أرجوحة الكاريزمات


مصطفى مجدي الجمال
الحوار المتمدن - العدد: 8686 - 2026 / 4 / 23 - 09:14
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     

يحدث كثيرًا لبعض نظم الحكم (خصوصًا في الدكتاتوريات المقنَّعة أو الديمقراطيات الشكلية والمقيَّدة) أن تلجأ أجهزتها الأيديولوجية والدعائية إلى "الدعبسة" الشعبوية في تاريخ بعيد أو قريب عن شخصيات رمزية يتم الارتكان إليها في الترويج لعهد جديد، أو التمجيد لعهد قائم.
فمثلاً اهتم العهد الناصري باستحضار زعامة عرابي بما تمثله من رفض لنظام وراثي ولصوصي، وتعظيم لدور الجيش في حماية الأمة والشعب من الاستغلال والاستعمار. بينما بَهت أو حتى اختفى تقريبًا من الإعلام والتعليم الناصري شخصيات مثل سعد زغلول والنحاس والبنا... اللهم إلا إذا اقترن ذكرهم بالإدانة والتقريع.
ورغم أن السادات كان ظلاً ضعيفًا في معية عبد الناصر، ووصل إلى السلطة الرئاسية صدفةً ضمن فعاليات الإطار الناصري، ورغم أنه انحنى لتمثال عبد الناصر وأقسم على السير في طريقه، إلا أنه سرعان ما انقلب على كل شيء ناصري فيما عدا الاستفادة من آليات "الشمولية" الناصرية نفسها لتمرير سياسات الانقلاب على عبد الناصر. ومن المثير أنه لم يشر قط إلى نفسه كاستمرار لرمز تاريخي يعزز مكانته، حتى ليبدو أنه كان يعتبر نفسه زعامة وكاريزما قائمة بذاتها. فقدم نفسه كقائد لثورة التصحيح وبطل الحرب والسلام والرئيس المؤمن وكبير العيلة..
ورغم أن مبارك كان صنيعة خالصة لنظام السادات، وتدرب سياسيًا بالكامل على أيدي نظامه، ولم يخرج عن سياساته، إلا أنه في بداية عهده رأى أن من آليات الترويج المفيدة له السماح بإذاعة بعض خطابات عبد الناصر والأغاني المرتبطة بمرحلته قبل الساداتية. غير أن دهاقنة النظام سرعان ما بنوا له مجده الشخصي الخاص من خلال التضخيم في "قائد الضربة الجوية". ولما طال حكمه ثلاثين عامًا (مقابل 18 عامًا لناصر، و11 عامًا للسادات) تزايدت طموحات أسرته الصغيرة، فأحكم ابن له السيطرة على الاقتصاد والأعمال، وآخر على الحزب الحاكم والسلطة التنفيذية، أما زوجته فقد تم الترويج لها محليًا وعربيًا وعالميًا بصفتها راعية للمجتمع المدني والثقافي والنسوي.. ومن هنا انجرفت الأسرة وراء مخطط التوريث للحفاظ على السلطة بعد وفاة الأب، ربما في محاولة خبيثة لتدشين نظام ملكي يحاكي نشأة إمبراطورية شاه إيران، فكان محتومًا تعرضه للفشل الذريع بفعل معارضة الجيش ومقاومة الشعب.
أما بعد انتفاضة يناير 2011 التي أسقطت عائلة مبارك.. فقد رأت المؤسسة العسكرية أنه لا يمكن حماية الأمة في هذه الأوضاع المدلهمة إلا من خلال زعامة آتية من الجيش، فطُرحت بقوة أسماء متنافسة مثل أحمد شفيق رئيس وزراء مبارك، وعمر سليمان رئيس المخابرات، وحتى بدرجة أقل سامي عنان رئيس أركان الجيش..
وفي المقابل كانت الحركة المدنية، والتي لعبت دورًا كبيرًا في الانتفاضة، قد قدمت محمد البرادعي، لكنه أظهر شخصية ضعيفة ولم تكن له الخبرة السياسية ولا الكاريزما الكافية للإقناع في مواجهة الرموز المضادة. كما لم يرحب به كثيرًا "رجال الأعمال" والليبراليون لأن مصالحهم (كرأسمالية محاسيب) كانت مرتبطة أكثر بدهاليز السلطة التنفيذية التي لم تتخل عن جوهر السياسات الساداتية حتى لو اضطروا للتخلي عن نزق العائلة المباركية.
بالمقابل كان الإخوان المسلمون في أوج نفوذهم داخليًا وخارجيًا، فأخذوا يروجون لأنفسهم كورثة لكاريزمات المؤسس حسن البنا والمفكر المجمع عليه سيد قطب. غير أن قائدهم التنظيمي الأقوى طموحًا وهو خيرت الشاطر لم يكن محبوبًا بشكل عام خارج الجماعة، ولم يكن معروفًا جيدًا خارجها بفضل سنوات السجن واشتهار أنشطته المافوية في قطاع الأعمال التجارية. كما أنه تعرض لمنافسة قوية جدًا من خصمه التنظيمي اللدود عبد المنعم أبو الفتوح الذي روّج لنفسه بعد الخروج من الجماعة كقائد إسلامي ليبرالي، ناهيك عن زعامة أخرى قوية جدًا مثلها حازم صلاح أبو إسماعيل الذي تمتع بشعبية كبيرة وسط الإخوان وبعض السلفيين معًا.. ومن ثم رست الأمور على محمد مرسي الذي لم يكنمعروفًا سوى لقلة من المحتكين بالإخوان، كمالم يكن يتمتع بأكثر من قدرات خطابية تقليدية بائسة.. وعمومًا فقد مال كل الإسلاميين إلى الاستعانة دعائيًا بجميع الرموز التاريخية للتيار الإسلامي.
في المقابل مال قطاع من الناصريين إلى الاعتقاد بأن إحياء ذاكرة الشعب عن الفترة الناصرية كفيل بأن يُنجح زعيمهم في الوصول إلى لسلطة، فعادوا كثيرًا إلى الخطابات والتعبيرات والمواد الإعلامية الناصرية. غير أن الزعيم ربما وجد أن هذا لا يكفي أمام فيض قوة الإسلاميين، فسعي إلى التحالف الضمني وحتى العلني معهم، وكان هذا اختيارًا فاشلاً لأنه يستحيل الجمع بين التراث الناصري وبين عقد صفقة مع ألد أعدائه. أي أنه خيار أفسد الاستفادة من استعادة الذاكرة والكاريزما الناصرية،
أما الليبراليون، فبوجه عام لم يروا أنهم بحاجة كثيرًا إلى زعامات تاريخية يستقوون بها، فلا أحد تقريبًا يرى ميزة كبرى في الاستعانة برموز ما قبل الثورة من وفديين وخلافه.
كان المناخ العام بعد انتفاضة يناير يتسم بنفوذ متصاعد لكاريزما عبد الناصر، خاصة مع اقتناع متزايد بأن المنقذ المنتظر سيكون من الجيش غالبًا أو مؤكدًا. ومن ثم عملت دعاية النظام المتناقض لما بعد انتفاضة يناير مباشرة، عملت على الاستعانة النشطة نسبيًا برمزية عبد الناصر والمؤسسة العسكرية عمومًا.
وبعد نجاح النظام الحالي في التخلص من الفترة السوداء لحكم مرسي، فلم يكن باستطاعته تجاهل الدعم الأمريكي والأوربي للإخوان، ومن ثم كان لا بد أن يتم التخلى تدريجيًا عن رمزية عبد الناصر، فكانت الوسيلة بعد ذلك هي تخفيف الإشارات إلى ناصر مقابل تصعيد رمزية السادات، "بطل الحرب والسلام"، بل وبدأت تتبلور محاولات خجولة ثم متصاعدة للترحم على زمن مبارك، ومن السخرية أن أخذ بعض الليبراليين يستعيدون أمجاد "فاروق" والحكم الملكي.
وبعدما اشتد عود النظام القائم، أخذت معظم أجهزته في التمجيد للنظام باعتبار أن كاريزمته حاضرة وقوية ولا تحتاج كثيرًا إلى الشعبوية التاريخية، وإن تركت لشتى أنصار أن يروجوا له كما يشاؤون دون قالب رمزي/كاريزمي/تاريخي منفرد. فهناك كاريزما قائمة بذاتها، ولا حجر على من ينسب إليها فضائل كاريزمات سبقت.