصول على اللجوء، بعد أن فقدوا المبرر المشروع بزوال الدكتاتورية، لكنني فوجئت بل صعقت بأمر هؤلاء الذين كانوا يدعون حتى يوم أمس بانهم مضطهدين وملاحقين من قبل النظام قد غيروا افادتهم بل غيروا جلودهم وادعوا بأنهم في خطر ولا يستطيعون العودة الى العراق كونهم محسوبين على النظام وأعوانه, والأدهى من ذلك قدموا تقارير ووثائق مزورة وابتدعوا قصصاً كاذبة تدعم صحة ادعاءاتهم لكي تقتنع لجنة المفوضية وتقبل لجوؤهم، وقد تم لهم ذلك وهم الآن بانتظار تأشيرة السفر الى البرازيل واستراليا تحديدا.

ولما استغربت فعلتهم المشيئة هذه، برروها بذرائع واهية ليس آخرها الوضع الأمني وكأنهم أفضل من هذه الملايين من العراقيين الشرفاء الذين يعايشون الوضع ويتحدونه ما دامت هناك مساحة من الحرية، وخطوات نحو الديمقراطية ورؤية جادة لبناء العراق واعماره والنهوض به من تحت ركام الرماد كما العنقاء.