الحرب حين تدان انسانيا / قراءة نقدية


صلاح زنكنه
الحوار المتمدن - العدد: 8620 - 2026 / 2 / 16 - 18:11
المحور: الادب والفن     

قراءة ذرائعية في نصّي "جنود مشرّدون" و"قتلى منسيّون" للقاص صلاح زنكنه ضمن مجموعته عائلة الحرب / 2014
بقلم : هيثم محسن الجاسم / جريدة الحقيقة 15 - 2 - 2026

1- جنود مشردون
نحن الجنود الأوفياء للحرب, نحن الجنود التعساء في الحرب .. كثيرا ما نحن لبضعة مباهج حميمة, هذا جندي يحن لأمه, وذاك جندي يحن لزوجته وآخر يحن لأطفاله, وأنا مثلهم أحن لأهلي ومدينتي, فواحد وقع في الأسر, وثان بترت ساقه أو عضوه, وثالث بات مفقودا في الأرض الحرام, ورابع وخامس وعاشر أمسى شهيدا .
وأنا مازلت جنديا معتوها شريدا, أجوب الطرقات والشوارع بحثا عن جنود شردهم الحنين واغتالتهم الحرب.

2- قتلى منسيون
حين كنا صغارا نلعب بيت بيوت وعريس وعروسة بكل براءة ونتقمص أدوارنا بكل ثقة, فتزدهي البيوت وتزدان بالآمال والأمنيات وتحمّر خدود العرائس خجلا بانتظار العرسان الموعودين, فتوبخنا الأمهات الطيبات لننام هانئين حالمين ببيوت وعرائس وبمزيد من اللعب والمرح والهناءات ...
ولما كبرنا مشينا للحروب, فخلت البيوت منا, والأمهات صرن ثكالى, والعرائس عوانس, أما نحن العرسان الموعودون بتنا محض قتلى منسيين .

مقدمة ذرائعية ...
ليست الحرب في الأدب مجرّد موضوع، بل اختبار أخلاقي لقدرة النص على الانحياز للإنسان.
وفي نصّي "جنود مشرّدون" و"قتلى منسيّون" تتقدم الكتابة بوصفها موقفًا إنسانيًا واضحًا، يتجاوز التمثيل الجمالي إلى الإدانة الأخلاقية، منسجمًا مع الرؤية الذرائعية التي نظّر لها الناقد عبد الرزاق عودة الغالبي.
منذ السطر الأول، لا يقدم النص الجندي بوصفه بطلًا أسطوريًا، بل كائنًا مكسورًا، تحاصره الخسارة من كل الجهات.
فالكاتب لا يكتب عن الحرب من خارجها ولا يتعامل معها كحدث ملحمي بل كفعل تدمير شامل يطال الجسد والذاكرة والبيت والمستقبل.
وتتجلّى الذرائعية بوصفها منهجًا يُخضع الجمال للوظيفة، ويجعل الإنسان مركز الخطاب.

ففي "جنود مشرّدون" تتبدّى الإدانة عبر تفكيك صورة الوفاء للحرب. المفارقة التي يبنيها النص بين الوفاء والتعاسة تكشف زيف الخطاب التعبوي وتسقط عن الحرب قناع القداسة.
لأن الجنود ليسوا أرقامًا ولا رموزًا بل أفرادًا لهم أمهات وزوجات وأطفال وحنين، وهو ما ينسجم مع مبدأ الذرائعية على إعادة الاعتبار للفرد داخل النص ورفض تحويل الإنسان إلى وسيلة أيديولوجية.
أما نص "قتلى منسيّون"، فيذهب أبعد من توصيف الألم الآني، ليشتغل على الذاكرة الاجتماعية. فأن الانتقال من ألعاب الطفولة إلى ساحات القتال يعرّي المسار القسري الذي يُفرض على الفرد ، حيث تُختطف البراءة ويُصادر الحلم، وتتحوّل البيوت إلى فراغات، والأمهات إلى ثكالى، والعرائس إلى انتظار بلا نهاية.
هنا الحرب لا تقتل الأجساد فقط بل تُعطّل الزمن الاجتماعي وتفكك بنية القيم.

ووفق المنهج الذرائعي، لا تُقاس قيمة النص بما يثيره من انفعال عابر بل بقدرته على إنتاج وعي. وهذان النصّان ينجحان في ذلك عبر مساءلة المسلّمات لا عبر الخطابة أو الشعار. فالإدانة لا تأتي مباشرة بل تتشكّل في وعي المتلقي من خلال تراكم الصور والمصائر وهو ما يمنح الخطاب الأدبي صدقيته الأخلاقية.
كما يلتزم النصّان بمسؤولية معرفية واضحة، إذ يربطان الحرب بتداعياتها الاجتماعية العميقة، ويكشفان كلفتها الصامتة التي غالبًا ما تُهمَل في الخطاب الرسمي (المفقودون، المعاقون، المؤجَّلون، والمنسيّون.) وبهذا يتحوّل الأدب إلى ما يشبه الوثيقة الإنسانية دون أن يفقد حساسيته الفنية.

إن قراءة هذين النصّين بوصفهما منجزًا لغويًا فقط تُعد قراءة مبتورة. فوظيفتهما الأساسية تكمن في كونهما خطابًا مضادًا للعنف، يشتغل على تفكيك ثقافة التمجيد ويعيد تعريف البطولة بوصفها تمسكًا بالحياة لا افتتانًا بالموت.
في المحصلة، يقدّم النصّان نموذجًا لأدبٌ ملتزم إنسانيًا، واعٍ بوظيفته، ومسؤول عن أثره.
أدب لا يكتب عن الحرب، بل يكتب ضدّها، ويذكّر بأن الأدب، قبل أن يكون جمالية لغوية، هو رسالة أخلاقية ومعرفية في وجه الخراب.

مدخل ذرائعي – الأدب بوصفه فعلًا أخلاقيًا:
تنطلق الذرائعية من أن قيمة النص الأدبي لا تُقاس بجماليته المجردة، بل بفاعليته: ماذا يقول؟ ولمن يقول؟ ولماذا يقول؟ وما الأثر الذي يحدثه في وعي المتلقي وسلوكه؟
ومن هذا المنظور، فإن نصّي جنود مشرّدون وقتلى منسيّون ينهضان بوظيفة أخلاقية وإنسانية واضحة، إذ لا يكتفيان بتمثيل الحرب، بل يفضحان نتائجها على الإنسان، الأسرة، والمجتمع.
هنا؛ الإدانة بوصفها موقفًا أخلاقيًا لا شعارًا سياسيًا: أي ليست خطابًا مباشرًا أو أيديولوجيًا، بل إدانة إنسانية ضمنية تقوم على تفكيك صورة البطل الحربي، بإزاحة المجد الزائف للحرب وإحلال صورة الضحية بدل صورة المنتصر.

في جنود مشرّدون: (نحن الجنود الأوفياء للحرب… نحن الجنود التعساء فيها) مفارقة ذرائعية دقيقة، الوفاء للحرب يقود إلى التعاسة. وهذا الحكم ليس وعظيًا، بل ناتج عن سرد المصائر( أسر، بتر، فقدان، تشريد، شهادة).
أما في قتلى منسيّون فالإدانة أعمق لأنها تمرّ عبر الزمن الاجتماعي (طفولة بريئة، شباب مؤجَّل، مستقبل مسروق). هذا التحوّل الزمني يرسخ الوعي بأن الحرب خيانة للحياة لا قدرًا بطوليًا.
المسؤولية الأخلاقية للنصاص: (وفق المنهج الذرائعي): -الانحياز للإنسان لا للحدث. لا ينحاز إلى أيديولوجيا جهة اوخطاب تعبوي بل ينحاز إلى الأم، الجندي الفرد، العريس المؤجَّل، الطفل الذي لم يكبر. وهذا جوهر الالتزام الأخلاقي في الأدب الذرائعي.
تفكيك خطاب التقديس: النصّان يرفضان تمجيد الموت وتسليع الشهادة وتحويل الجندي إلى رقم. بل يعيدان له اسمه، حنينه، أمه، زوجته، حلمه. وهذا فعل مقاومة ثقافية.

المسؤولية المعرفية وبناء الوعي: لا يكفي أن يكون النص أخلاقيًا، بل يجب أن يكون مُنتجًا للمعرفة.
أي يكشف العلاقة بين الحرب وتفكك البنية الاجتماعية، ويربط بين العسكرة وخراب الأسرة.و يفضح الكلفة الصامتة للحرب (العوانس، الثكالى، المفقودون).
في قتلى منسيّون تتحوّل الحرب إلى قاطع سوسيولوجي(البيوت خلت، الأمهات ثكالى، العرائس عوانس.)
و نجح النصان في الانتقال من الفردي إلى الجمعي وهو شرط ذرائعي أساسي.

فلسفة المجتمع العربي: ينطلق النصّان من عمق الثقافة العربية حيث الأسرة مركز الوجود, والأم رمز الاستمرارية والزواج أفق الاستقرار, والمدينة مرادف الهوية. وفق هذا التصوّر ،الحرب ليست فقط خرابًا سياسيًا، بل هدمًا لبنية القيم العربية نفسها، وهذا ما يجعل الخطاب الأدبي هنا ناقدًا للمجتمع بقدر ما هو ناقد للحرب، دون إسقاط أو تشهير.
أما أثر النص على المتلقي (الذرائعية التطبيقية):على مستوى الوعي يقوم على زعزعة صورة الحرب النمطية، بإعادة تعريف البطولة، وتحفيز الذاكرة الجمعية.
وعلى مستوى السلوك يخلق موقفا نقديا من العنف. بتعزيز التعاطف بدل التماهي مع القتل مما يدفع القارئ لمساءلة الخطاب السائد.
وهنا نجح النص في أداء وظيفة الأدب بوصفه رسالة إنسانية قبل أن يكون جمالية لغوية.