عن حزب التجمع


مصطفى مجدي الجمال
الحوار المتمدن - العدد: 8842 - 2026 / 9 / 28 - 17:37
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     

كانت الحركة الطلابية في أوائل السبعينيات شديدة الوطأة على نظام السادات الذي كان يراوغ في قرار الحرب على أمل أن تثمر اتصالاته السرية مع الأمريكان عن حل لمشكلة احتلال سيناء، حتى لا يتعرض النظام كله لـ "محنة" مروعة يخشاها، وكي يكون الانقلاب على عبد الناصر أكثر سلاسة.
لكنه اضطر تحت الضغط الشعبي والعسكري إلى اتخاذ قرار الحرب فارتفعت أسهم النظام مؤقتًا، لكنه سرعان ما انغمس في التقارب الفج مع الأمريكان، ثم إعلان سياسة "الانفتاح" التي رحب بها الغرب والطفيليون و"ضحايا ثورة يوليو" في الداخل.
ونصحه الأمريكان والخليجيون بالاستعانة بتيار "الإسلام السياسي" (حتى التكفيري العنيف والإرهابي منه)، وفي الوقت نفسه طالبوه بإظهار قدر أكبر من "الانفتاح الديمقراطي" المحسوب لتفريغ الطاقات الاحتجاجية أولاً بأول. خاصة مع إعلان حزبين شيوعيين سريين عن نفسيهما عام 1975، إلى جانب تأكد النظام من تشكيل عدد من التنظيمات الناصرية الشبابية السرية.
كان المطلوب أيضًا هو إخراج المعارضة السرية إلى العلن ليسهل تقدير حجمها وكشف أقوى حلقاتها وضربها. ومن هنا كان إنشاء المنابر الثلاثة التى اختار السادات قياداتها، لتمثل يمين ووسط ويسار "الاتحاد الاشتراكي العربي". وبعدها تطورت إلى أحزاب ولينتهي "الاتحاد الاشتراكي" نفسه.
وهنا كان لا بد لنا من اتخاذ موقف من "منبر اليسار". فريق رأى فيه مجرد كيان كرتوني لسحب الأرض والكوادر من الأحزاب الشيوعية والتنظيمات الناصرية السرية. ورأى آخرون أننا أمام تحدٍ نضالي لترسيخ علنية المعارضة اليسارية دون حاجة للتنظيم السري. ورأى فريق ثالث (أظنه كان الأكبر) أنه لا يمكن إفساد اللعبة بالمقاطعة ولا بالانغماس فيها. أي أن ينضم لحزب التجمع عدد مؤثر من كوادر الحزب، لدفع التجمع يسارًا كلما أمكن دون التنازل عن الحزب السري أو إضعافه، بل الاستفادة من التجمع كمنفذ للانفتاح على الجماهير وتجنيد الكوادر الواعدة للحزب الشيوعي.
غير أن الانتخابات البرلمانية "الحرة نسبيًا" وقتها أذابت الفوارق بين ما هو سري وما هو علني. وتفاقم الحال بعد انتفاضة 1977. فأصبح بعض أعضاء التجمع يضيقون بتوجيهات حزبهم السري وفرضوا حريتهم الشخصية في اتخاذ المواقف، بل وحتى نشأت صراعات بينهم أنفسهم، ومن هنا نشأ لغط كبير. أما أعضاء التجمع غير المنتمين للحزب السري فكانوا يضيقون من هيمنة كتلة فعالة بقيادات لامعة على المجريات السياسية والتنظيمية في "حزب جبهوي".
غير أن التحول المزعج كان في الانتماءات الفكرية والمواقف السياسية لكوادر الحزب السري اللامعة والتي تتولى مواقع قيادية في حزب التجمع، وازداد التحول جرأة ووضوحًا بعد انهيار الكتلة السوفيتية.
ثم كان القبول المخجل ببعض المكاسب الإعلامية والنيابية البسيطة من نظام مبارك تحت تنظيرات مختلفة أشهرها "التناقض المتداخل" مع النظام، و"الأسقف المنخفضة" في الحركة والشعارات.
ثم كانت "الطامّة" الكبري في موقف حزب التجمع من انتفاضة 2011، وكذلك عدم الفهم السليم للتناقض بين قطبي الثورة المضادة (وهو ما شرحته بالتفصيل مبكرًا في مقال بعنوان "الثورة المضادة أفعى برأسين").
وحدث وقتئذٍ تطوران لافتان. أولهما خروج كتلة كبيرة من حزب التجمع شكلت حزب التحالف الشعبي، وثانيهما إعلان الحزب الشيوعي عن نفسه في ميدان التحرير، وتفضيل أهم كوادره اللامعة للاستقالة من الحزب الشيوعي والاكتفاء بالتجمع. ثم تطورت الأمور داخل التجمع إلى تناحر شخصي وتنظيمي وسياسي بين تلك الكوادر نفسها.
وهكذا أخشى القول إن الأمور آخذة في التدهور يومًا بعد يوم، وأهم معالم التدهور:
** تدهور حجم الكتلة التنظيمية في التجمع، ناهيك عن تطورها.
** التدهور البالغ في شعبية الإعلام التجمعي.
** المواقف السياسية الملتبسة، وهذا أقل ما يقال عنها.
** التساهل البالغ في قبول وتصعيد عضويات جديدة لا نشاط جماهيريًا لها وغير مؤسسة فكريًا وسياسيًا.
** المناخ الداخلي الخانق بخلافاته الذاتية.
** الضعف البالغ في الثقافة اليسارية التي تعتبر من أهم ركائز الوجود اليساري.
كلمة أخيرة.. أشعر بحزن بالغ لما آل إليه حال التجمع الذي كان وقت نشأته أكبر منجز لليسار المصري في القرن العشرين.. فقد تكاتفت عليه أجهزة الأمن وإعلام السلطة والنزعات البرجوازية الصغيرة ونقص الديمقراطية الداخلية..
وليس معنى هذا أنني راضٍ عن أوضاع أحزاب وقوى أخرى.. فلكل حديثه.. ولكن التجمع شيء آخر، كيان بدأ عملاقًا ولم يصنه أبناؤه.