ثلاث شهادات محبة


صلاح زنكنه
الحوار المتمدن - العدد: 8384 - 2025 / 6 / 25 - 00:13
المحور: الادب والفن     

1- الروائي مروان عباس.
صلاح زنكنه هذا الاسم العراقي الثائر حتى على نفسه إن تطلب الأمر، المغاير حتى بقصة الشَعر، شعره الطويل المنسدل على كتفيه كما لو أنه قصة قصيرة وما يتساقط منه علي كتفيه من خصل ما هي إلا شخصيات حكم عليها بالموت بلحظة مزاج سيء، بلحظة جنون دون أي سبب ... هذا الاسم الذي يحيلك بداهة إلى السرد المتقن فائق اللذاذة, وحتما ستجبرك هذه الحلاوة لا شعوريا على الافراط في تناول المزيد منها ولكن لا تخف فهي صحية جدا وموصى بها من خبراء التغذية السردية؛ لأنها لا تشعرك بالتخمة مطلقا, بل على العكس تماما فهي من أهم الوجبات الغرائبية التي يحتاجها العقل والذوق، غير أن هناك شرط مهم عليك أن لا تنساه ما دمت قد قررت الدخول لهذا العالم المختلف, وهو أن لا تحاول التذاكي بالتنبؤ وسير الأحداث و أن لا تثق بالمسلّمات التي تعودت عليها؛ لأنك ستكون ضحية دهشة (زنكنيه) لم تعهدها تجعل من عقلك الذي تظنه فطنا, ساذجا لحد لا يطاق؛ وهذا ما لا أريده لك, لكني أعدك بأنك ستكون واحدا من شخصياته التي يتلاعب بها وتنتظر بفارغ الصبر لمعرفة مصيرها المجهول كما أبطال قصصه الذين لا يعرفون أأنهم قداديس أم أباليس؟ عاهرات أم نبيات؟ وهذا مالا تستطيع أنت أيضا اكتشافه الا بعد قراءة أخر سطر من كل قصة, إن من أبرز ما يميز (صلاح زنكنه) السردية الممتعة والساخرة التي يحاول بها إعادة ترتيب هذا العالم القبيح وخلق عالم جديد، عالم خال من الظواهر التي لا تمت للبشرية بصلة سوى الهيأة، ظواهر تجعلك تشعر بالخجل من كونك آدمي... سردية لا تجعلك تشعر بالضجر علاوة على البساطة الأنيقة التي يلبسها لكتاباته لتكون أكثر وسامة وفهما, فهو لا يخاطب طبقة محددة ولا عمرا معينا بل يُخاطب الجميع بآن واحد؛ فلغته البسيطة وحدها من تملك هذا السحر فطوعها لإكمال بناء عالمه الذي يشتهيه، العالم الذي طالما حلم به.
ومن الواضح انه يؤمن جدا بوعي أو دون وعي بما قاله تولستوي (إذا أراد الفن أن يكون أصيلاً، فلا بد أن يكون مفهوماً، لا سيما هؤلاء الذين يخاطبهم)

2- الشاعر راسم ابراهيم.
لم أشاهد صلاح زنكنه سابقا ولم التقِ به يوما إلا أنني قرأت له كثيرا من القصائد في بعض الصحف والمجلات الثقافية, وكنت أتمنى أن التقي بهذا الشاعر وكان لي ما أريد .. حين صحبني أحد الأصدقاء في عام ٢٠١٢ الى اتحاد أدباء ديالى وتشاء الصدفة إن يكون على مقربة مني .. وتساءلت مع نفسي، هذا صلاح زنكنه ؟ وتأملته من أعلى رأسه حتى أخمص قدميه .. كان هادئا وديعا قليل الكلام لا يجامل أحدا أبدا.. يعتني بملبسه محافظا على رشاقته وشعره الكثيف متدليا على كتفيه .. رحب بي كثيرا بعد أن عرفته بنفسي، وقرأت بعض نصوصه التي حفظتها سابقا.. فقدم لي دعوة مفتوحة لحضور أمسيات الاتحاد, ثم قدمني أكثر من مرة على قراءة بعض قصائدي على منصة الاتحاد .. وقدم لي بعض من دواوينه الشعرية التي كانت بمجملها تعج باللوعة والشوق وتزخر بالغزل والحب كأنه يعيش بحلم لا ينتهي أبدا.. وقصيدته هذا الولد في ديوانه (هذا الولد مولع بالنساء) كان مصرا على العيش بحياة هو يختارها كما تشتهي روحه العذبة, وفي قصيدة أخرى من نفس الديوان يعط، نصائح للعشاق، أن يتمسكوا بزمام المرأة جيدا، كي، لا تفلت منهم وهذا لعمري شيء لابد أن يدرس بشعر صلاح زنكنه بعد أن أخذ زمام المبادرة وأستولى على عرش الحب.
مما تقدم فصلاح زنكنه يعد من أبرز الكتاب العراقيين المعاصرين, فأساليبه الشعرية تتميز بالعمق، متأثرا بالثقافة العربية لكونه يعتمد على اللغة العربية الفصحى وعلى الرموز والاستعارات، كذلك اهتمامه بالتقنيات الحديثة مثل التكرار والتشبيه، مهتما بالمشاعر الوجدانية من حيث تناوله مواضيع الحب والغزل بروح تميل الى الشجن وتقتش عن خفايا أكثر في أسرار النساء لقصائد متمردة .. علما أنني لست ناقدا إنما هي معلومات لا أكثر بحق شاعرنا القدير وأرجو أن وفقت بذلك.

3- القاص عباس خلف.
تناولنا اليوم 10 / 1 / 2025 أدب القاص (صلاح زنكنه) كما هو مقرر لهذا الأسبوع.
قلت في بداية الجلسة إن أغلب قصص الكاتب تعتمد على المفارقة (الخيال الممزوج بالواقع) في تثوير واقع النص، فهو يمتلك ذهنية ثاقبة في موجهاته الأسلوبية التي يتقن فيها تركيب الجملة الشعرية الملغزة بالإيحاء لتؤدي وظيفتها الفنية في الإضاءة، وهذا ما وجدناه في أغلب أعماله القصصية مثل (كائنات صغيرة) و(عائلة الحرب) و(الصمت والصدى) و(ثمة حلم, ثمة حمى) وغيرها من الأعمال التي تتميز بالاستفزاز على الرغم من اختزال الكلمات, وأعتقد لهذا السبب لم يكتب في جنس الرواية لأنه يميل إلى الاختزال والتكثيف والتركيز.

ثم تحدث القاص والروائي (علي حسين عبيد) عن اللغة السحرية في قصص زنكنه التي كانت تسخر من الحروب العبثية بطريقة غرائبية ورمزية فيها نوع من التحدي للسلطة القمعية, تلك الحروب التي سرقت الشباب من أحلامهم وطموحاتهم وقادتهم الى معارك مهلكة، إن القاص في قصة (لعنة الحمام) يعكس الهواجس المؤرقة بلغة شفافة (كوكوختي وين أختي وين أخوي وين أمي وين أبوي) بمثل هذا اللون الحجاجي يتدفق السرد ليقتحم ذاكرة القارئ.

وتحدث القاص والروائي (ابراهيم سبتي)عن مجموعة (وجع مر) وهي آخر نتاج للقاص قائلا أنها من الأعمال التي تأخذ من الحياة الاجتماعية المكتظة بالأزمات صيرورتها وحياتها وعالمها, معبرة عن الوجع الإنساني، باعتقادي هذا العمل يعد وثيقة لأحداث مجلجلة مرت على العراقيين، إذ في كل قصة حكاية تترجم لنا واقعا مختلفا عن الأخرى وجميعها تلتحم لتشكل وحدة الموضوع لذلك الهم الذي أصبح كابوسا يشمل الوحدة والعزلة والغربة النفسية، فالكاتب في هذا العمل وغيره من الأعمال السابقة، يجعلنا لا نشك في مثابرته وجديته في الإخلاص إلى الفن القصصي .