أمريكا من التحرير الى الاحتلال


صلاح زنكنه
الحوار المتمدن - العدد: 8471 - 2025 / 9 / 20 - 22:47
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     

جريدة البلاط 8 / 6 / 2003
لقد درج بعض الكتاب والساسة في طرح أفكارهم ورؤاهم وأرائهم عبر لغة مراوغة ورجراجة ومطاطية، تتعدد فيها القراءات والاستنتاجات والنتائج كل حسب هواه ومرجعيته، وهذا ما تميز به الخطاب السياسي الأميركي بصدد الشأن العراقي الذي أخذ حيزا واسعا في الجهاز الاعلامي الأميركي الذي بات يقول شيئا ويعني شيئا آخر، حيث صاغ وسوق عبر سنوات عديدة عشرات الشعارات المنمقة ذات الطابع البراغماتي بشفافية عالية، تنطلي للوهلة الأولى حتى على ذوي الالباب من مهتمين ومحللين سياسيين واستراتيجيين، وفق برنامج مدروس لهذا الغرض، فقد اتخمتنا أميركا بوعودها العسلية لخلق يوتيبيا عراقية جديدة تنتعش فيها الحرية والديمقراطية والرفاهية والنظام العالمي الجديد، واصدرت في حينها قانون تحرير العراق عام 1998، الذي طال تنفيذه كثيرا حتى نفد صبرنا واستبشرنا خيرا ورحنا نحلم بالفردوس الموعود وبغد سعيد لا محال، فنحن الشعب الوحيد على الكرة الأرضية الذي تمنى وارتضى خيار الحرب الأخيرة التي شنتها قوات التحالف من أجل سلام دائم، وقد انتظرنا بفارغ الصبر الصواريخ والقنابل المجنحة المجانية من أجل الخلاص، الخلاص من الكابوس الذي هيمن على صدورنا طوال ثلاثة عقود، كان زادنا الخوف والرعب والإرهاب ومستقبل مجهول.

وأخيرا جاءت أمريكا (بعد طول انتظار وسوء الحال) بأساطيلها وصبت جام نيرانها على الآلة العسكرية التي كانت ترقد بسلام بين بيوتنا وشوارعنا وحدائقنا والتي لم تحرك ساكنا ولم ترد ولم تدافع حتى عن نفسها, لأن أبناء الجيش العراقي كانوا على يقين تام من أن صدام طاغية ودكتاتور ارهابي.

وسقط النظام في بغداد برمشة عين غير مأسوف عليه حتى من أعوانه، وتبعتها المحافظات دون قتال أو مقاومة ايمانا من العراقيين بأن هذا قدرهم الجميل للفوز بالمستقبل، وأن الأمريكان أصدقاء طيبون جاءوا محررين لا محتلين ... ودخلوا المدن العراقية الواحدة تلو الأخرى بأمان، ونشروا قواتهم بين ظهرانينا، وناموا رغدا، وحيث اطمأنوا من طيبتنا وشهامتنا، تماهلوا وتباطئوا وسوفوا كل الوعود ونكثوا بالعهود، وقلبوا ظهر المجن فراحوا يستخفون بالقوى السياسية الوطنية العراقية، ويهمشون طموحات الشعب العراقي بالحياة الحرة الكريمة، ويهملون عن قصد النخب الثقافية والتكنوقراطية, ويستعينون لغاية في أنفسهم بالقبائلية والعشائرية في تشكيل المجالس البلدية الكارتونية التي لا تحل ولا تربط, كونها بلا صلاحيات والتي تسعى أميركا جاهدة لتكون بديلة عن حكومة وطنية حقيقية انتقالية تقرر مصير العراق وتكفل حق ابناءه في رسم صورة المستقبل واللحاق بركب الحضارة.

والمضحك المبكي إن أميركا أعلنت نفسها وبصريح العبارة ودون مواربة، إنها قوات احتلال لكي تتخلص من الحرج الذي وقعت فيه، ولتتصرف بالتالي ضمن هذا الاعتبار وعلى أساسه والاحتلال مقيت وبغيض، والمحتل عدو, وأميركا ادعت إنها صديقة، ترى من جعل الصديق عدوا والمحرر محتلا، ولماذا ؟

إنها معادلة صعبة حقا، فالشعب الذي رفض الدكتاتورية لا يقبل بالاحتلال بأي شكل من الأشكال بالرغم من أنه يتجرع بمهل سموم الواقع المرير الذي خبره, بيد أنه يتطلع إلى غد أفضل وأفق أكثر شفافية، ويأمل من قوات التحالف التي تبغي السلام تكتيكا ذا مرونة يتوافق مع تطلعات الإنسان العراقي, لبناء عراق ديمقراطي فيدرالي موحد.