متى تكف الأحزاب عن توجيه الثقافة ؟


صلاح زنكنه
الحوار المتمدن - العدد: 8368 - 2025 / 6 / 9 - 18:48
المحور: الادب والفن     

صلاح زنكنه / جريدة الصباح 12 / 4 / 2004 / وثيقة للتاريخ

أعترف بدءا بأنني اكتسبت جل ثقافتي ومعرفتي منذ منتصف السبعينيات فصاعدًا, حيث بدأت مرحلة التأسيس والتكوين من الفكر الماركسي اللينيني، وتلمذت على أدبيات الحزب الشيوعي العراقي الذي كان بمثابة قلعة اليسار في العراق, وكان لخصوصية هذا الحزب في تبني المفاهيم والأفكار الثورية والتقدمية ذات الطابع الإنساني أثر مباشر على الثقافة العراقية ومنار للمثقفين العراقيين.
وقد حاول الحزب عبر هذا المنطلق منذ الخمسينيات تجيير أسماء بعض الأدباء لصالح خطابه الايديولوجي، وتسويقه الى الواجهة عبر القنوات والمؤسسات، وهذه مسألة يحتمها الصراع الفكري, وللحكاية تفاصيل وجزئيات.
وحين تسلم حزب البعث زمام السلطة، راح يعمل على منوال الحزب الشيوعي "مع فارق التوجه في الفكر والنية" على تسيس الأدب العراقي وتحويله الى بوق اعلامي يمجد منجزات الدكتاتورية التليدة، وسخر من أجل ذلك اقلاما وأموالا ومؤسسات تمخضت عن أدب مشوه ممسوخ يثير الامتعاض.

ومن جملة شنائع نظام البعث الصدامي تدخل المكتب المهني سيء الصيت في فرض توصيات وتعليمات على انتخابات اتحاد الأدباء في اختيار أعضاء المجلس المركزي, وبالتالي تعيين رئيس الاتحاد والأمين العام وأعضاء المكتب التنفيذي من قبله وبتزكية مباركة منه، وقد تصدى لهذا التدخل سافر بعض الأدباء ومنهم من كان محسوبًا على النظام, ولي الشرف أنني كنت من أوائل الذين نددوا في العلن بخروقات وتجاوزات المكتب المهني وقد صرحت بذلك في الصحف الأسبوعية (المصور العربي) و(الرافدين) و(الزمن) مما دعا هاني وهيب رئيس الاتحاد وخالد طبره مسؤول المكتب المهني بالذهاب الى جريدة المصور العربي قبل يوم من صدورها, وحذف بعض تصريحاتي ازاء عملية الانتخابات وحال الأدباء المزري, وأحتفظ بالوثائق التي تسند كلامًي فضلا عن شهادة الأدباء الذين عاصرونا مع ثلة المرتزقة.
وثمة "مانشيت " عريض وبالخط الأحمر على صدر غلاف مجلة "الرافدين" تحت عنوان مثير صلاح زنكنة يفتح النار على اتحاد الأدباء, وقد تعرضت أكثر من مرة للمساءلة والاستجواب والاعتقال, وهذ الأمر يعرفه الكثير من الأدباء وتحديدا أدباء السلطة الذي وفروا لي بعض الحماية والدفاع من باب الصداقة.

واليوم وفي زمن الحرية راح بعض الأدباء المرموقين والمحسوبين على الحزب الشيوعي بإعداد قائمة أسموها "القائمة الانتخابية الوطنية الموحدة " تحت اشراف الناقد فاضل ثامر، وقد ورد اسمي في هذه القائمة التي عرفت بقائمة الحزب الشيوعي الذي تولى طبعها وتوزيعها والتثقيف لها، وقد رفضت شخصيا صيغة القوائم التي تذكرني بقائمة حزب البعث، والتي كنا نتحداها بقائمة مناهضة أسميناها (قائمة المستقلين) ولثلاث دورات متتالية، فزت في دورتين منها، ترى ما حاجتنا اليوم للقوائم المبيتة ؟ ما دمنا نرفل جميعا بالحرية ونطمح بممارسة الديمقراطية بكامل الشفافية.
حسنا جرت الانتخابات وللمرة الأولى في جو ديمقراطي وفاز ثلاثون عضوا في المجلس المركزي "أنا واحد منهم " وكان حصة قائمة فاضل ثامر بحدود عشرين عضوا, لذا راحوا يجتمعون في مقر الحزب الشيوعي بدلا من مقر الاتحاد أو في فندق قصر العرب حيث ضيوف مهرجان الجواهري وقاموا بتوزيع المهام فيما بينهم وبالتراضي الحر ابتداء من تسمية رئيس الاتحاد الاستاذ الدكتور عناد غزوان الذي أقنعوه في بيته بصعوبة لكي يقبل بالمنصب ومرورا بالأمين العام الشاعر الفريد سمعان وهو أحد مناضلي الحزب القدامى، وكان يطمح بمنصب الرئيس، وهذا الأمر لم يكن سرا وإنما مهمة استراتيجية تكللت بالنجاح، وقد ابديت امتعاضي علنا من التكتلات الحزبية في مؤسسة الأدباء وأعلنت احتجاجي في اجتماع المجلس المركزي على الطبخة التنفيذية التي اعدت في مقر الحزب في ساحة الأندلس، ومن المفارقات العجيبة الغريبة، تعيين الشاعر نعمان النقاش الذي لم يفز بمقعد في المجلس مدير ادارة للاتحاد تملقا، دون رجوع الى المجلس المركزي الذي هو وحده من يصادق على قرارات المكتب التنفيذي, هذا المجلس الذي سوف يهمش ويقضي عليه كما عهده في الدورات السابقة ليكون المكتب التنفيذي هو الأمر الناهي، نتمنى أن لا تبلغ هذه الممارسات حدا ، نقول معه ما أشبه اليوم بالبارحة، وللحكاية تتمة وتفاصيل.
...
ملاحظة / الموضوع يعود الى عام 2004 نشرته للتوثيق فقط